الملحق الثقافي

النقد.. فعلُ حبّ اعتدنا غيابه

1
من خلال تجربتي الشخصية، أتذكر أننا في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، في بداياتنا ككتّاب قصيدة وقصة، كنا نشعر بالرهبة من النقد والخشية من النقاد، حتى ذلك النقد أو الانطباع الصادر من الأصدقاء والمهتمين بالأدب، لذلك لم نستعجل النشر، لم نكن نجرؤ على ذلك، لم تكن لدينا الحصانة ولا الشجاعة، لم نقْدم على نشر قصة أو قصيدة إلا بعد أن تحرز إعجاب المحيطين بنا وتشجيعهم لنا. كنا نكتب وفي مواجهتنا ناقد لا نعرف شكله لكنه مخيف ومثير للرهبة. ناقد حقيقي وآخر متخيّل. وكنا نعيد كتابة النص أكثر من مرة حتى نطمئن تماماً.
2
مع الحركة الأدبية الناشئة آنذاك، نشأت حركة نقدية متواضعة العدد لكنها مؤثرة، وظهرت أسماء في النقد اكتسبت أهمية ونالت تقديراً. كنا نصغي إليها باهتمام ونتفاعل مع تقييماتها وأطروحاتها سواء بالسلب أو الإيجاب. لكن تلك الحركة النقدية لم تستمر طويلا، فقد أصابها الفتور والكسل، أو اعتمدت على أدواتها القديمة ومنظوراتها التقليدية، ولم تستطع أن تكتسب أدوات نقدية جديدة بها تواكب النصوص الشعرية والنثرية التي راحت تتفاعل بإيجابية مع المنجزات الحديثة في الكتابة. لقد توقفت الكتابات النقدية، للأسف الشديد، عند تخوم المجموعات الأولى من القصص والقصائد في حين كانت النصوص تتنامي وتتطور وتتقدم إلى الأمام، وتتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً في البنية والتركيب والرؤية. لذلك شعرنا، ككتّاب، أننا لا نحتاج إلى نقد غير قادر على صقل أدواته وتحديث رؤاه وتطوير نفسه.

3
النقد كان مفيدا جدا في إضاءة الكثير من المفاهيم وتعميق الجوانب العديدة في الفعل الإبداعي. لكن النقد الذي كنا نمارسه، نحن الكتّاب (حلقة الأصدقاء في بداية السبعينيات)، حيث نقرأ لبعضنا وننقد نتاجاتنا ونقيّم تجاربنا بصراحة وحب، وبقسوة غالباً، ساهم كثيرا في شحذ إمكانياتنا وفي تعميق وعينا.
بعد سنوات قليلة استبشرنا خيراً بظهور أسماء جديدة، ذات خلفية أكاديمية، تقدم أطروحات وبحوثاَ نقدية في المجال الثقافي. وكنا نأمل أن تنتعش الحركة النقدية من خلالهم، لكن اتضح أن اهتمامهم منصبّ على النقد الثقافي، متخذين موقفاً سلبياً، ولامبالياً تقريباً، من النص المحلي الأدبي، رافضين أن يكونوا - حسب تصوّرهم - نقاداً تابعين للنص الأدبي ومتخصصين في خدمته، بدعوى أن مجالهم أوسع وأرحب وأعمق. مع إن ذلك لا يتعارض مع دراسة وتحليل النصوص الأدبية، كما كان يفعل رولان بارت مثلاً في تناولاته النقدية واشتغالاته الفكرية. وبطبيعة الحال، حدث ما يشبه الانفصال أو التباعد، واستمرت الفجوة واتسعت.
في السنوات التالية ظهرت أسماء أخرى مهمة في النقد، بدأت تعتني بالنص المحلي، شعراً ونثراً، وتتناوله باهتمام أكثر، وبجدية أكبر، لكنها لم تستطع أن تخلق حالة تفاعلية مع كتّاب النصوص، بالذات الأصوات الجديدة، ربما لأن هذه الأصوات لا تشعر بحاجة إلى نقد يكشف ويسلط الضوء على النواقص والسلبيات.
ولنا هنا أن نتساءل: من يهتم بالناقد، من يحتاج إليه؟ هل هناك ضرورة للنقد؟ هل يحتاج أحد من الكتّاب إلى النقد الآن؟.. واقع الحال يقول أن أغلب الكتّاب الشبان، بل وحتى من سبقهم من الكتّاب، لا يشعرون بحاجة إلى النقد، ولا يعنيهم النقد بقدر ما يعنيهم الإطراء والثناء.
لكن ثمة حقيقة ساطعة: الكتّاب الشبان في أمسّ الحاجة إلى نقد لا يهادن ولا يتملّق لكن أيضاً لا يكره ولا يحتقر ولا يتعالى. نقد صارم لكن لا يخلو من حنوّ. نقد مثقف واع حداثي مرن، لا يعلّم ولا يلقّن بل يحاور ويتفاعل.
للنقد دور مهم وأساسي ليس فقط في تطوير الأقلام الشابة، بل أيضاً في تطوير وتنمية وتحوّل الأقلام غير الشابة، والتي تتجمد ويصيبها العطب في لحظة زمنية معينة فتتوقف عن النمو والتفاعل والتأثير لأنها قررت، في حالة غياب النقد أو تكاسله، أن تكفّ عن طرح الأسئلة، وتتجنب الحوار مع أقرانها وقرائها، ولا تعود تكترث بما يستجد من أفكار ورؤى وأشكال في الأوساط الثقافية العالمية.
4
شخصياً أعتبر النقد إبداعاً لا يقل أهمية أو قيمة من النصوص ذاتها. استفدت منه كثيرا، ولا أزال. وأشعر بضرورته. لكن على الكتّاب الشبان أن يشعروا أيضاً بضرورته وجدواه، وعلى النقد أن يجسّر المسافة بينه وبين النص وأن يخلق علاقة إيجابية ومتفاعلة.
النقد، في تعامله مع النص أو أي عمل فني، يسعى إلى إضاءة جوانب قد تبدو متوارية أو خفية في النص، لذلك هو ضروري.. ويكون كذلك عندما يسعى إلى خلق حوار مع المتلقي من خلال النتاج الذي يتناوله، بمعنى أن الناقد لا يأتي إلى النتاج متوهماً امتلاك السلطة المطلقة في نفي العمل الأدبي /‏‏ الفني، أو تمجيده، وفق مزاج خاص أو أيديولوجيا معينة أو موقف شخصي، بل يأتي إليه بدافع إضاءته ومحاورته والكشف عن خفاياه وأسراره، وذلك انطلاقاً من الحب.. الحب وحده.
الكاتب أو الفنان، عادةً، لا يحب النقد الكاشف عن قصور وعيوب وأخطاء، لا يميل إلى الملاحظات السلبية.. خصوصاً إذا كان الناقد يصدر عن ذات ترى أنها أكثر تفوقاً وذكاءً وحكمة. الكاتب أو الفنان، في كل الأحوال، يرغب في المديح، في الإطراء، في التشجيع. يرغب في إشباع غروره وإرضاء ذاته.
مع ذلك فالنقد ضروري، شرط أن يكون نابعاً من الحب لا الكراهية. النقد، ويحلو لي أن أكرّر هذا، هو فعل حب بالدرجة الأولى، أو هكذا ينبغي أن يكون. حتى لو اتسم بالقسوة والحدّة. لكن للأسف، معظم النقاد لا يعترفون بهذه الحقيقة ويعتقدون أن النقد فعل تشريح للنتاج الفني أو الأدبي.. تشريح وإذلال وازدراء وحط من قدر أو قيمة أو مكانة الآخر.
فعل حب.. هكذا أفهم النقد. على الناقد، في المقام الأول، أن يحب العمل الذي يتناوله حتى لو تخلّلت تحليله النقدي ملاحظات صارمة وقاسية، وإلا ما ضرورة أو جدوى تناول عمل أنت لا تحبه أساساً. ما جدوى أن يتحمّل الناقد عناء الكتابة عن عمل يكرهه أو لا يطيقه أو لا يميل إليه أو لا ينسجم معه؟ إنها مضيعة للوقت لكل الأطراف. لم لا يتجاهله ويوفّر على نفسه، وعلى قارئه، حالات التوتر والغيظ والمزاج السيئ.. يوفر الطاقة على الأقل. أليس من الأجدى والأكثر أهمية أن يوجّه هذه الطاقة في نقد عمل يحبه حتى لو أبدى رأيه بقسوة وصرامة.. فالحب لا يعني التساهل والمجاملة والتملق والمهادنة.
أنا لا أعترض على عنف النقد، رغم أنه موجع حقاً. من وظائف الناقد أن يحلّل النص ويكشف إيجابياته وسلبياته. القسوة تكون مقبولة ومبرّرة إن شفّت عن حب واحترام ورغبة صادقة في الكشف عن نقاط الضعف بدافع التجاوز والتطوير. لكنها تكون مرفوضة إذا صدرت عن كراهية أو ضغينة، وعن رغبة شريرة في تدمير عملك وإذلالك.
من جهة أخرى، لا أميل إلى، بل لا أثق في النقد الذي يأتي إلى النص أو أي عمل فني آخر من خارجه فارضاً عليه تصوراته ومفاهيمه وقناعاته وأفكاره ورغباته وما ينبغي أو لا ينبغي فعله، من دون أن ينطلق من داخل العمل من جوهره، من ثناياه وموجوداته، محاولاً أن يجد في النص ما يتوافق مع أفكاره أو معتقداته أو أيديولوجيته، فإذا لم يجد ما جاء يبحث عنه، سارع إلى إصدار حكم طائش وغير مسؤول بفشل النص أو ضعفه أو عدم جدارته لأن يحتل مكانة هامة ومتميزة. مثل هذا النقد لا يفيد الكاتب ولا القارئ. وهو نقد يصعب الاطمئنان إليه والثقة فيه.
النقد المرن والمنفتح، والذي يمتلك حساسية جمالية عالية، هو ما نفتقده وما نحتاجه.

5
غير أن النقد، في معظمه، لا يسعى إلى اكتشاف ما هو جديد ومغاير بل يتجه إلى ما هو معروف ومتكرس. الناقد، عادةً، يطمئن إلى التجربة المتكرسة نظراً لسهولة تناولها واقتحامها، وتوفر الأدوات النقدية التي تعالج نتاجات هذا الاتجاه المعروف والمألوف، التي بها تم التعامل مع هكذا تجربة، المرة تلو الأخرى، حتى أضحت التجربة مألوفة جداً، مكشوفة وواضحة المعالم، لا تحتاج إلى سبر أعمق لأغوارها، وكل ما يتعيّن على النقد أن يفعله هو أن يكرّر وينوّع على كذا ثيمة.
في الوقت ذاته، النقد يجد صعوبة بالغة في اختراق تجارب جديدة تعبّر عن رؤى مغايرة عبر أساليب غير مألوفة. مثل هذه الكتابات تقتضي من الناقد أن يستخدم، أو يستنبط أو يخترع، أدوات نقدية جديدة قادرة أن تسبر وتتحرّى وتتغلغل في ثنايا أو مجاهيل النص لتكتشف جوهره وعناصره وجذوره.
إذن، لو خيّر الناقد التقليدي بين تناول تجربة مألوفة، واضحة، وأخرى جديدة، غامضة، لاختار حتماً الأولى. بالتالي، نحن بحاجة إلى ناقد جديد، مبدع، مغامر، ولا يخاف.
في العملية النقدية، يفضّل الناقد أن ينتظر الكاتب حتى يتكرس ليبدأ في الاهتمام به. إنه لا يقدّمه بعد كتابه الأول أو الثاني، بل يدعه ينمو وحيداً، وربما لن يلتفت إليه النقاد حتى يحالفه الحظ ويشتهر بطريقة ما، عندئذ تبدأ الأنظار في التوجّه إليه وتقديم القراءات عن أعماله.

6
في ما يتعلق بتجربتي مع السينما، فإن اهتمامي بالأفلام يتعدى المشاهدة، إلى الكتابة عنها. لكن ينبغي أن أوضح، قبل كل شيء، أنني لست ناقداً بالمعنى الحقيقي. عندما أكتب عن الأفلام فإنني أختار الأفلام التي أحبها.
مضيعة للوقت والجهد، وتبديد للطاقة، الكتابة عن نص أو فيلم تكرهه. هذا لن يفيد أحداً. وكما قلت، من الأفضل أن تتجاهل العمل وتتجنب التوتر الذي تحدثه الكتابة عن شيء لا تطيقه.
أميل إلى قراءة النقد الذي هو، في جوهره، رسالة حب إلى الفيلم أو صانعه. لكن لا براعة لدي في سبر الأفلام وتحليلها نقدياً، واستكشاف ما يوجد خارج أو خلف الصورة. إنها طاقة يمتلكها ناقد موهوب ومتخصص، يكرّس وقته وطاقته لهذا الفن الذي يعشقه. ولا أشعر بأني موهوب في النقد. أغلب كتاباتي في السينما هي محاولة لتحريض المتفرج على مشاهدة الفيلم.. إنها عملية إغواء أكثر مما هي نقد.

7
في ما يتعلق بكتاباتي، أجزم أني أكثر قسوة على نفسي، أكثر صرامة وشراسة، من أي ناقد. عندما نمارس النقد الذاتي نكتشف أخطاءنا. الأخطاء ضرورية جداً، منها نتعلم. نحن نكبر على الأخطاء. إنها تصقلنا وتشذّب نصوصنا. لكن هذا لا يعني أني لا أحتاج الناقد.
في الوقت الحاضر، في الساحة الثقافية العربية، لا يوجد إلا قلة من النقاد الذي يهتمون، بدرجات متفاوتة، بتحليل ونقد النصوص الأدبية.
بالطبع هناك محاولات جيدة، تتسم بالعمق والجدية، في عدد من القراءات النقدية، وهناك أيضاً من يحاول أن يكسب رزقه بكتابة انطباعات متسرعة، لا قيمة لها، وغير نافعة، عن كتاب أو نص.
النقد ضروري، لكننا تعودنا على غيابه.

نقد الأصدقاء المفيد
النقد كان مفيدا جدا في إضاءة الكثير من المفاهيم وتعميق الجوانب العديدة في الفعل الإبداعي. لكن النقد الذي كنا نمارسه، نحن الكتّاب (حلقة الأصدقاء في بداية السبعينيات)، حيث نقرأ لبعضنا وننقد نتاجاتنا ونقيّم تجاربنا بصراحة وحب، وبقسوة غالباً، ساهم كثيرا في شحذ إمكانياتنا وفي تعميق وعينا.