الملحق الثقافي

ضَلالات الإدراك

تَساوَق الاهتمام بموضوع الصورة والإدراك مع بدايات التفكير الفلسفي في إشكاليات المعرفة. في نصوص الفلاسفة ما قبل السقراطيين، وأفلاطون وأرسطو، مرورا بابن رشد، وصولا إلى ديكارت، ومن نحا نحوه أو تبرم من عقلانيته، نعثر على اجتهادات حول الحساسية والتصور والذوق والإدراك بوصفه مُستنَدا يُسعف أو لا يسعف، كل واحد حسب منطلقاته، في وضع نظرية عامة للمعرفة. وتعود أكثر التحفظات من الإدراك إلى تذبذب الأحكام الإدراكية، والمطبَّات التي يمكن أن يسقط المرء فيها، كما هو شأن المخيلة والأوهام.

ميَّز ديكارت بين الإدراك أو الإحساس الذي يقدم معطيات «مباشرة» وبين الحُكم الذي نُكونه عن الموضوعات التي تحملها هذه المعطيات. وإذا كان هناك من خطأ، في نظره، فإنه يكمن في الحكم وليس في المعطيات. ومن ثم تبرم ديكارت من الإدراك وشكّ في إمكانية بناء معرفة يقينية انطلاقا من معطياته. ما دفعه إلى الابتعاد عن جعل الإدراك أداة للوصول إلى الحقيقة التي لن تستقيم إلا إذا اعتمدت على «أفكار واضحة ومتميزة»، جديرة بإنتاج معرفة يقينية اعتمادا على قواعد العقل.
لم يكتف ديكارت بالتحفظ على الأحكام المُستندة إلى الإدراك وإنما تبرم من كل الملكات الأخرى لدى الإنسان، ولاسيما المُخيلة التي هي عنده سببًا في الضلال والخطأ. وقد نحا نحو ديكارت عدد من الفلاسفة. غير أن كانط أعاد الاعتبار للحساسية وللصورة، وللإدراك من حيث كونه يشكل المادة التي يشتغل عليها الفهم لبناء المعرفة.

معطيات الإدراك
موقفان اثنان ميَّزا مسار المعالجة الفلسفية لموضوع الإدراك. يتحفظ الأول على الحكم المُستنِد إلى معطياته؛ ويرى الثاني بأنه مادة لازمة لبناء فهم مطابق. وفي كل الحالات فإن أغلب الفلاسفة اعتبروا الموقف من الإدراك «مسألة معيارية» طالما أنه من الصعب إصدار حكم حول مدى دقة أو موضوعية «المعرفة الإدراكية». عوامل عدة توفر للعقلانيين الشك في صدقية معطيات الإدراك مادامت لا تتطابق، ضرورة، مع القيم المادية، «الواقعية» أو «الموضوعية»؛ إذ يكفي، في نظرهم، وجود تذبذبات وانزياحات للارتياب في مطابقة ما يأتي من الحس للفهم المتكون انطلاقا منه. لكن الجانب التكييفي لمعطيات الإدراك قد يمنح معنى جديدا لقيمة المعرفة الإدراكية في سياق انتظارات وحاجيات كل ذات مُدرِكة. وهكذا يتقدم الإدراك، البصري أو غيره، باعتباره رد فعل على محفز / منبه قابل للتحديد ماديا، أي ما تراه الذات أو تسمعه أو ما يظهر لها. ويأتي رد الفعل هذا أو الاستجابة جراء معطيات عملية في شكل كلام أو عوامل مادية مُحركة أو في هيئة صور.
ولعل المشكلة الكبرى تتمثل في تعيين الحدود التي تفرق بين الموضوعات والصور وإدراكها، أو بين المعطيات «الواقعية» وبين الأشكال التي ندركها. ذلك أن الموضوعات تتشابك بالظواهر التي بها تظهر وبنوع الجواب أو رد الفعل الذي يصدر عن الذات المُدرِكة لِما يتقدم أمامها من أشكال بصرية وسمعية ولمسية، وبالكيفية التي تمنح الذات لهذه الأشكال دلالاتها والوظائف التي تحددها لها.
لذلك تتضمن السلوكات إزاء الصور المُدركة درجة من التعلم والتكيف. فليس هناك إدراك خالص بشكل تام، لأن عملية تلقيه تتشابك مع مستويات من المعرفة الملتصقة بالسياق الذي تتقدم الموضوعات من خلاله. وتسهل أو تتعقد هذه العملية حسب اعتبارات قد تعود إلى المرجعية الثقافية أو الرمزية للجماعة التي تنتمي إليها الذات المدركة. ومنها نوع العلاقة التي تنسجها الجماعة مع الصوت والصورة واللغة، ومع أنماط التبادل والقيم التي تحرك أفرادها. وهكذا تُولد الاختلافات الاجتماعية والثقافية لدى الأفراد تنويعات في درجة الإدراك، سواء تعلق الأمر بالمكتسبات المعرفية أو طرق التعبير عن المهارات الإدراكية إزاء كل الموضوعات، ولاسيما الموضوعات البصرية.

فينومينولوجيا الإدراك
إذا كانت النزعة العقلانية الديكارتية انتقصت من قيمة الحواس والإدراك في معرفة الموضوعات والظواهر، وإذا كان كانط قد أعاد الاعتبار لقيمة «الحساسية» والمخيلة في بناء عملية فهم الواقع والعالم، فإن «موريس ميرلو بونتي» في كتابه «فينومينولوجيا الإدراك» يقدم اجتهادًا نظريًا مختلفًا اعتمادًا على ظاهريات «إدموند هوسرل» و»نظرية الجشالت» (نظرية الشكل). فهو يرى بأننا لا يمكن اختزال الموضوع إلى مجموع الأجزاء بحكم أن شيئا ما قد يظهر أنه لا علاقة له، أو لا يتوقف في وجوده على وجود الأجزاء. يكثف الكل معنى لا تمتلكه الأجزاء. والعين أو الأذن ــ أو هما معا ــ المُدركة للوحة أو للصورة السمعية البصرية هي التي تقوم بالتركيب. أكثر من ذلك يتعين الافتراض، في العملية الإدراكية، أن هناك قوة أكثر أهمية من الحواس المجتزأة تتجاوز ملكة الفهم تتمثل في الجسد. ما يمنح للإدراك معناه ويوفر له شروط تنظيمه هو الجسد أولا قبل كل شيء، وبفضله تنتظم التجربة الحسية، وفي العلاقة التي ينسجها مع الواقع يتقدم العالم أمامنا ونتفاعل مع معطياته. هكذا يُدرك المكان انطلاقا من الموقع الذي يحتلّه أو يتخيله الجسد، وتنتظم عملية الإدراك اعتمادا على قدراته وملكاته.
وفضلا عن الحافز يشكل الانتباه، عند بونتي، عنصرًا حاسمًا في تجلية وإضاءة الصور. سيما وأن الشيء المُدرك يوجد دائما وسط أشياء أخرى لأنه يمثل جزءا من «حقل». وهكذا تستقر المعرفة في الآفاق التي يفتحها الإدراك. ويستبعد في هذه العملية ما يندرج ضمن «الانطباع الخالص»، لأن الوعي هو «وعي بشيء ما»، كما سبقه إلى قول ذلك «إدموند هوسرل». وكلما ظهر الشيء هناك ظاهرة. ومع ذلك لا يمكن اعتبار الإدراك، كما يرى بونتي، «عِلما بالعالم»؛ لأن العالم ليس موضوعًا أمتلك قانون تكوينه وإنما هو الوسط الطبيعي وحقل كل أفكاري وإدراكاتي المعلنة. من هنا ضرورة استدعاء المنهج الفينومينولوجي الذي يتقدم دائما باعتباره «دراسة الجواهر». والفينومينولوجيا، في نظر بونتي، هي محاولة تقديم وصف مباشر لتجربتنا كما هي، ومن دون منح أي اعتبار لتكوينها النفسي، أو للتغييرات السببية التي يمكن للعالِم، وللمؤرخ أو لعالم الاجتماع تقديمها.
لا شك في أن العالم هو ما يُرى، لكن يتعين باستمرار العمل على تعلم رؤيته، وصياغة المعاني التي تتمكن هذه الرؤية من إنتاجها انطلاقا من العالم ومن ظواهره. وللإدراك في هذه العملية موقع مهم، كما للثقافة؛ لأن ثمة، كما يقول ميرلو بونتي، تشكيل للإدراك من طرف الثقافة بحيث يُمكن من القول إن الثقافة مُدرَكة؛ حتى وإن خلقنا ما يلزم من المسافة إزاء «حقائق» هذه الثقافة، وجندنا ممكنات السؤال للتبرم مما هو بديهي أو «توافقي» فيها، فإن للجسد، وللوعي به في العالم، أو للوعي بأشياء العالم من خلال الجسد، دور حاسم في التفاعل مع الظواهر، حتى ولو كان واقعها يفيض ويتجاوز قدرات الذات على إدراك الأشياء والوعي بها، لأن الإدراك يبقى جزئيا ولا يمنحني كلية الأشياء. هناك، دوما، عناصر خفية تنفلت من الإدراك. وهذا ما دفع بهوسرل إلى الحديث عن إدراك بالتدرج انطلاقا من الأجزاء التي تتقدم أمام المجال الإدراكي، ودفع «ميرلو بونتي»، في «فينومينولوجيا الإدراك» إلى وصف العالم المدرك باعتباره سلسلة من «الآفاق Horizons».
يخفي الأفق دائما جزءا من الواقع، كما أن العالم لا يُعطَى كلية، لأن تعقده وغناه لا حدود لهما، الأمر الذي يدفع المبدعين، أدباء ورسامين وسينمائيين، إلى التعبير عن الثراء اللامحدود للعالم. ولا مجال للبحث عن رؤية شاملة قادرة على تبين أو كشف كل مكونات الواقع مادام العالم جُماع آفاق تتقدم إلى مجال الإدراك بشكل جزئي، ومن خلال أوجه مختلفة. فكل زاوية نظر، أو «لقطة»، بلغة السينما، تُكمل وتُغني ما سبق إدراكها أو تأطيرها بالوعي، حتى يتأتى نسج صور «ملائمة» للواقع، حتى ولو لم تكن مكتملة أو ملائمة تماما لكل بُعد من أبعاد الواقع.

«روحانية».. و«فتح»
الروحانية، حسب فوكو، هي التحولات والممارسات التي تقوم بها الذات من أجل أن تتوصل للحقيقة وتبلغ ماهيتها، والروحانية تشترط «على الذات أن تتحول وتتغير وتنتقل وتصبح وتصير في بعض الحالات وإلى درجة معينة غيرها أو ذاتها، أي أن تصبح شيئا مغايرا لذاتها من أجل أن تتمكن من بلوغ الحقيقة».
الفتح، عند ابن عربي، أي الإشراق الذي يسجل بلوغ منزلة عليا في السفر الروحاني، لا يتم أو يحدث عادة إلا بعد مدة طويلة من الرياضة التي تحوّل الذات بممارسة نوعية إلى كينونة ذاتية أخرى قابلة لبلوغ الحقيقة أو اعتناق الفتح الغيبي.