الملحق الثقافي

السَّفر الرّوحي إلى الحقيقة

ابن عربي وفوكو.. الذات ينبغي أن تروض لتصل إلى الحقيقة

ابن عربي وفوكو.. الذات ينبغي أن تروض لتصل إلى الحقيقة

ما زال الإنسان يتقصى إشكالية الحقيقة في كياناتها المتعددة، سواء توافقت أبعادها أو تضادت، ومهما تباعدت أطرافها كمحصلة للتفكير، فهي بالنسبة للعقل المفكر أو المؤسس حقيقة كبرى.
لا يوجد معنى واحد للحقيقة، فكما أنها عند النبي تكون معنى للمنطق المتعالي أو الوجود الكلي نراها عند الفلاسفة تنكمش إلى زوايا أخرى، فالحقيقة هي سؤال سقراط أو مدينة أفلاطون، أو عزلة الكشف الغيبي عند ابن عربي، أو الطبيعة الاجتماعية عند ابن رشد، وهكذا تنزوي فكرة الحقيقة إلى فضاءات تحتشد فيها أذهان الفلسفة كمعضلة تقلق الإنسان القديم والحديث على السواء، على أننا لسنا نبحث في هذا المقال عن ماهية الحقيقة، أو كيف هي بل نحاول استقصاء الأفعال أو الأفكار الموصلة للحقيقة، بمعنى كيف نصل لإدراك الحقيقة أو ما هي الأدوات التي مارسها الفلاسفة ليقرروا معنى لديهم يمكن وصفه بالحقيقة التامة، نحاول البحث في ذلك من خلال قراءة فيلسوفين وجدا في زمانين متغايرين ومكانين متنوعين، فمن جهة نستكشف أفكار الشيخ محي الدين بن عربي (المتوفى عام 638هـ، 1240م) في بحثه عن الحقيقة كمقاربة فكرية مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926- 1984).

تحوّلات الذات
يسمي فوكو مقدرة الذات على معرفة الحقيقة «فلسفة»، أو هي الفكر الذي يتساءل عما يسمح للذات بأن تبلغ الحقيقة، ويطلق مصطلح الروحانية على التحولات والممارسات التي تقوم بها الذات من أجل أن تتوصل للحقيقة وتبلغ ماهيتها، وهنا تبدو لنا فكرة الروحانية إذا ما قارناها مع التصوف الإسلامي مألوفة ووثيقة الصلة برموز التصوف، فالحقيقة عند المتصوف ليست سوى انكشاف غيبي أو اطلاع على سر ميتافيزيقي لا يتحقق إلا بإخضاع الذات لتهذيب روحاني قائم على تحولات صارمة على مستوى كينونة الذات أو النفس، وهذا ما يتجلى في كتابات ابن عربي كفكر نظري وممارسة حياتية حسب سيرته وتاريخه.
وإذا كانت روحانية الغرب حسب فوكو لا تتحقق إلا بثلاث سمات على الأقل فإن ابن عربي كان قد فصل القول بتبيان دقيق عن الروحانية الإسلامية، وكيفية البلوغ لمراتبها المتعددة وهو موضوع هذا المقال.
إن الروحانية حسب فوكو تشترط «على الذات أن تتحول وتتغير وتنتقل وتصبح وتصير في بعض الحالات وإلى درجة معينة غيرها أو ذاتها، أي أن تصبح شيئا مغايرا لذاتها من أجل أن تتمكن من بلوغ الحقيقة»، وهذا ما يقرره فوكو كسمة أولية أو شرط أساسي للروحانية كي توصل الذات للحقيقة.
لا بد إذن للذات أن تشكل وتكون ذاتها كتحويل للكينونة كي تنال شرف الوصول للحقيقة، وهذا التحول هو الذي تضمنه الروحانية في الذات.
في المقابل، ما هو شرط الفتح الحقيقي للذات عند ابن عربي؟ نجد أن هذا الملمح الذي يقرره فوكو حاضرا بوضوح عند ابن عربي، تقول كلود عداس في كتابها ابن عربي سيرته وفكره: «إن الفتح وهو يدل من الناحية الاشتقاقية على الانفتاح ويستعمل في القاموس التقني للتصوف للدلالة على الانفتاح الروحاني، على الإشراق الذي يسجل بلوغ منزلة عليا في السفر الروحاني لا يتم أو يحدث عادة إلا بعد مدة طويلة من الرياضة»، هذا الإشراق الذي هو طريق لمنزلة متعالية من الروحانية لا يتحقق إلا بالرياضة والتي يبدو أنها سمة لا تختلف عن ملمح فوكو في مرتبته الأولى لبلوغ الحقيقة، فالرياضة هي، بمعنى آخر، عمل ذاتي يحولها بممارسة نوعية إلى كينونة ذاتية أخرى قابلة لبلوغ الحقيقة أو اعتناق الفتح الغيبي.
الحب والزهد لكن ما هو الفعل أو الحركة التي يجب أن تسلكها الذات لتحقيق شرط الوصول للحقيقة؟ هذا هو الملمح الثاني الذي يجعله فوكو معيارا لبلوغ الحقيقة بوصفه شرطا تقرره الروحانية.
وفي مقابل ذلك، ما المقصود بكلمة الرياضة التي توصل لمعنى الفتح أو الحقيقة عند روحانية التصوف؟ إن هذا التحول في الذات حسب فوكو يجب أن يكون على شكل انتزاع للذات من مكانتها وظرفها كحركة ارتقاء للذات، وحينها تأتي الحقيقة للذات وتنيرها، ما هي هذه الحركة الذاتية وما ملامحها؟ يجعل فوكو لهذه الحركة سمتين أساسيتين يجب أن تقوم عليهما الذات لبلوغ الحقيقة وهما: حركة الإيروس أو الحب ثم الشرط الثاني لحركة الذات وهو العمل والجهد، «حيث يكون على الذات نفسها أن تبذل الجهد والكد والعناء الطويل، وهو ما يعرف بالتقشف أو الزهد». أما عند ابن عربي، فيبدو تفسير الرياضة المشروطة لبلوغ الحقيقة متماثلاً إلى درجة قصية مع الفكرة التي يطرحها فوكو، فالرياضة حسب ابن عربي «عبارة عن تهذيب الأخلاق وترك الرعونة وتحمل الأذى»، ومن ثم مجاهدة النفس في خلوة أو عزلة حقيقية للتفكير المطلق البعيد عن كل ما يكون عائقا للفكر أو الذات.
لا تختلف إذن رياضة ابن عربي وخلوته عن الفكرة التي طرحها فوكو بعده بزمن طويل، فحركة الحب هي تعبير عن تهذيب الخلق والتحمل والصبر كما أن الزهد والجهد يتناسب تماما مع الخلوة التي يدعو إليها ابن عربي.. بل إن الأمر يصل إلى درجة التطابق الحقيقي لكلا الفكرتين عندما يقرر ابن عربي حديثه عن التوبة فهو يتحدث عن توبته على يد النبي عيسى شيخه الحقيقي الأول في حوار متعال في الخيال فيقول: «وعلى يده تبت ودعا لي بالثبات على الدين في الحياة الدنيا والآخرة ودعاني بالحبيب وأمرني بالزهد والتجرد»، هنا إذن يتجلى التشكل الأول لفلسفة ابن عربي فالتوبة لا يمكن أن تكون أكثر من تحول أو ارتقاء كلي للذات ومن الذات، خاصة إذا علمنا أن اللقاء بين النبي والفيلسوف ليس حقيقيا بقدر ما هو جمال خيالي ميتافيزيقي، وتظهر بوضوح سمتا هذا التحول اللذان هما الحب والزهد على صورة أمر صريح بالزهد والتجرد من علائق الدنيا، ودعوة للحب تبدأ بتسميته بالحبيب، وهو ما كان مثالاً تطبيقياً في سيرة ابن عربي من تجرده المطلق عن ممتلكاته واختياره طريق الزهد والتصوف والحب.. كما يتجلى ذلك في أبياته الشعرية ورسائله ومؤلفاته..
وهذا ما يتوافق مع كلام فوكو إذ يقول: «أعتقد أن الحب والزهد هما الشكلان الكبيران اللذان بواسطتهما تتحول الذات، بحيث تصبح قادرة على بلوغ الحقيقة وهنا تكمن الميزة الثانية الروحانية». ثمرة الحقيقة لكن متى يكون الطريق إلى بلوغ الحقيقة مثمراً وفاعلاً في الذات حسب ما تسلم به الروحانية أو ما هو الأثر الذي تفعله محاولة التوصل للحقيقة على مستوى كينونة الذات، يقول فوكو: «أخيرا فإن الروحانية تسلم بأن بلوغ الحقيقة يكون منتجا إذا كان بالفعل هذا البلوغ مفتوحا، وكانت له آثار نتيجة لمحاولة الروحانية بلوغها»، نلاحظ هنا تشابه المصطلح اللغوي بين فوكو وابن عربي، فبلوغ الحقيقة يجب أن يكون مفتوحاً أي مثمراً ومنتجاً.
والفتح هنا يقرره ابن عربي كنتيجة للرياضة والخلوة اللتين هما شرطان بارزان للفتح أو الكشف أو الحقيقة المشتملة على مجموعة الأسرار، إذن ما هو الفتح الذي توصل إليه ابن عربي في طريقه للحقيقة حسب روحانيته المتصوفة؟ إن ابن عربي وهو يقص حكايته يقرر أن سبب تحوله إلى طريق الروحانية أنه سمع قائلاً يقول له: يا محمد ما لهذا خلقت، وهذا يظهر بجلاء بداية التحول الذاتي كدعوة صريحة خارجة من مخيلة الذات وحينها رسم لنفسه طريق الخلوة الحقيقية.
نطرح هنا السؤال: ما هو الأثر الذي بلغه في هذا الطريق؟ تتكرر عبارات ابن عربي وهو يصف هذا الأثر بعد خلوته فيقول: «وخرجت بعدها بهذه العلوم كلها»، «لقد كنت في الخلوة يحكي ابن عربي لتلميذه - قبل الفجر فتلقيت الفتح قبل طلوع الشمس».
تقول كلود عداس: «نلاحظ أن الروايات.. تحيل جميعها إلى فتح تم الحصول عليه في خلوة.. أن ابن عربي قد تلقى خلال هذه العزلة العلوم والأسرار التي سيفشيها أو يبوح بها بعد ذلك في عمله».
وإذا ما عدنا إلى فوكو فالأثر الحقيقي لمحاولة الروحانية يجب أن يعود على الذات، «إنها آثار أسميها عودة الحقيقة إلى الذات».
بالنسبة للروحانية، فإن الحقيقة «ليست بكل بساطة ما هو معطى للذات من أجل مكافأتها على فعل المعرفة.. إن الحقيقة هي ما ينير الذات».
إذن فبلوغ الحقيقة حسب فوكو ليس مكافأة لفعل المعرفة، بل هو ضروري لإكمال الذات وتهذيبها وتحويلها كأفعال تغير في بنية كينونتها.

أثر الوصول
متى يكون الطريق إلى بلوغ الحقيقة مثمراً وفاعلًا في الذات، حسب ما تسلم به الروحانية، يقول فوكو: «أخيراً فإن الروحانية تسلم بأن بلوغ الحقيقة يكون منتجاً إذا كان بالفعل هذا البلوغ مفتوحاً، وكانت له آثار نتيجة لمحاولة الروحانية بلوغها»، نلاحظ هنا تشابه المصطلح اللغوي بين فوكو وابن عربي، فبلوغ الحقيقة يجب أن يكون مفتوحاً بمعنى مثمراً ومنتجاً.

...........................................
المراجع
1- ميشيل فوكو، تأويل الذات دروس ألقيت في «الكوليج دو فرانس» لسنة 1981 - 1982، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 2001، ص24-25.
2- كلود عداس، ابن عربي سيرته وفكره، ترجمة أحمد الصادقي، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2014، ص71-76.