الملحق الثقافي

المزيّفون..

د. سعيد توفيق

د. سعيد توفيق

«الوجود الحقيقي في مواجهة الوجود الزائف». قد تثير هذه الجملة/‏ العنوان حفيظة بعض المتنطعين على الثقافة والتفلسف، ممن اعتادوا الاعتراض على كل كلام ترد فيه كلمة «الحقيقة»، ولهذا تراهم يرددون عبارات من قبيل: ليست هناك أية حقيقة أصلًا، ومن ثم ليس هناك أي معنى للحديث عن «وجود حقيقي»؟ ولن انشغل هنا بمجادلة هؤلاء ساعيًّا إلى إظهار معنى الحقيقة الذي أفصحت عنه في كثير من كتاباتي، والذي أفصح عنه الفلاسفة العظام في مؤلفاتهم الخالدة، بدءاً من أفلاطون وحتى هيدجر، فليرجع إلى ذلك من يشاء.

ما يشغلني الآن هو مجرد خاطرات أو لُمَع تشخّص طبيعة الإنسان الحقيقي كما نجده في الحياة اليومية، بوصفه ذلك الإنسان الذي يكون على ما هو عليه، فهو لا يرتدي أقنعة مزيفة ولا يسلك سبيله في الحياة إلا بحسب ما تعلمه من الحياة ذاتها ومن التجربة التي يعايشها ويعانيها في تلك الحياة، وبحسب ما يتطلع إليه فيها من قيم ومُثُل عليا.
ولكن أن يكون المرء هو نفسه، أي أن يكون شخصاً غير مزيف سواء أكان شخصاً عادياً أم شخصاً مبدعاً أو شخصاً ذا حيثية في الواقع هو أمر ليس بالهيّن، لأنه يواجه تحديات عديدة لا حصر لها، وخاصةً في عالمنا الراهن الذي نجد فيه ذواتنا محاصرة بواقع دخيل عليها وإن كان من صنع الإنسان نفسه... واقع يستلب الإنسان على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، ومن ثم يسبب مزيداً من الشعور باغترابه الذي يترسخ في أعماقه دون أن يدري أحياناً.
لا أريد هنا أن ألجأ إلى التنظير الجاف، وإنما أريد أن أكشف عما تعلمته من النظر في الواقع الذي نعايشه في حياتنا الراهنة، لعل هذا يقرِّب النظر الفلسفي إلى الأفهام. أريد أن أكشف هنا عن حالتين في حياتنا اليومية تجسدان صورتين من صور الوجود الزائف، وهما: حالة العولمة الاقتصادية والثقافية، والحالة التي أسميها «بالحالة الفيسبوكية» كمثال على تهديد التكنولوجيا للوجود الحقيقي للإنسان.

آثام
تأمل أولاً، حالة العولمة على المستوى الاقتصادي فحسب... تأمل حال هؤلاء الملايين من البشر الذين يتناولون يومياً وجبات الغذاء المدمّرة للصحة من المطاعم العالمية مثل: ماكدونالدز وكنتاكي وغيرها. وتأمل هذا السعي المحموم لهؤلاء في التسوق من أجل شراء الملابس التي تحمل أسماء الماركات العالمية أو التي تحمل صورة مقلدة منها بإتقان والتي يسمونها original copy، أي نسخة طبق الأصل، حتى أنه قد أصبحت هناك صناعات خاصة تقوم على تقليد هذه الماركات العالمية، لكل منها زبائنها بحسب درجة التقليد التي تحدد سعر السلعة، بحيث أصبح المستهلك في النهاية أسير الماركة أو «اللوغو» المطبوع على المنتج.. أصبح إنساناً مهووساً بالماركة أو الشعار، وليس بما يريحه أو يحبه أو يمكن أن يستمتع به. لم يعد هذا الإنسان المعاصر في عمومه يبحث عما يمتعه... لم يعد ينظر إلى ما يستهلكه باعتباره مجرد أدوات من أجل متعته، بل أصبحت تلك الأدوات نفسها هي ما يتملكه ويسيطر عليه، وعلى هذا تقوم الرأسمالية المتوحشة في عالمنا الراهن... فهي لا تعبأ بالبشر الحقيقيين الذين يشكلون قلّة، وإنما تعبأ بجموع البشر الذين يمكن السيطرة عليهم وتوجيه سلوكهم وأذواقهم. إنها حالة تخلق عالماً من البشر بلا هوية، ولا شخصية أو كينونة، حتى على المستوى الفردي أو الشخصي.
تفعل الحالة الفيسبوكية في البشر شيئاً شبيهاً بهذا حينما تُدخِلَهم في حالة من النمطية... حالة من النفاق الاجتماعي الرخيص الذي يريد فيه كل شخص أن يروج لبضاعته وإن كانت رخيصة، وربما راح بعض الأفراد يستجلبون بسيف الحياء عبارات الإطراء والمديح عن أعمال تافهة أو أحداث عابرة ساذجة تتعلق بشخوصهم، حتى إن النسوة والفتيات أصبحن ينشرن عبر عالم الفيسبوك صوراً لهن في أوضاع مختلفة تتجدد يومياً، ويكون المطلوب منك هو الإطراء والمديح المجاني للصورة المصطنعة التي تتبدى عليها صاحبتها، أو إزجاء التهاني بالمولود الجديد أو عيد الميلاد، أو إزجاء التعازي المزيفة لأشخاص لا نعرفهم حق المعرفة أو قد لا نعرفهم على الإطلاق، تعازي مزيفة غالباً ما لا يشعر أصحابها بألم حقيقي من جراء فقدان ذويهم، وما إلى ذلك من مواقف الحياة المزيفة.
وفي كل ذلك تفتقر هذه المواقف إلى التجربة الحقيقية التي يعايشها الشخص باعتبارها تجربة وجودية أصيلة... فالشخص هنا لا يعيش التجربة، والآخرون لا يعيشونها مثله، وكأن الجميع ينزلقون على سطح الحياة دون أن يسبروا شيئاً من معانيها وخبراتها الحقيقية التي يمكن أن تعمق من فهمهم لها، ومن فهمهم لأنفسهم ولمعنى وجودهم.

تجارب
من البشر الحقيقيين الذين عرفتهم وصادقتهم.. محمود رجب، ذلك الفيلسوف الحقيقي الذي لا يعرفه سوى قلّة ممن صاحبوه. أذكر أنه يوم وفاة أمه لم يقم عزاءً، ولم يود أن يزوره أحد في بيته ليعزيه في وفاة أمه، وقال يومها: «إن التي ماتت هي أمي أنا، وأنا الذي يعاني موتها الذي لا يمكن أن يعانيه أحد غيري». تذكرت أيضاً أمي الجميلة التي ماتت عن سبع وثلاثين سنة، وكنت يومها لا أزال صبياً لم يبلغ سن الرشد بعد، كنت وقتئذ سنة 1975 في التاسعة عشرة من عمري أو ما يربو عليها قليلًا. مازال ألم فراقها يعتصرني كلما طافت بذكراي، فاندهشت من حال هؤلاء الذين يستجدون العزاء في أحبابهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن الذي مات عنهم هو مجرد شخص يطلبون له العزاء!
عرفت كثيراً من البشر الذين عاشوا شيئاً من تجربة الحياة الحقيقية التي يشعرون فيها بأنهم يُعبِّرون عن أنفسهم بحق، ثم سرعان ما تخلوا عن ذلك سعياً وراء أوهام صورة مزيفة للبطل أو البطلة في الأفلام السينمائية، أو للإنسان الثري الذي يعيش حياة الرفاهية والتملك، وهي صورة تلح عليهم في أحلام اليقظة، ولكنها تهيمن عليهم في الواقع، فتراهم يتخلون عن كل القيم التي طالما آمنوا بها، وراحوا يحاولون أن يحققوا صورة متخيلة وهمية يتماهى معها، وإن كانت مغايرة لطبيعة شخصيته ومؤهلاتها!
الوجود الحقيقي للذات هو الوجود الذي يتماهى فيه الشخص مع ذاته ومع الوجود ذاته، بحيث يعرف معنى الوجود الحقيقي ومعنى الحياة ذاتها الجديرة بأن تُعاش... وجود لا يرتضي فيه المرء أن يكون أداة أو ظل لغيره.. وجود لا يقبل المرء فيه أن يختزل وجوده في كونه خادماً حتى إن كان يعمل خادماً لدى سيد ما، فهو يمارس خدمته على أكمل وجه دون أن يكون أداة في يد سيده. وتلك حالة كاشفة عن فهمنا لمعنى الخادم في العمل أو في منزل ما، وفهم الآخرين في الشعوب المتحضرة لهذا المعنى.

انفصام
عرفت صوراً أخرى أشد خطراً وتغريباً.. صوراً خاصة من البشر الذين يعيشون داخل مصر وكأنهم لا ينتمون لها، كأنهم يعيشون خارجها، خلقوا لأنفسهم عالماً خاصاً بهم لا علاقة له بمصر ولا بجموع شعبها الكادح المطحون، ولا بالطبقة الوسطى فيه التي لحقت الآن بالطبقة الفقيرة. اختاروا أن يعيشوا في مجتمعات «مُسيَّجة» على أطراف القاهرة. قدري أن أعيش بينهم، ولكن غايتي ليست غايتهم.. لجأت إلى العيش على الأطراف هرباً من الزحام، ولكي أخلو إلى حياة الهدوء والتأمل، ولكن معظمهم لجأ إلى هذه المجتمعات الجديدة ليعيشوا طقوسهم الخاصة المنعزلة عن جموع المصريين، وحتى إذا نزلوا إلى القاهرة تراهم يرتادون أماكن ومنتديات خاصة تبدو منغلقة على أصحابها وكأنها صُنِعت خصيصاً من أجلهم! يتحدثون الإنجليزية أو الفرنسية، ولكنهم يفضّلون الرقص على إيقاعات أغان شعبية ركيكة بدأت تنتشر في العقود الأخيرة.. أغان تشبه عندهم طبق الكشري أو المخللات المصرية التي يشتاقون إليها من فرط تناولهم للمأكولات التي لا يعرفها عموم المصريين. أعرف أن هذا ليس حال مصر وحدها، وإنما هو حال يمكن أن نجد نظيراً له في كثير من المدن العربية الكبرى بأشكال متفاوتة، فقناعتي أن ما يصيب الأمة العربية من داء يبدأ من مصر أولاً. فهذه الحالة هي رد فعل سلبي على حالة التغريب في أفق ديني سلفي يريد أن يعيش خارج نطاق الحياة بما تنطوي عليه من تطوّر وإبداع واحتفاء بالحياة ذاتها. والمشكلة العويصة هنا أن محاولة رفض التغريب تكون من خلال تغريب مضاد، أعني من خلال تبني موقف مضاد للقيم الإنسانية ذاتها التي بها تنهض الأمم.
هذا بعض من مسعاي إلى الناس جميعاً، لعلهم يدركون في التجارب الحقيقية المعيشة الواردة هنا أمثلة على معنى التجربة الحية كما يتأسس من خلال تجربة الإنسان المعيشة، مهما تعددت صورها، لأنها تجربة تظل بلا نهاية. التجربة المعيشة هي التجربة التي نعانيها في الحياة،، ولذلك يسميها الألمان Lebenswelt، أي الخبرة بعالم الحياة، وهي الخبرة التي تخلق في النفس أخاديدَ عميقة تشكل شخصية المرء الوجودية وفهمه لعالمه ووعيه بالوجود ذاته. مثل هذا الشخص هو الموجود الحقيقي المهموم بمعنى الحياة وبأسئلة الوجود في مقابل الموجود الزائف أو الذي يسميه سارتر الموجود الساقط، والسقوط هنا هو سقوط وجودي قبل أن يكون سقوطاً أخلاقياً.. إنه سقوط يتخلى فيه المرء عن ذاتيته أو كينونته في العالم، بحيث يقبل أن يكون موجوداً بلا معنى، لأنه بلا وعي أو فهم أو تساؤل. ولكن الموجود الساقط كما أفهمه له تجليات أخرى عديدة في الحياة، فهو موجود مشغول بذاتيته، وسلوكه العابر في الحياة.. موجود مشغول باللحظة الآنية، وبالأخبار التي تعنيه شخصياً في عالمه الضيّق المحدود الذي يعيشه، ولذلك فإنه لا يتساءل عن معنى وجوده نفسه وعن الحياة الجديرة بأن تُعَاش.. إنه موجود لا ينشغل بآفاق العالم الرحب التي تقع خارج أُطُر العالم الضيّق الذي حبس نفسه فيه.
ذلك هو معنى الوجود الحقيقي الذي يفهم ذاته باعتباره جزءاً من الوجود العام.

مدمنو «الفيسبوك»
تحولت علاقة كثير من الأشخاص، مع الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى حالة إدمان، شبيهة بأي سلوك مرضي آخر. ويقول البروفيسور أوفير توريل من جامعة كاليفورنيا إن حالات إدمان الفيسبوك تعني أن «هناك نشاطاً أكبر في الأنظمة التلقائية داخل الدماغ»، لكن المناطق الدماغية التي تكبح هذا السلوك تعمل بشكل سليم، على عكس ما يحدث في أدمغة المدمنين على الكوكايين.
وكشفت بحوث جديدة أن إدمان الفيسبوك يحدث نشاطاً في مناطق في الدماغ بطريقة مشابهة لإدمان المخدرات وبخاصة منها الكوكايين. وكشف مسح لدماغ أولئك الذين لا يستطيعون البقاء بعيدا عن الفيسبوك أن إدمان الموقع يؤثر على المادة الرمادية بطريقة مشابهة لتعاطي الكوكايين.
وقام المشاركون في الدراسة بتعبئة استمارة لتقييم الأعراض الشبيهة بمؤشرات الإدمان ولكن المرتبطة باستخدام الفيسبوك. وقد استخدم الباحثون تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لدراسة أدمغة المشاركين فيما كانوا ينظرون إلى سلسلة من الصور على الحاسوب تشمل بعض شعارات الفيسبوك ثم طلب منهم الضغط على زر أو الامتناع عن الضغط عليه كرد على كل صورة. فكان الأشخاص المدمنون على الفيسبوك هم الأكثر ميلا إلى الضغط بسرعة على الزر عند مشاهدة صور الفيسبوك.