الملحق الثقافي

تخطّي المقاييس

«ليس تخطّي المقاييس هو الغلوّ، إنه رفض الحدود وليس مجرد تجاوزها. وعندما يرفضُ كلَّ معيار، فإنه يثبتُ ذاته كمقياس خاص، وحيد، فريد من نوعه»
M.Haar, Mise en œuvre de la démesure
- «أشفقوا على أولئك الذين يصارعون، مثلنا، على حدود اللامنتهي»
غيوم أبولينير

عندما كتب بليز باسكال في خواطره: «الخروج عن الوسط خروج عن الإنسانية»، فإنه كان يُجمل محدّدات معيار المعقولية في الثقافة التقليدية بكاملها.
***
«لقد احتمى الإغريق بفكرة الحدود واقتصروا عليها، فلم يذهبوا بعيداً لا بالسرّ ولا بالعقل».
ألبير كامو
- «العقل أكثر توتاليتارية من أية منظومة أخرى، فعنده يتحدد كلّ شيء منذ البدء: وبذلك فهو كذّاب».
(هوركايمر-آدورنو، جدل العقل)
***
الحدّ ليس هو ما يحدّ، وإنما ما يعطي للكائن بدايته. هايدغر: «تظهر الإلهة أثينا كسيكيبتوميني، أي كتلك التي تتأمل. نحو ماذا تتوجه النظرات المتأملة للإلهة؟ نحو الحدود والنهايات. ليست الحدود فحسب هي ما يحيط بالشيء ويحدّه، ليست هي الفضاء الذي ينتهي عنده شيء ما. تعني النهاية ما به تلتئم أطراف شيء ما، في ما يتمتع به من خصوصية، كي يظهر من ثمة في امتلائه ليجيء نحو الحضور».
***
نظر التقليد إلى العقل أساساً على أنه قدرة على الحدّ ورسم الخطوط التي عندها يبتدئ الغلوّ والمبالغة وتجاوز الحدود، والسقوط فيما كان الإغريق يدعونه الهيبريس hubris.
***
«عندما تنحو بنا رغبةٌ نحو الملذات بكيفية لا معقولة وتتحكم فينا، فهذا التحكّم، هو ما يُطلَق عليه لفظ هيبريس».
أفلاطون
***
كل ما «يتخطى المقاييس» Démesure كان يُرمى به ضمن الأهواء والغواية والخروج عن حدود المعقول.
***
على هذا النحو كان الرواقيون يعرّفون الأهواء على أنها دوافع «تتخطى المقاييس»، دوافع لا معقولة alogos تعاكس طبيعة الأمور.
***
هذه هي الدوافع التي ميّزت بطل الملحمة والتراجيديا الإغريقيتين.
***
تتخوف حنة آرندت من خطورة غياب المقاييس في عالمنا الحديث، وهي ترى أن هيبريس العالم الحديث يرجع بالضبط إلى تطبيق مفهوم الصيرورة على جميع الفعاليات البشرية، وهذا الأمر له، في نظرها، دلالة أنتولوجية وليس تاريخية فحسب «لأن العصر الحديث يضع مكان مفهوم الوجود مفهوم الصيرورة». إذا كان ما يميز الكائن هو التئام أطرافه وقوامه وثبات حدوده، فإن ما يميز ما يصير هو التخلي عن كل معيار خارج سريان انسيابه.
***
اتخذ التمرّد على المعايير في بعض الأحيان، وحتى عند الإغريق أنفسهم، وكما تدل على ذلك أسطورة بروميثيوس، رغبة في تحقيق إنسانية الإنسان، ومن ثمة إبرازَ قيمة إيجابية لنوع من «تخطي المقاييس».
***
لا تبدو المقابلة بين أبولون وديونيزوس مقابلة تضادّ بين مراعاة المقاييس من جهة وبين تخطّيها من جهة أخرى، اعتباراً بأن الأوّل يجسّد النظام والمعيار والعقل، وأن الثاني وُضع جهة الانتشاء وتخطي المقاييس، بل إنهما يتساكنان جنباً إلى جنب.
***
«تعبر كلمة ديونيزوسي عن الحاجة إلى التوحيد بين طرفين، ورغبة في تجاوز الذات لنفسها، رغبة في تجاوز تفاهات الحياة اليومية وما يطبع المجتمع والواقع من ابتذال، محاولةً لتجاوز هوة العابر الزائل. إنه يعبر عن ميل نفس مولعة فياضة نحو أحوال شعور أكثر تمازجاً وامتلاءً وخفة، وهو كذلك رضا وجداني يمكّن الحياة من أن تظل هي نفسها وراء كل تقلباتها، في نفس درجة القوة والنشوة. الديونيزوسي هو أيضاً تحالف الفرحة والألم الذي يقول نعم حتى لأكثر ما يبعث من خصائص الحياة على الرّعب والخيبة، وهو الإرادة الدّائمة للنشأة والخصوبة والعود، إنه الشعور بالوحدة التي تجمع فيما بين ضرورة الخلق والإبداع، وضرورة التّقويض والإفْناء».
***
- الديونيزوسية هي «ما يجعل القدرات الرمزية للإنسان تبلغ حدّتها»
نيتشه
***
ليست المقابلة قائمة أساساً بين مراعاة المقاييس من جهة، وتخطّيها من جهة أخرى. ذلك أن «تخطّي المقاييس» قد يكون سبيلاً إلى الارتقاء نحو معرفة تتولد عن الغلوّ شأن ما يتم في الإبداع الفنيّ حيث تُمكّن تجربة الحدود من ولوج عالم الخلق والكشف.
***
حركة اللاتوطّن: «صيرورة خالصة لا تخضع لمعيار، صيرورة حمقاء لا تعرف التوقف».
دولوز
***
- لا بد لمراعاة المقاييس من أن تصدر عن تخطّ أصلي لها، لأن القيام ضد المعيار من شأنه أن يولّد الأطر التي لا تفتأ تفجرها رغبة جامحة جديدة...
***
«ينبغي لتخطّي المقاييس أن يبدع مقياسه الخاص» (الإنسان المتمرد)
***
- «تخطّي المقاييس» تمرُّد على المعايير المبتذلة نشداناً لمقياس خاص.
ألبير كامو