الملحق الثقافي

لواعج العذريين الأوروبيين

لوحة من المرحلة الرومنطيقية للإنجليزي إدموند بلير لايتون

لوحة من المرحلة الرومنطيقية للإنجليزي إدموند بلير لايتون

ينبغي العلم بأن الرومانطيقية هي تيار فني وأدبي ظهر في أوروبا الغربية أثناء القرن الثامن عشر ثم ازدهر في القرن التاسع عشر. وقد ظهر أولاً في انجلترا ثم انتقل إلى ألمانيا، ففرنسا، فإيطاليا، فإسبانيا، الخ.. ولكن البعض يقولون إن أول كاتب رومانطيقي هو جان جاك روسو الذي ظهر في فرنسا لا في انجلترا. وهذا صحيح. فجان جاك روسو هو أبو الحساسية الرومانطيقية الجياشة في الأدب.

مهما يكن من أمر فإن الرومانطيقية هي حركة أدبية أو قل حساسية أدبية تختلف كثيراً عن المدرسة الكلاسيكية التي سبقتها. فأن تكون كلاسيكياً على طريقة راسين وكورني غير أن تكون رومانطيقياً على طريقة لامارتين أو ألفريد دوموسيه. الفرق واضح كل الوضوح لمن هو مطلع على الآداب الفرنسية بمختلف عصورها. وهذا هو الفرق أيضا بين أحمد شوقي وابراهيم ناجي. فالشعراء الرومانطيقيون ركزوا على العاطفة الملتهبة أكثر بكثير مما فعل سابقوهم. وكانوا يستخدمون ضمير «الأنا» ويعبّرون عن لواعجهم الغرامية وألمهم في هذا العالم. أما الشاعر الكلاسيكي فيأنف عن فعل ذلك ويكتم مشاعره الشخصية أو الذاتية أكثر بكثير بحجة الموضوعية.

سحر الخريف
إن الرومانطيقية تريد أن تستكشف كل إمكانيات الفن من أجل التعبير عن النشوة، أو الحرقة، أو اللوعة: أي لوعة القلب بسبب الفراق أو الهجران. وبالتالي فهذه الحركة الأدبية شكلت رد الفعل العاطفي ضد العقلانية الجافة أو الناشفة لعصر التنوير الذي سبقها. يضاف إلى ذلك أن الشاعر الرومانطيقي يلقي بنفسه في أحضان الطبيعة لكي ينسى أحزانه وهمومه، أو لكي يتعزى عن فراق محبوبته. فالطبيعة بهذا المعنى عشيقته أو أمه الحنون التي تحتضنه وتواسيه. وبالتالي فلا يمكن فصل هذا الشعر عن مناظر الطبيعة الخلابة وبخاصة في فصل الربيع. ولكن الخريف الفرنسي أو الانجليزي له دور كبير في الشعر الرومانطيقي. فالخريف فصل رومانطيقي بامتياز. وعلى أي حال فان الشاعر الرومانطيقي قد يسقط على الطبيعة همومه الداخلية ويجعلها تنطق وتتفاعل معه. وهذا ما فعله الشاعر الفرنسي لا مارتين مثلا عندما وصف الريف الفرنسي بوديانه وجباله، وبحيراته وأشجاره أثناء فصل الخريف. فقد أسقط على كل هذه المناظر الرائعة والحزينة لواعجه الداخلية وكتب قصائد جميلة ومؤثرة فعلا.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن قسماً كبيراً من الرومانطيقية الأوروبية ولد في بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر. وحب الطبيعة كان موجوداً هناك قبل ظهور جان جاك روسو، وإن كان هذا الأخير قد اشتهر بذلك أكثر من غيره. فالريف الانجليزي مشهور بسحره وجماله الخلاب. ومن أشهر الشخصيات الرومانطيقية في بريطانيا نذكر: ويليام بليك، واللورد بايرون، وجون كيتس، ووالتر سكوت، الخ.. وكلهم شعراء كبار. وينبغي أن نضيف إليهم بطبيعة الحال ويليام وردزورث، وكوليردج، وشيلي. كل هؤلاء قدموا للأدب العالمي وليس فقط الانجليزي أجمل القصائد.

شجار ألماني
وأما فيما يخص ألمانيا فنستطيع القول إنها شهدت حركة رومانطيقية رائعة ومن أقوى ما يكون. وربما كانت ألمانيا قد شهدت أكبر تيار رومانطيقي في أوروبا وبخاصة في مجال الشعر والموسيقى. وتتميز الرومانطيقية الألمانية أيضا بسمات خاصة بها: كالنزعة القومية، والنزعة الخيالية المفرطة، بل وحتى هيجانات الجنون. ولكن الجوانب الاجتماعية والسياسية الخاصة بالرومانطيقية الألمانية أقل أهمية مما هو عليه الحال في البلدان الأخرى كفرنسا أو إنجلترا أو سواهما. ومن أشهر الرومانطيقيين الألمان نذكر: غوته، ونوفاليس، وشيلر، وهولدرلين، الخ.. وهم من كبار الكتاب والشعراء ويحظون بسمعة عالمية تتجاوز حدود ألمانيا. ويرى غوته أن الشجار الحاصل بين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانطيقية يعود إلى الخلاف الذي حصل بينه وبين شيلر. فهو كان كلاسيكياً، موضوعياً، في كتاباته، هذا في حين أن شيلر كان ذاتياً، ملتهباً، عفوياً: أي كان رومانطيقيا. ولكن هل حقا أن غوته لم يكن رومانطيقياً؟ ماذا نفعل بآلام فيرتر إذن؟
والواقع أن اللغة الرومانطيقية تختلف عن اللغة الكلاسيكية من حيث التصوير، والاستعارات، والمجازات. والرومانطيقيون يعتقدون بأن لغة الشعر تختلف جذرياً عن اللغة العادية اليومية وعن أي استخدام آخر للغة. ومعهم الحق. فاللغة الشعرية الرومانطيقية ليست نفعية أو منفعية على الإطلاق، وإنما هي انفعالية، عاطفية، ملتهبة، تعبر عن أعمق أعماق الإنسان. ولهذا السبب فإن الرواية الرومانطيقية أو الشعر الرومانطيقي يؤثر علينا كثيرا ويهز مشاعرنا بل ويبكينا ويلوعنا.

دموع روسو
وأما في فرنسا فقد كان روسو أول من دشن الكتابة العاطفية الجياشة، أي الرومانطيقية، في الأدب الفرنسي كما ذكرنا آنفاً. وقد قال عنه أحد النقّاد ما يلي: روسو ليس المبشر الأول بالرومانطيقية فقط، وإنما هو الرومانطيقي الأكمل. إنه كاتب رومانطيقي من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. ويكفي أن نقرأ «اعترافاته» أو كتاباته الأخرى «كتأملات المتنزه المتوحد»، أو روايته الشهيرة «هيلويز الجديدة» أو سواها لكي نتأكد من ذلك. ومعلوم أن هذه الرواية أسالت الدموع أنهاراً ومدراراً لدى الجمهور الفرنسي عقب صدورها عام 1762: أي في منتصف القرن الثامن عشر. وهذا يعني أنه ضرب على الوتر الحساس وأصاب مشاعر الناس في الصميم. فالحب عاطفة خالدة تخترق العصور والأزمان. وحياة بدون حب صحراء قاحلة، مقفرة، لا تستحق أن تعاش. ولكن قولوا هذا الكلام للسيد نيتشه!
وكل الرومانطيقيين الذين جاؤوا بعده من شاتوبريان إلى فيكتور هيغو، إلى بلزاك، إلى جيرار دونيرفال، إلى لامارتين، الخ.. تأثروا به. وحتى الكتّاب الألمان الكبار كانوا متأثرين بكتاباته المشتعلة. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: غوته، وشيلر، وهولدرلين، وعشرات غيرهم. اقرأوا رثاء هولدرلين له في قصيدة عصماء. نقول ذلك ونحن نعلم أن معركة الرومانطيقية دارت في فرنسا بين أتباع فيكتور هيغو ومسرحه الجديد وبين أتباع المسرح الكلاسيكي. وكان ذلك في بدايات الثلاثينات من القرن التاسع عشر. وقد انتصر فيها فيكتور هيغو وترسخت بعدئذ المدرسة الرومانطيقية في الآداب الفرنسية. وقد دارت المعركة حول مسرحيته الشهيرة باسم: هيرناني. واشتبك المعسكران على أبواب المسرح الفرنسي بالأيادي!

القلب والعقل
لقد هبت الموجة الرومانطيقية على فرنسا آتية من ألمانيا في ذلك الزمان. ويمكن القول بأن شاتوبريان كان من أوائل الذين اتبعوا هذه الحركة الجديدة في الآداب الفرنسية. فهذا الأديب الكبير الذي عاش بين عامي (1768 ـ 1848) كان ناثراً من الطراز الأول. وقد عاش فترة الاضطرابات الكبرى للثورة الفرنسية.
وكان من أكثر المتحمسين لجان جاك روسو في شبابه. وعموماً فإن الانسان الرومانطيقي هو ذلك الشخص الذي يعطي الأولوية لقلبه على عقله. إنه يقع أسير العاطفة الملتهبة ولولا ذلك لما أصبح رومانطيقياً. أما الكاتب الكلاسيكي فهو بارد، موضوعي، يقع في جهة العقل والنظام لا العاطفة الهائجة والفوضى الخلاقة.
وقد رافقت الحركة الرومانطيقية في فرنسا نزعة التحرر الفردية من كل القيود الاجتماعية المرهقة. وبالتالي فهي مرتبطة بالحرية. وهذا ما نلاحظه بشكل جلي في رسوم دولاكروا التي مجدت الثورة الفرنسية وانطلاقة الشعوب من أجل الحرية. وهنا أيضاً يكمن فرق آخر بين المدرسة الرومانطيقية والمدرسة الكلاسيكية.
وينبغي العلم بأن موقف الشاعر الرومانطيقي من الطبيعة يختلف جذرياً عن موقف الشاعر الكلاسيكي. فبالنسبة لهذا الأخير كانت الطبيعة شيئاً خارجياً عليه، وكانت تعبر فقط عن معجزة الله في خلقه، أو عن النظام العُلْوي للإبداع المتناسق المنتظم. وأما بالنسبة للشاعر الرومانطيقي فقد أصبحت الطبيعة بالإضافة إلى كل ذلك شيئاً آخر. لقد أصبحت مرآة لروحه الداخلية ولكل العواطف المشبوبة التي تغلي فيه غليانا. لم تعد الطبيعة خارجية عليه وإنما منه وفيه.
والحب الرومانطيقي مشتعل عادة وملتهب أكثر من غيره. وهو مدان بالفشل في معظم الأحيان. ولولا ذلك لما تغنّى الشعراء بالفراق المر والانفصال عن الحبيبة أجمل الغناء. وهذا الحب الولهان الذي لا غاية له إلا ذاته يتعارض مع الزواج الذي كان عبارة عن صفقة باردة تتم على ظهر الزوجين من قبل العائلتين والمصالح المتبادلة. وفي معظم الحالات ينتهي الحب الرومانطيقي بالفشل.
ولذلك فإن الشعر الرومانطيقي مليء بالنحيب والبكاء على الأطلال واللوعة المرة والإحساس بفراغ العالم لأن الحبيبة لم تعد فيه. والحب الرومانطيقي ليس مبتذلاً ولا عاهراً ولا جنسياً محضا. وإنما هو ملائكي، عفيف، عاطفي قبل كل شيء. إنه يشبه الحب العذري لدى العرب. وهو أرقى أنواع الحب وأنقاه.
وعموما يمكن القول إن الشاعر الرومانطيقي هو شخص غير قادر على التصالح مع المجتمع، ولذلك فهو يهجره لكي يتجول في الغابات ويسمع نشيد الطيور ويذرف الدموع الغزيرة على حبه المنصرم أو المغدور. ولذلك فإن الشعر الرومانطيقي مليء بالأنين واللوعة والحسرة على ما فات والتذكر الفاجع على لحظات الوصال التي انتهت. انظروا بهذا الصدد قصائد الشاعر الفرنسي ألفريد دو موسيه... أو قصائد جبران خليل جبران أو خليل مطران أو إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، الخ..
وأخيراً لأخذ فكرة عن الرومانطيقية ليس كحركة أدبية فقط وإنما كحركة فكرية وفلسفية عميقة أيضا فإننا نحيل القارئ إلى الكتاب الضخم الصادر بجزأين للمفكر الفرنسي: جورج غوسدورف. وفيه يقول ما معناه: «الرومانطيقية هي عبارة عن ثورة ثقافية ذات ديمومة مستمرة ومتواصلة. وهي تضع على محك التساؤل والشك وضع الإنسان في الكون بل وحتى علاقته بالله والعالم والتاريخ. وكذلك علاقته بذاته أيضاً. ففي ظل الرومانطيقية راحت الحقيقة الدينية، والحقيقة العلمية، والحقيقة البشرية، تتغير في معناها وقيمتها. وبالتالي فالرومانطيقية حركة فلسفية ضخمة وليست فقط حركة فنية أو جمالية أو شعرية أو بكاء على الأطلال.. ولكنها لا تزال مجهولة في فرنسا بهذا المعنى الأوسع».
إذا كانت مجهولة في فرنسا فما بالك بنا نحن في العالم العربي؟

هجمة الرومانطيقية
لقد هبت الموجة الرومانطيقية على أوروبا حتى اكتسحتها كليا من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، من إنجلترا، إلى ألمانيا، إلى فرنسا، إلى إيطاليا..
ومن أهم الموضوعات التي شغلت الرومانطيقيين: الحب، وفراق الحبيبة، والموت، والنزعة الصوفية، والحنين إلى الشرق البعيد، أو الحنين إلى شيء مبهم غامض لا يعرف الشاعر كنهه وسره ولكنه موجود في أعماق أعماقه. ومن الموضوعات التي شغلتهم أيضا موضوع التمرد على الحياة، والمجتمع، والتقاليد السائدة والقسرية. ويمكن أن نضيف إليها موضوع العدم واللانهايات، والحنين إلى المطلق ثم رغبة الفناء فيه، والالتصاق بالليل المظلم الموحش، الخ..