الملحق الثقافي

تحولات أوروبا الدينية

ثمة توصيفٌ دقيقٌ يجري على ألسنة الناس في أوروبا عند التطرّق لأوضاع الدين والتديّن، فحواه أن «الميادين عامرة والكنائس خاوية». يدعم ذلك التوصيف «التقرير الإحصائي للكنيسة الكاثوليكية»، الصادر خلال العام المنقضي. إذ برغم أن الكنيسة الكاثوليكية أقوى مؤسسة دينية على النطاق العالمي من حيث امتلاك الكوادر والخبرات والقدرات، فإنّ ذلك لا يخفي ما يعتري هذه القوة من تعكرات وما تعانيه من نزف في قطاعات عدة. فأوروبا، على سبيل المثال، تبقى الساحة الأقل ديناميكية ضمن الأوساط الكاثوليكية، حيث يتزايد الكاثوليك فيها بنسبة تقلّ عن 2 بالمئة، في وقت يشكّلون نسبة قدرها 40 بالمئة على مستوى عدد سكان القارة العام، ونسبة 23 بالمئة من مجموع كاثوليك العالم. وبالمثل ثمة تدحرجٌ لأوروبا كنموذج مرجعي، بوصفها مركز الدوران الذي يطوف حوله العالم الكاثوليكي، وتحوّل ذلك نحو أفريقيا وآسيا. فضاءات واسعة في أوروبا شهدت تراجعاً للمسيحية أو بالأحرى علْمنةً كاسحة، وعدد المنضمّين للكنيسة يتدحرج من سنة إلى أخرى، سواء بين الرهبان أو الراهبات بشكل ملحوظ. إذ الحالة على العموم تسير نحو الأسوأ، نظراً إلى أن الإكليروس فيها هو الأكثر تقدماً في السن ولا يجد خلفاً أوروبياً كافياً، في حين يشهد الانخراط في الكهانة تطوراً ملحوظاً في آسيا وأفريقيا. الفتور الذي تعانيه المؤسسات الدينية التقليدية وتراجع أعداد إكليروسها هو بمثابة النزيف الذي يصعب التحكم به. لفهم هذه التحولات الدينية التي تعيشها أوروبا، آثرنا عرض هذا الحوار لعالمة الاجتماع الفرنسية دانيال هرفيه ليجيه التي تُعدّ من أبرز المتابعين للشأن الديني الأوروبي (المترجم).

** الأستاذة دانيال هرفيه ليجيه، سبق وأن نشرتِ كتاباً بعنوان: «الكاثوليكية.. نهاية عالم»، هل المعني بذلك أفول المسيحية في أوروبا؟
* يعالج الكتاب قضايا الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا تحديداً. فقد حصلتْ تأثيرات عميقة في المجتمع الفرنسي بفعل الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. ولا يمكن فهم اللائكية الفرنسية دون تمعّن في الكاثوليكية أيضاً. كل ما أردتُ توضيحه تحديداً في هذا الكتاب، هو هذه الخلفية الكاثوليكية للثقافة، حتى وإن كانت تلك الثقافة لائكية يتقاسمها السواد الأعظم من الفرنسيين، مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين، فإن ما نلاحظه أن تلك الخلفية الثقافية الكاثوليكية بصدد التبخّر. وهو ما يمكن تفسيره بنهاية سياسة الهيمنة الدينية على المجتمعات واندحار الثقافة الكاثوليكية. بالمثل أردتُ تناول ما أطلقت عليه في الحالة الفرنسية «الخروج الثقافي للدين». في الأثناء أجدني مدفوعة دفعاً للتطرّق إلى نضوب المعين اللوثري في المجتمعات الإسكندنافية والألمانية وأخرى شبيهة، فحالة «اندحار المسيحية» قد مسّت أوروبا بأسرها تقريباً.
** هل لديك تفسير لهذا الاستثناء الأوروبي، في ظرف تحوّلت فيه القارة العتيقة إلى جزيرة يتراجع منها الدين وسط عالم تطبعه العولمة الدينية؟
* الحدث على صلة بتاريخ الحداثة الأوروبية. كانت الأوضاع خلالها محكومة بانتزاع استقلالية السياسي من هيمنة الوصاية الدينية. والحداثة التي تشكّلت في أوروبا أتت في ظلّ تنصّل من المرجعية الدينية. والاختلاف الحاصل بين أميركا الشمالية والقارة الأوروبية متأت ضمن هذا السياق. لقد تأسّست الديمقراطية الأميركية على عاتق أناس مهاجرين فروا من جحيم القارة العتيقة توقياً للانتهاكات الدينية، ولذلك كانت الديمقراطية الأميركية حريصة على ضمان الحرية الدينية. في حين ما حصل في أوروبا، من اكتساب للحرية، ترافق بتصادم مع ممثلي الدين. هذا التاريخ له وطأة كبيرة على الجانبين. وهذا يعيدنا إلى السؤال المحوري ما هو مفهوم الأنوار؟ الذي تأتي الإجابة عنه لدى إيمانويل كانط بالحديث عن الفصل بين المجال العمومي والمجال الخاص، مدرِجاً الدين ضمن المجال الثاني. لا تعني مطلقاً هذه الخصخصة للدين -بوصفه شأناً متعلقاً بالفرد وعلى صلة بما هو شخصي- نهاية الدين، ولكن إزاحته بشكل ما عن تولي مهمة تنظيم الشأن الاجتماعي.

المرْكَبة الحاملة للحداثة
** كيف تنظرين إلى الصياغة التي عبّر عنها مارسيل غوشيه في قوله: «المسيحية هي بمثابة دين الخروج من الدين»؟
* أثار ماكس فيبر قضية عميقة في غاية الخطورة، وهي أن الدين بمثابة المرْكَبة الحاملة للحداثة. وبشكل فاعل، حوّل مارسيل غوشيه تلك الفرضية إلى عالم السياسة. والسؤال المطروح ما الذي يعنيه من وراء ذلك؟ إن المسيحية كدين تهيئ الشروط الملائمة لحداثة هي جذرياً تقف على نقيض الكنيسة، من خلال إرساء حدود فاصلة بين التسيير السياسي للمجتمعات والتحكم الديني في الضمائر. وضمن هذا السياق أرسى الإصلاح اللوثري وبالمثل الإصلاح الكالفيني تحويراً في علاقة الإنسان بربّه المانح للخلاص، تمثَّل في تجسير العلاقة بينهما، التي باتت خالية من الوساطات والتراتبية الكنسية، وذلك ضمن رؤية لاهوتية تقف على نقيض اللاهوت السكولاستيكي، كل تلك القواعد الدينية المستجدة ساهمت في تأكيد موضوع الاستقلالية الدينية.
** هل تعبّر هذه الأزمة عن أزمة المؤسسة الدينية أيضاً؟
تقف المؤسسة الدينية الكاثوليكية موقفاً يناقض إقرار استقلال الفرد، ولا تساير ما من شأنه أن يدعم تولي الكائن المؤمن أمر وجوده ومصيره. وبالتالي من الصعب التآلف مع مؤسسة تبدي أرثوذكسية على مستوى الاعتقادات وتصلباً على مستوى الممارسات، يحفزها في ذلك هاجس رقابة دائمة لسلطة ما زالت تؤمن بعصمة البابا. ذلك أن الفكرة الجوهرية في الكنيسة تتلخص في ألاّ وجود للفرد في الكاثوليكية. لكن، وعلى مدى تاريخ طويل، أي حتى في اللحظات التي عبّرت فيها البابوية عن تصلّب، كانت الكنيسة تشهد حالات من التوتر القوي توزعت بين المطالبة بتجربة شخصية للمؤمنين والإصرار على احتكار الوصاية المؤسساتية على الدين. إنه التوتر، الذي أبرز تجلياته، موريس هالبواش، بين الدغمائية وأنماط التصوف. والشيء المستجد بشكل فعلي، في الحالة الفرنسية، هو أن تلك الوصاية المؤسساتية ما عادت لها قدرة على فرض رؤاها على العالم. في السابق كانت السلطة مرتهنة إلى شكل من أشكال تنظيم العمل الديني بالغ الوضوح: يفصل بين الإكليروس، الذي يحتكر أداة السلطة الدينية، واللائكيين، الذين يفتقرون لأي شكل من أشكال تلك السلطة. في وقت تتمثل فيه مشكلة كنيسة فرنسا أنها في اللحظة التي تتبلور فيها رؤية لمختلف تلك الانشقاقات، يحدث تفجر لتلك البنية المؤسساتية. إذ لدينا في الوقت الحالي في فرنسا 11000 رجل دين؛ وقد كان عددهم سنة 1975 36000؛ وسيبلغ عددهم في أفضل الأحوال بحلول العام 2020، 6000 رجل دين. بعبارة أخرى، حتى وإن تواصل الكاثوليك بفرنسا فمن البين أن الإكليروس سائر في طريق الاندثار. وهو ما يطرح سؤال دالاً ما الذي يعنيه حضور كنيسة رومانية من دون إكليروس؟ إذ يمسّ هذا النزيف اليوم دواليب تنظيم السلطة في العمق، ونتائجه تجعل آثار ما أطلق عليه الخروج الثقافي للكاثوليكية، أي اندحارها المتدرّج من الثقافة المعاصرة، أكثر جلاء.

التحولات الدينية
** ما تلاحظينه هل ينطبق على الدول الأوروبية وعلى البلدان الخارجة من ربقة الشيوعية أيضاً؟
* تنطبق التحليلات التي قمتُ بها في ما يتعلق بالخروج الثقافي للكاثوليكية على الدول الغربية تحديداً. لماذا؟ لأن أحد خطوط التفسير الكبرى لهذا السياق، تتمثل في تأقلم الثقافة الديمقراطية مع كل مجالات الحياة، وليس مع النظام السياسي فحسب، لحق ذلك العائلة والمدرسة والمصنع أيضاً، إلخ. أي أينما تواجدت علاقات توافقية بين الأفراد وحلت محل التراتبيات المسقَطة من فوق. أما في ما يتعلق ببلدان أوروبا الشرقية، جدير دراسة كيفية اشتغال أوضاع الدمقرطة الجديدة، والآثار المترتبة عن ذلك الطابع الليبرالي للدين. فالفوران الديني الذي رصدناه عشية اندحار «السّفْيَتَة» سرعان ما تسرّب إليه الفتور.
** ما هي الأشكال الأخرى للتحولات الدينية؟
* الطابع المميز للساحة الدينية المعاصرة دورانها حول الفرد، وهذا ما يجري بالفعل في الحركات الكاثوليكية والبروتستانتية ذات الطابع الكاريزمي في المجال الأوروبي. يلتقي هذا التحول الدائر حول الفرد في الغرب مع أشكال روحية شرقية نقدّر أنها منحت الفرد فضاء أرحب، وهي تهيئ المؤمن ليس لخلاص أخروي، بل لاكتساب حكمة آنية في عالم الدنيا. جانب كبير من البحث عن فن العيش يجري على أرضية دنيوية. والبوذية التي غدت تغري عدداً واسعاً من الأوروبيين لا تربطها سوى رابطة واهية بالبوذية الأصلية، إنها إعادة إنتاج لهذه الديانة. فالكثير من الأفراد الذين يتشاركون في معتقد التناسخ لا يفكرون البتة في أطوار التناسخ على ما هو عليه في التقليد البوذي، كتجربة تنشد التحرر؛ بل بالعكس يرونه بمثابة المعتقد المجدي، أي بمثابة الأمل في بناء حياتهم مجدداً.

التعويل على الذات
** ضمن إعادة الصياغة المستجدة للشأن الديني، هل ما يبدو في الراهن هو بمثابة «التعويل على الذات»؟
* في اللحظة التي بات فيها الفرد في الغرب لا يولي كبير اهتمام لنسْجِ هوية دينية غريبة عنه؛ تحوّل إلى إنتاج ذاته مع تطلع في الآن إلى إعطاء معنى لحياته، بوصفه موضوعاً دينياً، دون أن يجهد نفسه في اللحاق أو الارتباط بمؤسسة لاهوتية كبرى، باختصار لأنه أصبح يميل إلى تدبير شأنه دينياً. والإنسان على العموم من طبعه أن يعوّل على ذاته، وليس غريباً على الأفراد أن يتدبروا أمورهم بعيداً عن الحلول الرسمية. تتمثل المسألة المستجدة، في المطالبة بإنتاج عالَم اعتقاداته الخاص؛ وهو ما يعني أن أصالة المسار الروحي الشخصي باتت أكثر أهمية من التطابق مع الحقائق الرسمية. أمست هذه الحاجة حاضرة أيضاً لدى مسيحيين كانوا في ما مضى أكثر حرصاً على مراعاة المؤسسة، ويرون في التعويل على ذواتهم في هذا المجال علامة على صواب مسارهم الإيماني. من هنا صارت المحافظة على ديمومة صلاحية المؤسسة أمراً متعذراً.
** ثمة ظاهرة أخرى لافتة تتمثل في حملات الأنجلة الأوروبية، أي إعادة إضفاء الطابع المسيحي، كيف تنظرين إلى هذه المستجدات؟
* يتميز التقليد البروتستانتي الفرنسي، ذي الطابع الإصلاحي والعقلاني بإحساس بالقناعة بتجربته الشعائرية. بَيْد أنه منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي نلاحظ في مجمل البروتستانتية الفرنسية صعوداً لحركات ذات طابع مشاعري، تحوز فيها العواطف التعبيرية الدينية مجالاً أوسع. وقد تفاقمت الظواهر لاحقاً منذ التسعينيات حتى باتت مرئية لا سيما في أوساط البنتكسوتاليين والبنتكسوتاليين الجدد، وهو ما ترافق في أوروبا مع حركات الهجرة. إذ باتت حملات التبشير قادمة من كل حدب وصوب، علاوة على ما يميز جلها من أبعاد مشاعرية عاطفية.
وهذه الحملة من الأنجلة لا تتناقض مع الحداثة، فهي تضم حركات تجمعها صلة بالفردانية المعاصرة، لأنها تضع هدفَ تغيير الآخر دينياً في قلب التجربة الدينية، من خلال تحوير مسار حياته، ليحقق ذاته بذاته، بعيداً عن الروابط العائلية والجماعية.

** هل مثّلت الديناميكية الإسلامية حافزاً لإيقاظ الهويات الدينية في أوروبا؟
* ربما دفعت الديناميكية الإسلامية باتجاه ترسيخ إعادة البناء للهوية الدينية، ولكنها تبقى في حدود الهوية النقيضة. وبكل بساطة بمجرد أن نبدأ بالتشكك في الطابع النقيض لهوية الآخر، نجد أنفسنا مدفوعين نحو هويتنا الخاصة، بشكل يماثل انعكاس الصورة في المرآة. لكن إعادة بناء الهوية المسيحية الذي نعاينه بشكل هامشي هو على ما يبدو يأتي ضمن ردود الفعل. ومن الصعب في الظرف الراهن تقدير حمولته بشكل صائب. الشيء الجلي أننا منذ أكثر من نصف قرن نشهد انحدار الممارسة المسيحية. والمسلمون ليسوا هم من يريدون جعل الفرنسيين «كاثوليك» مجدداً.
(الحوار صادر في مجلة «لو سبيكتاكل دو موند» الفرنسية)

فن العيش
جانب كبير من البحث عن فن العيش يجري على أرضية دنيوية. والبوذية التي غدت تغري عدداً واسعاً من الأوروبيين لا تربطها سوى رابطة واهية بالبوذية الأصلية، إنها إعادة إنتاج لهذه الديانة. فالكثير من الأفراد الذين يتشاركون في معتقد التناسخ لا يفكرون البتة في أطوار التناسخ على ما هو عليه في التقليد البوذي، كتجربة تنشد التحرر، بل بالعكس يرونه بمثابة المعتقد المجدي، أي بمثابة الأمل في بناء حياتهم مجدداً.