الملحق الثقافي

الشاعر ومدينته

خوسيه أُغوستين غويتسيلو (برشلونة 1928 – 1999) أحد أبرز شعراء «مدرسة برشلونة» إلى جانب كارلوس بارّال وخوان خيل دي بييدما المَحْسوبين على جيل شعراء الخمسينيات الإسبان، الذي يضمُّ أسماء كبيرة في الشعر الإسباني الحديث والمعاصر مثل أنطونيو غامونيدا، وأنخيل غونزاليز، وخوسيه أنخيل بالنطي، وكباييرو بونالد، وفرنسيسكو برينس، وكلاوديو رودريغيز، وآخرين.
لقد تميَّزت «مدرسة برشلونة» شعرياً عن التجارب الأخرى ضمن «جيل الخمسينيات» بالمقاربات المتعددة الأبعاد للمجال الحضري المديني المتمثل في برشلونة عبر رؤية سوسيو – سياسية تؤكد على حق الإنسان، ليس فقط في العيش اللائق، بل في جعل مسألة الكرامة الإنسانية مسألة جمالية قبل أن تكون مجرد شرط أو حدٍّ أدنى للعيش.
ويتفرَّد خوسيه أغوستين غويتسيلو بين شعراء هذه المدرسة بتكريسه لأعمال شعرية مستقلة لموضوع المدينة ومعمارها من أَبْرَزُها: «مشغل المِعْمار»، وهو ثمرة تجربة عاشها الشاعر مع المهندس المعماري الشهير ريكاردو بوفيل عام 1965، أَوْحَتْ له بأشعار ذات قيمة جمالية بنائية تنتقد راهنَ المدينة بتناقضاته، بؤسه، وتطلعاته، وتسائِلُ المستقبل برؤية مرتابة ساخرة.
ومن تلك الأشعار اخترنا لقراء
«الاتحاد الثقافي» هذه القصائد.


مثل مطر قديم
مثل غيمة عَكِرةٍ تتعفَّن
في قطراتٍ بطيئة مِنْ وَحَل أو كآبة
مثل مَطَر قديم
يَغْمُر حتَّى الموتَى الأشدِّ فقراً،
ينزَلِقُ الضَّجر عَبْر الجُدْران
مكوِّناً بِرَكاً ثخينة في الشَّوارع
يَنْفُذُ إلى الكنائِس إلى قاعاتِ السينما
ويتروَّقُ في المَنازِلِ
برائحته الشبيهة بالكارِثة

حِينَئذٍ يُهَيْمِنُ هَواءٌ من فُتورٍ
ورطوبةٍ على الحركاتِ والكلماتِ
يتدلَّى مِنَ البَدْلاتِ
يَرْأَسُ اللِّقاءات العائلية
يُسافِرُ في الباصات
وَيَلُفُّ المدينة الكئيبة المرتابة.

أيُّها الشَّاهِدُ القاسي عَلَى السَّاعات الفارغةْ
أيُّها الضَّجَرُ الفظيع الذي لا تُخْفيهِ
الموسيقى الغامضة لِصَالات الحَفَلات،
ولا الصياح في الملَاعب
ولا الأَصْوات والأحاديثُ على موائد الحانات

وفي غِمار عَصْرٍ مِنْ كَراهيةٍ وقلَقٍ
مِنْ انتظارٍ مِن غيْظٍ مَكْظُوم
ثمة بضْعة أَطفال وَحَدَهُمْ
يتعلَّمُون الهَدْمَ عِبْرَ رَوْزنَاتٍ مِنْ حُلْمٍ،
بينما فيّ الخارج يُواصِلُ
ذلك المطر هُطُوله على نَحْو مُحْزنٍ
في عَالَمٍ عَلَى حَافّة الإفلاس.


المُتوحِّد

المدينةُ خاليةٌ،
كَابوسٌ مشوِّقٌ
شبيهٌ بِوَجْهٍ من غَيْر شخصٍ يحمله،
أو بقناعٍ مهجور،
لأن الشوارع والساحات والإعلاناتِ المضاءة،
البنايات والضوضاء
هي أوجهٌ علاماتٌ تُعبِّر عن المدينة:
الخليَّة الحقيقيّة هي النَّاس

يُخيِّمُ اللَّيْل المدينيُّ
وشيئاً فشيئاً يَخْتَفي آخِرُ المارّة
لَكنَّهم يبقون هُناك عِبْرَ
أنفاسِهمُ المسموعة
وحينئذٍ يستطيعُ المتوحِّد أَنْ يُزيل
الواجهاتِ ويَرى الأحلام والرغبات والمشاريع
ويحلِّل أجزاء الصُّورة.

كُلُّ شيء يتّخذ معنى:
الثيابُ منشورةً، الأزهار تتحدَّثُ عن
عادات هذه الأسرة أو تلك،
عن مهاجرينَ مغتبطين دَاخِلَ مَبانٍ قَبْريّةٍ
بينما سلطة المال
تسطع على العمارات المعدنية المتلألئة
والضَّجر يُغرق يديه في أحلام تعساء الأحياء العارية

إذا ما أُزيحَتْ سِتارةٌ
أَوِ اخْتُرِقَ شِقٌّ في جِدار
يمكنُ التعرُّف على النَّوافذ المُرجَأةِ
في عناق الأَزْواج الملَوَّثين
وعندما تتوقَّف الكيلواطات عن الزعيق
تَظْهر إشارات على الستائر والهَوَائيات:
الرذائل والعَوَائد، التاريخ بأتمِّه ومستقبل المدينة
موجود هناك بين صفحاتِ الكتاب
الذِي يتصفَّحُه المتوحِّد بِضَجر.

المعنى الوحيد للتاريخ
عندما نختار طريقاً في مفترق طرقات
ثم نتقدَّم فيه حثيثاً
تبقى خَلْفَنَا آلاف المشاريعُ الأخرى
المحتملة عند نقطة الانطلاق

الإنسانية كلُّها، مثل رجل وحيد،
تواصل طريقها كمجموعٍ وسط اتفاقيات
وثوراتٍ متقدِّمةً على المصادفة
في مسارها الطويل الملتبس.

المعنى الوحيد للتاريخ،
حتميّاً كَانَ أم غَيْرُ حَتْميٍّ
يُشْبِهُ سَفَراً على سِكَة حديد
نِصْفَ مُقَامَةٍ وسط الغابةِ
التي تُغَطّي اتجاهها مانعة إياها
من العودة.

البُرْهان جَماعيٌّ مُتعدِّد
المستقبل غَامِضٌ
يمكن أن يكون الآن بالذات
أو على مَدَى مئة عام أو مليون عام،
يستحيل التخطيطُ لِعَمل مُكْتَمِل
يَتَعيَّنُ المضيُّ في إنجازه طوال الوقت
مع محاولة أن يَبْقَى دائماً كما هو
إذا لَمْ يَكُنْ جرى التفكير في ذلك الوقت
وفي الفَاعلين الآخرين.

وَحْدَهُ الخيال المنحَطّ والرَّجْعِيُّ لَحْظِيٌّ
إِذْ كل شيءٌ فيه مُكْتَمِلٌ
لأن الزَّمن مُسْتَبعد مِن حُسْبانه.

ثمة شَخْصٌ يتصوَّر الأشياءَ يبتكر ويُبْدِعُ
لكن الأشخاص الآخرين يكدحون
يحبُّون أن يقوموا بآلاف الأشياء المختلفة
يبنون ويهْدِمُون لحِسابِهم
ولا حتى الطّاغية الأكثر فطنةً
يستطيع أن يكون واثقاً من تحقيق كل رغائبه.
الأداة جماعية ومتعدّدة والعمل متواصل.

نَافِذةٌ على ساحة سان غريغوريو
إن اسْتَطَعْتَ، في لحظاتٍ نادرة،
أن ترى، قافزاً، حائطَ الأضواء
أن ترى الدخان وموكبه الجنائزيَّ
وسط إشارات سريعةٍ وسينوغرافيا واسعة،
ستكون لديك لحظاتٌ خالية لرؤية
ما بنيناهُ: أحجامٌ عديمة الشّكل
واجهات مكرّرة مثل صَرْخات تَسقط
على الحشد المحاصر،
نوافذُ ذات تعابيرَ مُتّهمةٍ:
أشعّةٌ وهوائياتٌ تتلو على الهواءِ
رسائلها المعلومة.
الكُلُّ مُبْهَم مثل سفينة وسط الضّباب،
خيطٌ وَاهِنٌ لَا يَقُودُ إلى شيءٍ
ثرثرة نيُّون مجرَّد.

ثمة سَلالم وأرقام بالآلاف
من أسماءَ وملاذاتٍ في الهواء
مِثْل أعشاش طيُورٍ هائلةٍ،
ساحات واسعة مُقْمرة وفارغة
وسط سيارات مهجورة

بعيدةً تبقى الصّورة التي تحتفِظُ
بها أنت عن أرض مختلفةٍ
الحقلُ جِلْدُ البحر الممتدُّ بجانب شاطئ ما.
الأشجار من دون سياجات إسمنتية.

لكن هذا هو مشهدك الطبيعي عَالَمُك
منه ستبقى مِنْ بَعْدُ العلاماتُ التي
نجَّاها الزمن: بضعة مَنازل،
هيكل مَلْعَبِ أو أعمدةُ معبد.
ستبقى خرائب عتيقة بين شوارع وأنفاق

في المدينة المستقبلية العالية المُمعْدنَة
سَتُكْتَشَفُ آثار حَاضِرنا هذا
وثمة مَنْ سَيَدْرُس ما كُنَّا إياه بين المنحدرات
والخطوط الحلزونية، حائط مَبْنى مثل هذا
الذي تَسْكُنُه الآن.
ثمة مَنْ سيحاول معرفة كَيْفَ عاشَ
الرجال الذين يعبرون الشارع بمحاذاة قدميك
وحينئذ أيُّ معنى مُمْكنٍ
لشُرفاتٍ وسطيحاتٍ وتجاويفَ بِلَا مرايا
في هذه المدينة العَدائية؟
لا أحد سيعرف كيف اتّقدت الحياة
وراء تلك الجدران المهدومة.
قد يتحدثون كيف عِشْنا، لكن ليس لماذا؟


أَغْلِق الباب وَلُذْ بالزنزانة
لا تفتح النافذة لَيْسَ لأنَّ الضَّوْءَ يَلْدغ
أيضاً القليلَ مِمَّا تبقَّى لك:
عزلتك وسط الصرخات
جنونك في عالم مجنون
الاستراحة المهتاجة التي تقودك
إلى الدمار إلى التاريخ.

وجهة الطريق السيّار
لا تَجْنَح إلى الرَّفْض ولا إلى الاستهانة
ولا إلى الغضب اللامعقول
كما يفعل آخرون كُثْرٌ
إذا ما وجدت نفسك مُحاطاً
مُتابعاً عند كُلِّ خُطْوَةٍ مِن حَشْدٍ
من أشياءَ مِنْ أسْماءَ تَفْرضُ وَاقِعَها
الصَّارِم المُعْمِي الآن بالذّات في كُلِّ مكان
وتجعلك تَرَى عَالماً مِثل كنَاسةٍ طويلةٍ
أو سِلْسلة وَاجِهاتٍ مُهيِّجة شبيهةٍ
بِدكاكين تقويم الأعضاء ومُعَقّدة مِثْلَ كَتَالُوغَاتِ
مَسَّاح الأَرَاضي، فَلِأَنّك تَعْرفُ
الأدوات والكلمات التي تُشْهِرُها باستمرارٍ
المعامل والمصانع والتّلفاز
فتحتَلُّ الشوارع والهوائيات واليافطات
صاعدةً ساطعة في الإعلانات النَّيُّونيةِ
وقد بلغَتْ منزلك مثل موزِّع الصحف
فهي موجودة في مطبخك أو في الحمَّام.
في ذاَكِرتك في حديثك في حديث أصدقائك
في الحانات وفي الحلم هي جزء لا يتجزأ مِنْ
شَعْرك أو اسْمِك أو مِنْ ذلك البنطلون البَالي
الذي تُفضّله هِيَ نُسْغُ زَمنك هي ما يُشكّلُ
الثقافة السريعة من مجموع عَلَاماتٍ
بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ تُؤَجَّلُ أو تُحَلُّ مِن قبل العلماء
مِمَّا استعمله الإغريقي السَّريع الزوال
لَكِنْ الجميل المعبِّر والمصطنع والبربري أَيضاً

هَكَذا إذن تَتْرك غُرفتَك تتناول فطورك
وتُحاول أن تُصَفِّر وأن تَبْتَسم
وتَمْشي مُحْتَرساً حَتَّى لا تطأَ الحافّة
وتَنْزل نَاطّاً سُلَّم مِيتْرو الأنفاق
الذي يَأخُذُكَ بِبُخاره إلى الساحة الكبرى لموقف السيارات
إلى خُدْعَة مَا قد يكونُ تَابُوتك المقطوع
وها أنت أَمَام المقْود تشرع
في تفادِي وِجهات عديدة
مُتّجهاً صَوْبَ دِفْء الطريق السيَّار
الذي يُقَدِّمُ لَكَ الوُدَّ، الشعاراتِ والوجوه
وَرُسُومَ «المَاركات» التي تستعملها أَوْ تَعْرفُها
وها قَدْ أَشْعَلْتَ المذياع
وأنت تضغط على الدّوّاسة بقوة
لأنك تستشعر الهَواء وعذوبةَ الخريف
بينما أعمدة الضوء وجانبا الطريق
تنفتح أمام المحرّك

منعطفاً تُجاوِزُ شاحِنَاتٍ بديعةً جداً
بسرعة مِئةٍ وسبعين كيلومتراً
وأنت تفكّر ببساطةٍ في أنَّ الأحْفَادَ
وأبناءَ أحفادك سيمرُّون على نفس
هذا الإسفلت ويقفون في محطّات البنزين
وُربَّما يعتقد أَحَدُهم أنَّنا كُنَّا
أشخاصاً مستمتعين ذات يوم.