الملحق الثقافي

الحبّ.. ذريعة الوجود

كلنا نلاحظ اليوم تضخماً كبيراً في خطاب الحب، كما تعرضه علينا ثقافتنا المعاصرة في القصائد والأغاني والموضة... إلا أن الحب يتخذ اليوم شكل تجارب حسية عشقية تميز عواطف المجتمعات الصناعية، فنتيجة الاختزال الشديد للعواطف في الغرائز، واختزال كل طرف للطرف الآخر في التمثل الحسي، لم تصنع هذه الحضارة سوى الانحرافات والأزمات النفسية والعاطفية.

من الصعب الوصول إلى وصف نظري شامل لهذه الإحباطات التي يعرفها الحب اليوم. لكن رغم أهمية هذا الأمر إلا أن هدف هذا البحث ليس الدخول في سيكولوجيا الحب، فهذه المسألة وضعت فيها تآليف كثيرة، خصوصا من طرف علماء النفس. إن ما نطمح إليه هنا هو بالأحرى وصف الانقلاب الكبير الذي عرفته هذه العاطفة بالنسبة للإنسان المعاصر، بالتركيز على شكل هذا الحب الذي يجعل الإنسان (مطلق) ذاته، بحيث يكون كل تعالٍ باتجاه الذات نفسها، فالتضحيات البطولية والانفعالات المبالغ فيها، والتعلقات التي تأخذ شكل إلزامات عاطفية، أو عهود ومواثيق ضمنية، كلها رفعت الحب في الأزمنة المعاصرة من مجرد تجربة عاطفية، لكي يكون نظاماً أخلاقياً بديلاً.. وطبيعة هذه الأخلاق الجديدة هي ما ينبغي مساءلته.
لا يركز هذا البحث، على طرق التودد العديدة التي عرفها الإنسان عبر التاريخ، بل على شكل محدد من الحب تمتاز به حضارتنا، وهو حب حبيس لتمزقات نفسية وغرائزية في الآن ذاته، تعبر عن الاضمحلال الذي يعيشه الكائن المعاصر.
والسؤال: هل بإمكان الحب كما يفهمه ويمارسه الإنسان اليوم أن يفضي إلى تجربة تعال حقيقية؟ كيف لعبت تحولات الرغبة دوراً في ظهور أشكال متغايرة للطبائع والكينونات البشرية؟ أين تتجلى أزمة الحب العاطفية والاجتماعية معاً؟

تحولات الرغبة
عبر تاريخ الوجود الإنساني ظل الحب دوما تجربة أساسية، ترفع الكائن البشري درجة لملامسة ما يخص إنسانيته ويميزها، غير أنه ومنذ الأزمنة المعاصرة انقلبت مواقع هذه العاطفة وتغيرت دلالاتها، إذ لم يعد تجربة عاطفية تفضي إلى لقاء الآخر المكمل للذات وتكوين وحدة مكتملة معه {أفلاطون}. أصبحنا بعيدين كل البعد عن الأيروس الجمالي الأفلاطوني، الذي يلعب دور الوسيط بين الطبيعة البشرية والإلهية، ذلك أن الحب أصبح هدفا في حد ذاته، بعد أن تم خفضه إلى مجرد متعة غرائزية.
ابتعد الحب كذلك عن أن يكون تحاباً l›aimance مفضياً إلى أوضاع اجتماعية وعلاقات صداقية داخل المجتمع، أو ما كان يدعوه أرسطو ب (فيليا- philia)، أي ذلك الحب الذي هو عبارة عن تودد وقبول للآخر وانفتاح عليه خارج أية رغبة عشقية جنسية. ولا حتى عن ذلك الحب المسيحي الذي يدفعنا إلى حب الإنسانية جمعاء، بل حب الأعداء والمخالفين لنا، وهو الحب الذي يعرف تحت مصطلح (أغابي - Agapé).
يتساءل لوك فيري مشككا: «هل يمكن للعواطف التي يوحي بها الهيام والولع أن تؤسس علاقات دائمة؟ أليست بطبيعتها غير قادرة على ذلك إلى حد أن لا شيء متين يمكن أن يقوم عليها؟» (1). جواب فيري قد يكون استثناء بالنسبة للفكر المعاصر وللفلسفة الفرنسية بالخصوص، التي اعتادت الدفاع عن كل ما ينفلت من السلطة والعقل. فالزواج المبني على الحب بالنسبة للكاتب يحمل في ذاته أسباب فشله لأنه باقتصاره على العاطفة وحدها وإغفاله «للدوافع التقليدية» سواء كانت اقتصادية أو عائلية فإنه ينجر إلى ما يسميه فيري بـ «استنزاف الرغبة « (2).
ما يريد لوك فيري قوله هو أن الحب العشقي، ينبغي أن لا ينظر إليه على أنه ما يمكّن الإنسان من أن ينظر إلى نفسه كما لو أنه إله ذاته، ومن هنا معنى عنوان الكتاب «الإنسان المؤله» الذي بدل أن يحقق تعاليه باتجاه المطلق، كيفما كان الاسم الذي يمكن أن يأخذه هذا المطلق، يختزل تعاليه عوض ذلك في اختيارات عاطفية محدودة وحبيسة تمزقاتها الداخلية.
إن الرهان الأساسي الذي يعترض مسألة الحب اليوم هو: كيف يمكن الانتقال من الافتتان العشقي بالذات إلى تحقيق هذه الذات؟. مبررات هذا السؤال واضحة ما دام أن التوترات العشقية والتجارب الجامحة للحب التي تميز عصرنا، قد عصفت بالإنسان بعيدا داخل الانغلاق المطلق للذات المطلقة المتوهمة. هذه الذات المطلقة التي هي في العمق تشكل جوهر الفردانية الليبرالية، القائمة على التملك والتفوق بدل قيم الوجود والتضامن. إن الحب المنتقد هنا هو الحب الذي يقدم نفسه باعتباره المنتج لمعناه ولحقيقته الخاصة، فلا هو بالحب التروبادوري المشتمل على أخلاق الفروسية والشهامة، ولا هو بالحب الرومانسي الذي يرفع المرأة إلى مستوى رمز كوني، ولا بالحب العذري المتعفف الذي مدحه ابن حزم في آخر كتبه طوق الحمامة، ولا حتى بالحب الصوفي المفضي إلى تلمس المطلق.

سياقات الأزمة
من المهم أن نعرف كيف تم هذا الانحراف، كيف أصبحنا ما نحن عليه اليوم؟ لقد قدمت في هذا الصدد العديد من التحليلات والطروحات منها ما يستلهم التحليل الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بظهور المجتمعات الصناعية الاستهلاكية، ومنها تحليلات أخرى استعانت بالتأويل التاريخي أو الفلسفي لتطور الحضارة الغربية.
من أشهر الأطروحات التي تناولت هذا الموضوع، يمكن الوقوف على التصور الذي قدمه دونيس دوروجمون في كتابه الذائع الصيت: «الحب والغرب» (3) حيث يمكن أن نقول معه أن الفراغ الذي أحدثه المفهوم المسيحي للحب، باعتباره حبا موجها بالأساس لمملكة الرب، ستملؤه ولادة جديدة لمفهوم آخر للحب، إنه الحب الكورتوازي الرومانسي الذي معه سيتكون تشكل جديد للذات الأوروبية. يذكر الكاتب أن الغرب عرف هذا الحب الرومانسي عن طريق الحب العذري الذي تغنى به الشعراء في الأندلس، ويذكر قبيلة بني عذرة العربية التي كان أهلها يموتون من الحب، كما استشهد بالحديث النبوي الذي يقول: «من عشق فصبر فكتم فعف فمات، مات شهيداً» (4). ويؤكد طيلة الكتاب على أن هذا الحب العذري هو الذي سيؤثر فيما بعد على الحب الكورتوازي، غير أن ثقافة الحب في الغرب - وإن كانت قد استلهمت جانبها العاطفي من الحب العذري العربي - إلا أنها استلهمت كذلك جانبها الحسي من التيار المانوي القادم من إيران.
بشكل مجمل يستنتج دوروجمون أن التشكل العاطفي للغرب لعب فيه تياران الدور الأساسي: العذرية العربية، والحسية المجونية المانوية يقول: «هكذا نشأ النموذج الغربي الكبير للتعبير عن الحب الولهان، من لقاء زندقتين: زندقة الروح وزندقة الشهوة اللتان جاءتا من الشرق نفسه من شاطئ بحر هو مصدر للحضارات» (5).
ورغم هذا الفرق الكبير بين الاتجاهين إلا أنهما معا يلتقيان في نقطة واحدة، وهي الرغبة في إنكار العالم باسم الحب الطاهر والخالد مع الرومانسية، أو باسم الخروج عن المجتمع والاندفاع في الهياج العاطفي مع الغرائزية. ما العمل الذي يمكن أن يحققه إذن الحب ضد سموم الغرائزية وضد اليأس الذي يمكن أن يقودنا إليه الانغماس في المثالية المطلقة؟ الجواب الذي يقدمه دوروجمون هو أن: «العمل ليس معناه التهرب من عالم نعَتوهُ بالشيطاني. وليس معناه قتل هذا الجسم المعرقل. ولا يعني أيضاً إطلاق مسدسنا على الروح بحجة أنها خدعتنا. العمل في الحقيقة هو قبول الأوضاع التي كتبت لنا في الصراع بين الروح والجسد. والعمل هو محاولة التغلب على هذه الأوضاع لا بتهديم القوتين المتنازعتين بل بتزويجهما. لتأت الروح لنجدة الجسد تجد عنده السند والعون، وليخضع الجسد للروح وليجد عن طريقها سلامته، تلك هي الطريق». (6)
وبغض النظر عن صحة هذه الأطروحة: تأثير العذرية العربية والحسية الإيرانية في تشكيل الشعور العاطفي الغربي، فإن الانحرافات العاطفية اليوم قد بلغت في الغرب مآسٍ درامية، حيث انتهت الرومانسية إلى الانغلاق الذاتي والانفصال عن العالم، أما الغرائزية فهي تتجه اليوم نحو التكاثر الأسري والانفجار الديموغرافي. إن الحضارة المعاصرة التي تعلي من قيمة التملك على حساب الوجود، لا تترك آثارها فقط على السلوكات الاجتماعية الاستهلاكية، بل أيضا على الأجساد والرغبات والعواطف. إن الانحرافات الجنسية التي أصبحت تميز حضارتنا، والتي أبدع علم النفس عموما والتحليل النفسي بالخصوص في وصف عقدها ومركباتها مثل النيكروفيلي Nécrophilie والزوفيلي la zoophilie والبيدوفيلي la Pédophilie... كلها تدل على تمزقات الرغبة، وعلى الانحرافات التي عرفها الحب المعاصر نتيجة عدم قدرته على البوح بالكينونة وتعلقه المرضي بالتملك الحسي للآخر.

الحب مشكلة الوجود
يؤكد إريك فروم (7) أن الحب لا ينبغي النظر إليه كمجرد شجون نفسية عاطفية، ولكنه الجواب على مشكلة الوجود البشري أساسا، بمعنى أن الحديث في موضوع الحب ليس مجرد حديث في انفعالات النفس وتقلبات العاطفة، رغم أن هذا هو المسعى الذي سارت فيه العديد من الدراسات التي تناولت الموضوع وبالخصوص الدراسات النفسية، وإنما الحديث في الحب هو حديث في وجود الإنسان ذاته، وفي طبيعة الذات البشرية وحضورها التاريخي، يقول إريك فروم في هذا السياق إن: «أية نظرية عن الحب يجب أن تبدأ بنظرية عن الإنسان، بنظرية عن الوجود الإنساني» (8). بالنسبة له الحب ليس إلا جوابا على تجربة الانفصال التي يعيشها الكائن البشري، رد فعل ضد القلق والعزلة اتجاه العالم وعدم قدرتنا على مواجهته والتغلب عليه. هناك إذن حاجة ماسة داخل النفس البشرية من أجل تجاوز هذا الانفصال، ووضع حد للقلق والعزلة التي يخلقها، وما الحب سوى وسيلة لإيجاد حل لكل ذلك. إن الرغبة في التوحد مع شخص آخر وربط مصيري الشخصي به هي الرد الأمثل على عزلة الإنسان وانفصاله.
أن النقطة القوية التي تضمنها طرح إريك فروم هي نقله لمسألة الحب من مقام الانفعالات النفسية إلى مقام الانطولوجيا، أي أنه قدم نظرية عن وجود الإنسان من خلال تناول مسألة الحب كمقاومة للانفصال. لكن ما يعيب هذه النظرية هو ادعاؤها إمكانية استعادة الوحدة الأصلية من خلال تجربة الحب وتجاوز الانفصال والاغتراب، إذ يبدو أن مثل هذا الطرح ينطوي على منحى أفلاطوني واضح. قد نتفق مع إريك فروم في كل هذا شريطة أن لا نفهم الانفصال على أنه شيء مناقض للحياة، كما لو أن ثمة خارج ما يمكن محاكمتها انطلاقا منه. إن الحب ليس بديلا للحياة، بل هو الحياة عينها. إنه بطبيعته مفارق لكنه بذلك لا يفعل شيئا سوى أنه يجسد مفارقة الحياة ذاتها. إننا هنا نتحدث عن الحب في حدود الإمكان البشري أي إمكان الحياة.
عندما نفهم الحب على أنه استقرار عاطفي ورضا نفسي وتوحد مطلق بالآخر، أو بتعبير إريك فروم بديلا عن الانفصال، نكون قد حولنا الحب إلى بديل للحياة حيث تتموقع التجربة العاطفية كمناوئة لتجربة الحياة، وفي النهاية فإن الهرب من الحياة لن يكون إلا إلى الموت. لذلك كان الحب في التجارب العاطفية للرومانسية والحب العذري مرادفا للموت: (نحن قوم إذا أحبوا ماتوا)، يقول العذريون. يبحث الإنسان من خلال تجربة الحب عن استقرار عاطفي وهذا من قبيل الاستحالات، لأن تجربة الحب هي مد وجزر، انفصال واتصال. إن كل حب لا بد بالضرورة أن يتضمن نقيضه، الانفصال عن الجسد من أجل معانقة المطلق. تجربة الانفصال والاتصال هاته هي التي تلخص ليس فقط طبيعة الحب ولكن أيضا طبيعة الحياة ذاتها. هكذا فالحب الحقيقي هو بالأساس قلق وتوتر، صراع وتجاذب لا ينتهي، شعلة من التوترات، نشاط قوي للفعالية النفسية بين الاثنين.
بشكل آخر إذا كان هذا المحبوب لا يشكل بالنسبة لي عونا على تجربة الانفصال باعتبارها سر الوجود، وإذا كان وجوده غير موحي لي بدرجة كافية، أي أن وجوده يتوقف عند مجرد التمظهر الجسدي، فإن الحب من ثمة حتى وإن أشهرناه في كل مرة لن يكون إلا حبا زائفا. والحال أن حضارتنا الصناعية لا تسمح لنا بمعرفة بعضنا البعض إلا كأجساد معطاة للاستمتاع الحسي وليس كذوات عميقة وسرية.
هكذا بدل أن يكون الحب جوابا على مشكلة الوجود الإنساني، كما رأى إريك فروم، أصبح هو مشكلة الوجود الإنساني ذاتها، ونحن نفهم كل التصحر الذي تعرفه المشاعر البشرية، وكل المكابدات والعنف الذي تعيشه المرأة، والصعود المخيف للكائن/ السلعة، على أنه علامة على هذا التحول الذي تعرفه مشاعر الحب لدى الإنسان.

أزمة الغرائزية
كما أشرنا سابقا يعاش الحب اليوم بالأساس كتجربة حياة محققة لتعاليها الخاص بها، ففي تجربة الحب تبحث الذات عن التطابق مع الموضوع المحبوب. لكن ألا يجعل هذا التطابق تجربة الحب هذه تسقط في التوحد الذاتي، كما لو أنها ألوهية دينية تكفي ذاتها بذاتها ولا تحتاج إلى أي معنى خارجي. إذا كان ما نعشقه في الحب هو الحب ذاته أما المحبوب فهو ذريعة كما يقال، فهذا معناه أننا عندما نحب فنحن لا نكون لوحدنا في الحياة، إن الوجود يتم تلقيه كآخر. إننا نرى في موضوع الحب أكثر مما يتيحه المعطى الواقعي، وما ندركه يظل دائما في أفق الممكن الضروري، الذي لولاه لاستحال الكائن المحبوب إلى محض وجود عيني محدود في التجلي المكاني.
إن العينية هنا تخفي الكلية التي بدونها تصبح العينية ذاتها مجرد تجربة حسية. صحيح أن ما يجري بين الاثنين: تطاحنات ومعارك سيكولوجية، هنات وآهات... لكن كل ذلك في حقيقة الأمر هو تعبير عن تناقضات الحياة ذاتها وتمزقاتها الداخلية. أن نقع في الحب معناه أننا وقعنا في فخ الحياة، أليس لهذا السبب نقول بأن من لم يختبر تجربة الحب لم يختبر بعد تجربة الحياة.
اكتشاف الذات وألقها، تعاليها الداخلي المفضي إلى القداسة، ولا نقصد هنا فقط الحب الصوفي، وإنما نقصد أن كل حب هو مقدس بالضرورة، ما دام أن عليه أن يعاش كتجربة تعال. إن الذات نفسها تتبلور La cristallisation تلك هي النظرية الشهيرة لستاندال (9) فغصن الشجيرة الذي ألقي به في مناجم سالزبورغ، ثم تراكمت فوقه قطع البلور حتى اختفى شكله الحقيقي وأصبح بمظهر بديع هو رمز لعملية تذويت/ تكون للذات. واضح إذن أن ستاندال كان يفهم الحب على أنه بحث عن الكمال، حتى وإن كان يدرك الكمال كتأنق دنيوي، وليس انبعاثا للمطلق كما هو الأمر عند أفلاطون. لا يعترف الحب بأي قانون غير قانون السمو ذاته، فمن خلال السمو يرفض الحب كل أشكال الوضاعة ويتشبث بالتعالي، وتلك هي عظمته وجنونه. ليس غريبا أن يوصف الحب بالجنون الإلهي لكن من خلال رفضه هذا وجموحه يتجه إلى تأسيس قانونه الخاص: اللقاء بالكائن الفريد. هنا لا يكون الحب بديلا لله وإنما هو بالعكس من ذلك طريق مفضي إليه. لهذه الأسباب كانت تجربة الحب في الحضارات الشرقية جميعها تعاش بجوار المطلق، أما اليوم فإن تسطيح العواطف لا يدل سوى على أفول الكائن البشري ذاته.
ما ننجذب إليه في الحب ليس الكائن، ولكن ما يوجد ورائه، حتى وإن كان هذا الذي يوجد ورائه سيظل دائما وأبدا غير قابل للتحديد. هنا بالضبط تبرز محدودية ظاهرة التبلور عند ستاندال التي تبقي الحب في حدود التعلقات الحسية. تجربة الحب تخرجنا من انغلاقنا الذاتي ومن أنانا المحدودة والصغيرة، لنلتقي بهذا الآخر المحبوب الذي يكتسح دواخلنا، فنشعر كما لو نحن محمولين على أمواجه في بحار غامضة تضيع فيها ذاتنا.
نحن هنا لا نتحدث عن ذلك الحب الزائف الذي نطالب فيه من الآخر أن يأخذنا كمطلق، إذ إن كل حب يكون مبنيا على تفضيل الأنا لا ينتهي سوى إلى العبودية. ولكن في نفس الوقت عندما نطابق بين الخيالي والواقعي، ونحمل صفات نسقطها على الآخر ألا نطالب من المحبوب أن يكون وفق متطلبات قد لا يكون مستعدا أو حتى أهلا لتجسيدها، هنا أيضا ألا نخاطر بتكسير البلورة.
أمام تهديد العدم يكافح الإنسان بالتوحد مع هذا الآخر والبحث عن الكمال والعلو بوساطة أشياء كثيرة منها الحب، والحب بالأخص هو انفعال إنساني يستوعب الوجود ككل، فما نجد أنفسنا في مواجهته هو هذه الكلية لتي نلتقط فيها معنى لحياتنا من خلال الآخر، شريطة أن يكون هذا الآخر ملهم لنا، والإلهام في حد ذاته يعني أننا لا نتوقف في تجربة الحب على التوحد مع هذا الآخر والانطواء عليه. إن هذا هو معنى قولنا إننا نرى في المحبوب أكثر مما تسمح لنا به واقعيته الحسية. وإن غياب هذا الإلهام بالذات هو ما أصبح يميز تجارب الحب في المجتمعات الصناعية المعاصرة، نظرا لأنه أصبح يعاش كارتواء جسدي خالص، فثمرات الحب أصبحت تقطف سريعا، إنه اليوم مجرد انفعال عاطفي، عليه أن يعي جيدا طابعه العابر ويقبله مع ذلك كمتعة غرائزية مباشرة، والنتيجة هي أن الحب المعاصر لا يساهم سوى في أفول هذه الذات أمام جموح الغرائز.

الحب الزائف
إذا كان المحبوب لا يشكل بالنسبة لي عونا على تجربة الانفصال باعتبارها سر الوجود، وإذا كان وجوده غير موحي لي بدرجة كافية، أي أن وجوده يتوقف عند مجرد التمظهر الجسدي، فإن الحب من ثمة حتى وإن أشهرناه في كل مرة لن يكون إلا حبا زائفا. والحال أن حضارتنا الصناعية لا تسمح لنا بمعرفة بعضنا البعض إلا كأجساد معطاة للاستمتاع الحسي وليس كذوات عميقة وسرية.

انقلاب المعنى
عبر تاريخ الوجود الإنساني ظل الحب دوما تجربة أساسية، ترفع الكائن البشري درجة لملامسة ما يخص إنسانيته ويميزها، غير أنه ومنذ الأزمنة المعاصرة انقلبت مواقع هذه العاطفة وتغيرت دلالاتها، إذ لم يعد تجربة عاطفية تفضي إلى لقاء الآخر المكمل للذات وتكوين وحدة مكتملة معه {أفلاطون}. أصبحنا بعيدين كل البعد عن الأيروس الجمالي الأفلاطوني، الذي يلعب دور الوسيط بين الطبيعة البشرية والإلهية، ذلك أن الحب أصبح هدفا في حد ذاته، بعد أن تم خفضه إلى مجرد متعة غرائزية.
ابتعد الحب كذلك عن أن يكون تحاباً مفضياً إلى أوضاع اجتماعية وعلاقات صداقية داخل المجتمع، أو ما كان يدعوه أرسطو ب (فيليا)، أي ذلك الحب الذي هو عبارة عن تودد وقبول للآخر وانفتاح عليه خارج أية رغبة عشقية جنسية. ولا حتى عن ذلك الحب المسيحي الذي يدفعنا إلى حب الإنسانية جمعاء، بل حب الأعداء والمخالفين لنا، وهو الحب الذي يعرف تحت مصطلح (أغابي).

تسطيح
لا يعترف الحب بأي قانون غير قانون السمو ذاته، فمن خلال السمو يرفض الحب كل أشكال الوضاعة ويتشبث بالتعالي، وتلك هي عظمته وجنونه. ليس غريبا أن يوصف الحب بالجنون الإلهي لكن من خلال رفضه هذا وجموحه يتجه إلى تأسيس قانونه الخاص: اللقاء بالكائن الفريد. هنا لا يكون الحب بديلا لله وإنما هو بالعكس من ذلك طريق مفضي إليه. لهذه الأسباب كانت تجربة الحب في الحضارات الشرقية جميعها تعاش بجوار المطلق، أما اليوم فإن تسطيح العواطف لا يدل سوى على أفول الكائن البشري ذاته.

.........................................
الهوامش
1 لوك فيري: الإنسان المؤله أو معنى الحياة، تر جمة محمد هشام، أفريقيا الشرق 2002 ص 122.
2 نفس المرجع السابق ص 123.
3 دونيس دوروجمون: الحب والغرب، ترجمة عمر شخاشيرو منشورات وزارة الثقافة السورية، الطبعة الثانية 2007.
4 المرجع السابق ص 137.
5 نفسه ص 138.
6 نفسه ص 281.
7 إريك فروم: فن الحب بحث في طبيعة الحب وأشكاله، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار العودة بيروت، طبعة 2000.
8 نفس المرجع السابق ص 19.
9 De l’amoure: stendhal ص 311 العمل الذي ظهر في طبعات مختلفة منذ صدوره لأول مرة سنة 1822 حيث في هذا العمل يصف الظاهرة الشهيرة التي ستعرف بالتبلور La cristallisation. إننا عندما نبدأ في حب امرأة نكف عن رؤيتها كما هي في الواقع ونبدأ في إسقاط مجموعة من السمات الجميلة عليها فنرفعها من ثمة إلى مستوى المثال حتى وإن كانت هي نفسها ليست على درجة كبيرة من الجمال، تماما مثل غصن الشجرة البائس الذي تكسوه بلورات الملح فتختفي ملامحه القبيحة ويصبح تحفة فنية. في نظر ستاندال من الأفضل للمرء الدخول في التجارب الغرامية رغم طول المدة التي تفترضها عملية التبلور عوض الالتزام داخل مؤسسة زواجية، فالزواج بالنسبة له ليس سوى «دعارة شرعية».