ثقافة

«فاطمة».. الهجرة وعذاباتها بـ «العربية»!

مشهد من فيلم فاطمة (من المصدر)

مشهد من فيلم فاطمة (من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

«فطيمة».. في النطق الفرنسي، للأم الجزائرية، التي اتخذت من مهنة عاملة نظافة وسيلتها لاستشفاف الحياة، بعيداً عن جغرافيا الولادة وموطن اللغة، وحساسية العاطفة المفرطة تجاه التشابه. بل مواجهة الاختلاف بكل سماته الإدراكية، والفكرية. والصعوبة عادةً، ليس في أن تتقبل الاختلاف، بل في أن تفهمه، وتتكامل معه. فالإمكانية الإنسانية لـ (فاطمة)، تجلت أمام تجسيدها لإصرارها واستمرارها في التكوين الواعي لدى ابنتها الكبرى (نسرين)، من اختارت دراسة الطب. وبالمقابل، اختزنت (فاطمة) مخاوفها وقلقها وهواجسها، وقلة ثقتها بقوتها، في ابنتها الصغرى (سعاد)، التي ساهمت في اهتزاز الأحداث، بتمردها، وشكلت أكثر من منحى وخط درامي، في العمل السينمائي، الذي يشارك ضمن «ليالٍ عربية»، في مهرجان دبي السينمائي 12.
واللافت على صعيد المشهدية البصرية، أنه على الرغم من المناقشة الجدلية التي يطرحها الفيلم حول المعنى الإنساني لتداعيات الهجرة، إلا أن القيمة الجمالية برزت في الإطلالة العفوية للممثلة الجزائرية ثريا زروال التي لعبت شخصية (فاطمة)، باقتدار لا ينم عن احترافية الوقوف أمام العدسة فقط، وإنما عن القدرة المذهلة على التعايش الطبيعي للفعل ورد الفعل، مع المواقف اليومية، وكأنها ليست في موقع تصوير، يتطلب حالات من السكون اللحظي والإعادة الدقيقة للحركة الآنية للممثل.

صدفة
إنها المرة الأولى، التي تمثل فيها ثريا زروال، وتم اختيارها بناء على «كاستينغ»، أعده مخرج الفيلم فيليب فوكون، الذي نجح في ترسيخ أغلب الإجابات عن الشخصية الرئيسة، من خلال ملامح الوجه، والحركة الساكنة للممثلة في بيتها، وخلال عملها أو أثناء حوار جاد تعيشه مع ابنتيها. لذلك تركزت ملاحظة الجمهور بعد انتهاء العرض، حول كيفية اختيار ثريا زروال، والذي اعتبرته الممثلة (صدفة)، لا تفكر حالياً بتكرارها. قدمت قصة (فاطمة)، المقتبسة من قصة حقيقية، الأزمة الاجتماعية الأهم، لما بعد الهجرة.
ويرى القائمون على الحدث السينمائي، أن أهمية فيلم «فاطمة» تنبع من الحاجة الملحة لإبراز ما هو أبعد من الصورة النمطية، لما يمر به العالم وفرنسا على وجه الخصوص، في الآونة الأخيرة، حيث يجري تأصيل المخاوف، وتأجيج أزمة تقسيم الوحدة الإنسانية. وتأتي مسألة إسقاط الضوء على الحكايا العميقة، بفلسفتها القائمة على منظومة البيئة البشرية وتطلعاتها، ضرورة لفهم الأثر المهين لإقحام (المتغير) في اللغة واللبس والعادات والتقاليد وتعزيز الطبقية والمفارقة المادية، وتهميش الكيان الفردي لكل إنسان.
تمسك فاطمة القلم، وتكتب بالعربية قصتها، ومعاناتها، والكثير من مشاعرها الدفينة. لا يمكن لشيء أن يظل مختبئاً للأبد، فالكون اختزل بوجودية فاطمة، القدرة المتناهية على التعبير. لا تحتاج إلى الفرنسية لتكتب، ولا للأناقة الذهنية لتشعل أفق معايشتها للاغتراب، فقد فهمت في عمق انشغالها أن ما يكفي هو ذاتها، لتكتب في أوراق بيضاء مسطرة، أنها أصبحت أقوى، وتدون كرهها للنساء اللاتي لا يقدرن الحياة. وكأن بيئة (فرنسا)، على الرغم من تحفظات المجتمع ونظرته الدونية للمغتربين، شكلت فضاء التنفيس الجم، والاندلاع الفريد للحظة الكتابة الصادمة، وهي ليست تفاصيل مروية، ولكنها استمرارية الجمالية الإبداعية، في المحصلة والتجربة لفطرة الأم، وحبها اللامشروط لابنتيها.
وقت قالت ابنتها الصغرى (سعاد) في تصادم لاذع مع (فاطمة)، إنها مُستغلة وعديمة النفع وتنظف ما يخلفه الآخرون، تقع فاطمة خلال تأديتها لعملها على يدها اليسرى، معتقدة أنه عندما يتحامل أحد الأبناء، فإن الوالدين يتعرضان للأذى. عندها تقرر تجنيد عدد كثير من الصفحات البيضاء، وتكتب لـ (سعاد) أنها تنظف، ليستمر العالم، بالعمل، لتستطيع الأمهات الخروج وتأدية واجبهن المهني، من دون (فاطمة) لن يكون هذا ممكناً!.
كانت فاطمة تسرد، كتاباتها على الطبيبة التي اهتمت بمعالجتها، عبر الاستماع لمخاوفها، حيث شهدت تفاصيل حديث فاطمة وما تشعر به من خلال الكتابة، كروحٍ عاطفية، تلاحمت مع المشاهد، وكأنها المرحلة الأهم لفهم فاطمة، واستيعابها، وفعلياً كأنها رسالة لممارسة فعل (الاستماع) و(الإنصات)، فهو أكثر ما نحتاجه في المرحلة الحالية، أمام التشويه المستميت لمعاني التعايش الإنساني، الذي تتخذ منه الدول ذريعة لشن الحروب، وإفراز القلق اليومي، عبر تسييس أوجه الجمال الإنساني.

لقطات جانبية
لم تتقابل فاطمة وجهاً لوجه مع عدسة الكاميرا، في مرات عديدة، وظهرت اللقطة الجانبية، محوراً يحمل ارتباطاً وجدانياً، بين الشخصية واكتفائها بنفسها في بؤرة الحدث. تجدها عند زيارتها ابنتها (نسرين)، في غرفتها الجامعية، أو تدليكها جسم ابنتها (سعاد) أثناء عودتها من المدرسة متعبة. وكانت نقاط الرؤية لدى فاطمة، واستخدامها لجسدها في التمثيل، وبالأخص (العيون)، محط انتباه، فهي تنظر لنسرين بعين الطموح، يلحظ المشاهد ذلك، في مشهد النهاية: تلبس فاطمة النظارات المكبرة، وتبحث بين أسماء الناجحين في كلية الطب، في بهو الجامعة، تمرر أصبعها من أعلى إلى أسفل، وفجأة تشاهد اسم ابنتها الكبرى، وتبتسم، بينما في مواجهتها أكاذيب سعاد المستمرة. كل شيء يصبح كبيراً، عيون فاطمة، ونوافذ غرفة سعاد، ومكتبها الدراسي، وتبدأ تجاعيد فاطمة بالاتساع، معلنةً فصلاً من التناقض المتكشف لإحباطات الشخصيتين، اللتين تتحدثان بلغة مختلفة؛ فاطمة بالعربية، وسعاد بالفرنسية؛ وكأنه الإثبات غير الشرعي، لعلاقتهما العائلية.