ثقافة

«زنزانة» لماجد المنصوري.. إضافة جديدة لمسيرة السينما الإماراتية

من كواليس فيلم زنزانة

من كواليس فيلم زنزانة

إبراهيم الملا ( دبي)

في حيز محاصر بالقضبان، وأشبه بمستودع للعذابات، وللصرخات والآلام التي تصدّرها شخصيات متأزمة ومطاردة بعقدها وهواجسها، قدم المخرج الإماراتي ماجد الأنصاري، مساء أمس الأول، لجمهور السينما في الإمارات باكورة أفلامه الروائية الطويلة بعنوان: «زنزانة» من إنتاج شركة إيميج نيشن أبوظبي، وذلك ضمن عروض مسابقة المهر الإماراتي في الدورة 12 من مهرجان دبي السينمائي الدولي.
وسبق للأنصاري تقديم فيلم روائي قصير في عام 2012 بعنوان: «الدخيل» وهو فيلم خيال علمي، أفصح من خلاله الأنصاري عن موهبة خاصة ومبكرة في كيفية التعامل مع العنصر التشويقي للصورة السينمائية، وكان واضحاً استثماره للتقنيات الحديثة في توفير مادة بصرية أخاذة ومدهشة تخدم حكاية الفيلم، وتناور في سياق مستقل وبعيد عن السائد السينمائي، على الأقل فيما يخصّ السينما المحلية والخليجية، وفاز فيلم: «الدخيل» في تلك السنة بجازة السعفة الذهبية للأفلام القصيرة في مهرجان المكسيك السينمائي الدولي.
يبدأ فيلم: «الزنزانة» ومنذ مشاهده الاستهلالية بنسج الخيوط الهتشكوكية لقصته من خلال لقطات مقربة ومتدافعة ولاهثة تنقل الجوّ المتوتر داخل مركز أمني يحتوى على زنزانتين متقاربتين، مع ظهور عبارة سابقة على تتر الفيلم تقول : «في مكان ما في الوطن العربي»، بينما يتم تحديد الزمن بالعام 1987 الظاهر على روزنامة الضابط المناوب في المركز.
في الزنزانة الأولى التي تحتل المساحة الأكبر من أحداث الفيلم نرى السجين طلال (الممثل الفلسطيني صالح بكري) بينما يقبع في الزنزانة المقابلة على زاوية وهامش الكادر البصري للفيلم، السجين الثاني (الممثل الإماراتي علي الجابري) ويبدو أن خلافاً ما وقع بين السجينين في الليلة السابقة، ونشأ بينهما عراك عنيف لن نعرف مسبباته إلا في نهايات الفيلم، ولأن الأوراق الثبوتية للسجين الأول مفقودة، يقوم الضابط المناوب عثمان (الممثل الإماراتي عبدالله أبوعابد) بإبقائه في السجن، بينما يقرر الإفراج عن السجين الثاني بكفالة حتى موعد المحاكمة.
ومنذ الحوارات الأولى التي تجمع بين السجين طلال والضابط عثمان، نستدل على العمل الشاق والمنهك الذي قام به المخرج ماجد الأنصاري لاستثمار الطاقة الأدائية للممثلين، وإعادة اكتشافها أيضاً كما حدث مع الممثل أبوعابد، الذي قدم هنا واحداً من أفضل أدواره الدرامية، وأكثرها زخماً وكثافة على مستوى التعبير الجسدي والصوتي، على الرغم من محدودية المساحة الزمنية لدوره في الفيلم، وهذا الاشتغال الكبير على الشخصيات سنراه مترجماً بقوة على بقية الشخصيات، ضمن أدوارها المرسومة بدقة في هذا المساحات الضيقة للسجن المروع، والذي سيتحول تدريجياً ضمن المسار التصاعدي للفيلم إلى قطعة من الجحيم.
يبدي الضابط عثمان نوعاً من التعاطف مع سجينه الذي يعاني أزمة عائلية بسبب إدمانه السابق على الكحول وانفصال زوجته وفاء عنه (الممثلة السعودية عهد كامل) وحرمانه من رؤية ابنه الوحيد، ومع عثور الضابط عثمان على الأوراق الثبوتية التي فقدها طلال، ومعرفته أن الأخير قد تعافى من إدمانه كي يعيد ترميم علاقته مع أسرته التي يحبها، بدت الأمور وكأنها تذهب إلى الانفراج وتخفيف حدة التوتر التي طغت على أجواء المركز، ولكن الدخول المفاجئ للوكيل دبّان (الممثل الفلسطيني علي سليمان) إلى المركز سوف يقلب الأحداث رأساً على عقب، خصوصاً وأن شخصيته السيكوباتية العنيفة سوف تلعب دوراً مهماً في أخذ مسارات الفيلم إلى مناخ كابوسي صرف، وإلى سلسلة من الجرائم المتتالية التي تقع أمام عين السجين طلال، والتي يبدأها الوكيل دبّان بقتل الضابط عثمان وإخفاء جثته في الحمام، واستغلال طيبة وعفوية الضابطة المناوبة في الغرفة الخارجية بالمركز (الممثلة الكويتية باسمة جمعة) لتمرير جريمته المدبّرة عن قصد حتى ينقذ شقيقه المحكوم بالإعدام.
هذا الجنون الصارخ والدموي الذي يختزنه الوكيل دباّن سيكون محور الفيلم، والنقطة الجارحة التي ستنزف لاحقاً سيلًا من اللعنات ومن الممارسات القاسية والمتوالية لحسّ التسلط واضطهاد الآخرين، كحالة عامة قبل أن تكون مجرد ردات فعل أحادية لشخصية موبوءة بالفساد والمكر وشهوة الانتقام.
لن يطرح الفيلم هذه الثيمات السلبية بشكلها المباشر ولن يحاكم أحدا بعينه، ولكن الحلقة الدموية ستحاصر الجميع في هذه الزنزانة الأشبه بحقل للألغام النفسية، أو العلبة المحتشدة برؤى غرائبية تذكرنا بمسرح الغروتيسك، ومسرح العبث الذي لا يخلو من دلائل وإيحاءات تضع كل الشخوص تحت بقعة ضوء فاضحة وحارقة أيضاً.
تتناوب الشخصيتان الرئيستان في الفيلم ( السجين طلال، والوكيل دبّان) في ممارسة لعبة مرهقة من الانتقام المتبادل والإذلال النفسي والجسدي، ومطاردة الأحلام والهلاوس، وإطلاق الرغبات المريضة، والتشفي، وتصدير العنف الفيزيائي واللفظي.
يمزج المخرج هنا وفي وسط الهذيان المشهدي، بين تقنيات الغرافيك والأداء الواقعي المتوهج للشخصيات، مع الخلفية الناعمة للموسيقا التصويرية، المعاكسة تماماً للتوتر العصبي والأدائي داخل الزنزانة، ما يذكّرنا بظلال الكوميديا السوداء والدموية في أعمال المخرج كوانتين تارانتينو، وخصوصاً في فيلمه المبكر (بلب فيكشن) أو رواية الجيب.
تتوضّح في نهاية الفيلم النوايا الداكنة والحقيقية للوكيل دبان عندما يقوم بقتل كل من يكتشف جريمته الأولى ورغبته في حرق المركز بأكمله بعد أن يستبدل ملابس الإعدام الحمراء لشقيقه مع ملابس السجين طلال، ولكن الأمور تجري في النهاية ضد تمنياته وتخطيطاته الماكرة، ويقفل المشهد الختامي للفيلم على اجتماع عائلة السجين طلال وهو ينزف متأثرا بطلقة طائشة من الوكيل دباّن المحتضر بعد أن يطلق عليه شقيقه الطلقة التي ذهبت أخيراً إلى مكانها الصحيح، وعلى الرغم من حدوث كل هذه المأساة في الموقع الخاطئ ربما، ولكنه موقع بديهي ومنطقي لمن اختاروا التضحية بمبدأ ينتصر أساساً للحب، ولإعادة الاعتبار إلى الذات على الرغم من كل الانكسارات والظروف المعاكسة.
عموما يمكن القول أن فيلم «زنزانة» هو إضافة جديدة ومبشرة لمسيرة السينما الإماراتية التي انطلقت بهويتها الخاصة قبل 15 عاماً مع مسابقة أفلام من الإمارات في المجمع الثقافي بأبوظبي، وها هي اليوم مع هذا الفيلم تثبت قيمتها النوعية وخامتها المتطورة مع المخرج الشاب ماجد الأنصاري الذي قدم عمله الروائي الطويل الأول بلغة سينمائية عالية واحترافية، تضمن له تقديم أعمال أكثر إبهاراً وتميزاً في السنوات القليلة المقبلة.

تحت الضوء تحت
الفيلم لا يحاكم أحداً بعينه، ولكن الحلقة الدموية ستحاصر الجميع في هذه الزنزانة الأشبه بحقل للألغام النفسية، أو العلبة المحتشدة برؤى غرائبيَّة تذكرنا بمسرح الغروتيسك، ومسرح العبث الذي لا يخلو من دلائل وإيحاءات تضع كل الشخوص تحت بقعة ضوء واضحة وحارقة أيضاً.