الاقتصادي

ضريبة الكربون الأوروبية تهدد السياحة الآسيوية



إعداد ـ مريم أحمد:

تواجه صناعة السياحة في آسيا، والتي تقدر بـ 100 مليار دولار أميركي، مخاطر بسبب الرسوم التي يدرس الاتحاد الأوروبي فرضها على خطوط الطيران الأوروبية المتجهة إلى البلدان الآسيوية، وغيرها من الدول التي تبتعد بمسافات طويلة عن أوروبا، في خطوة تهدف إلى الحد من انبعاثات غاز ثاني اكسد الكربون· وتأتي هذه الخطوة استجابة للضغوط التي يمارسها نشطاء البيئة في أوروبا، والداعية الى الحدّ من الرحلات الجوية الى خارج أوروبا عموماً، والى آسيا بوجه خاص· وتخطط المفوضية الأوروبية للتقليل من انبعاثات الكربون من جميع الطائرات المُقلعة والمُحَلّقة الى دول خارج حدود القارة الأوروبية، وذلك كجزء من مخطط ''تجارة الكربون''· وبناءً على ذلك، يتوجب على جميع شركات الطيران شراء تراخيص تسمح لها بتوفيق اوضاعها في مجال انبعاثات الكربون، من خلال فرض رسوم تُفرَض على المستهلكين·
وتشهد حركة السفر والركاب في آسيا نمواً ملحوظاً بنسبة تزيد على 7 في المائة سنوياً· كما أن المنطقة ستتصدر العالم أجمع فيما يتعلق بإجمالي عدد الركاب المسافرين بحلول عام ،2025 وذلك وفقاً لبيانات جمعية خطوط طيران آسيا والباسيفيك·
وفي كل من بريطانيا وألمانيا، حيث تعتبر مشاعر نُشَطاء البيئة المُعادية للسفر الجوي أقوى، يتم تشجيع المسافرين على العدول عن فكرة السفر أو استخدام وسائل أقل تلوثاً للبيئة، وهو أمر وجد صدى لدى الساسة في كلا البلدين· وكان زعيم حزب المحافظين البريطاني ديفيد كاميرون، المرشح لمنصب رئيس الوزراء، قال إنه سيسمح لكل بريطاني بالسفر جواً لمسافات قصيرة فقط، ولمرة واحدة في العام، ولن يُسمَح بخلاف ذلك· وذلك في إطار تعهد بريطانيا بخفض إجمالي انبعاثات الكربون بنسبة 60 في المائة بحلول العام ·2050 من ناحية أخرى، ايد أندرياس تروج، أكبر مسؤول بيئة في ألمانيا، تلك الحركات الداعية الى خفض انبعاثات الكربون بالتقليل من أعداد الرحلات الجوية الأوروبية الى دول غير أوروبية· وعرض شراكة غير اعتيادية بين الحكومة ونشطاء البيئة من شأنها أن تخلق ضغوطاً قوية على شركات الطيران· وقال: '' ينبغي أن يعلم كل مسافر الى جنوب شرق آسيا أن كل رحلة إلى تلك المنطقة تتسبب في انبعاث وإنتاج ستة أطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون''· ووفقا لتقرير مراجعة لاندمارك ستِرن عن اقتصاديات تغيّر المناخ، والصادر عن الحكومة البريطانية في وقت سابق من العام الجاري، فإن السفر الجوي داخل أوروبا يساهم فقط بنسبة 1,6 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، بينما يساهم السفر الجوي إلى آسيا بحوالي 5 في المائة·
ويمثل النقل العالمي ككل حوالي 14 في المائة من انبعاثات الغازات الدفيئة، وهي تقريباً نفس النسبة لمساهمة كل من قطاع الصناعة والزراعة · وتعد السيارات أكبر مصدر نقل لانبعاثات الغازات الدفيئة، التي تنتج ما يقارب 75 في المائة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو· وكشفت نتائج دراسة حديثة شملت بعض شركات الطيران الأميركية والأوروبية، وأجريت من قبل جمعية شركات السفر أن حوالي 32 في المائة من تلك الشركات تحاول إعادة صياغة سياساتها لتتضمن بنوداً ذات صلة بمسألة انبعاثات الكربون· كما استخلصت نتائج استطلاع أجري في استراليا ان 20 في المائة من المسافرين يفكرون جدياً في مسألة التخلي عن السفر الجوي تماماً نظرا لتصورهم أنها تساهم في زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري، أو الاحترار العالمي·
و أشار بعض صُنّاع القرار في استراليا إلى أنه على الرغم من أن النقل الجوي ربما لا يساهم بنسبة كبيرة في انبعاثات غازات الدفيئة مقارنة بغيره من وسائل النقل الأخرى، إلا أنه سيكون له دور كبير في المستقبل، بسبب النمو الهائل والمدهش الذي يشهده قطاع السفر العالمي، والذي كان مدفوعاً ومدعوماً بفعل ارتفاع نسب الحسومات·
وما زاد الأمور تعقيدا هو ما جاء في احصائيات وكالة البيئة الأوروبية من أن الطائرة تلوث الجو بنسبة الضعف مقارنة برحلة برية بالسيارة لنفس المسافة المقطوعة، بالإضافة الى تلويثها للجو بخمسة أضعاف تلويث القطار للجو· ومن هذا المنطلق، دعت المفوضية الأوروبية للبيئة الى تنظيم شركات الطيران لرحلاتها من خلال تحديث نظام تراخيص لمستويات الانبعاث، بحيث يصبح بالإمكان شراء تراخيص من شركات أخرى، في حال تم تجاوز تلك المستويات· وقال بيدير جينسِن رئيس قسم النقل بوكالة البيئة الأوروبية في تقرير نشرته صحيفة آسيا تايمز:'' نحن بحاجة لجعل الأسعار مقياساً أفضل للتكاليف البيئية''·
وقد يصبح من اللازم أن يغطي المسافرون التكاليف الإضافية· إلا أنه لم يتم التوصل في الوقت الحالي الى الكيفية التي يمكن بها تقييم مستويات الإنبعاثات، لكن بعض شركات الطيران تدرس حالياً قوائم الدفع والأسعار· وكانت خطوط الطيران الاسكندنافية قد اقترحت مساهمة قدرها 82 دولاراً من قبل كل مسافر لرحلة العودة من كوبنهاجن الى بانكوك، التي تعد من أهم الوجهات الآسيوية الرئيسية لمسافري الدول الاسكندنافية· ومن المفترض أن تغطي تلك التكلفة الضرر البيئي المتمثل في 3,6 طن متري من الكربون المنبعث أثناء رحلة تبلغ مسافتها حوالي 32,306 كم·
وأشارت صحيفة آسيا تايمز في تقرير لها الى أن الدول الآسيوية كانت قد حصدت في العام الماضي إيرادات بلغت حوالي 93,4 مليار دولار من صناعة السياحة الدولية، بما في ذلك إيرادات السفر جوا، حسب ما ورد في تقرير منظمة السياحة الدولية· ويعمل بصناعة السياحة الآسيوية حوالي 80 مليون شخص وكانت أكبر المكاسب من نصيب أفقر الدول في المنطقة، فقد سجلت بوتان أقوى معدل نمو في آسيا العام الماضي، بنسبة زيادة بلغت حوالي 28,3 في المائة في عدد القادمين إليها· أما تايلاند، فقد شهدت نمواً بلغ حوالي 18 في المائة· لكن ليس الجميع على قناعة أن صناعة السفر والسياحة الآسيوية قد تأثرت سلباً بفعل المواقف الأوروبية تجاه مسألة انبعاثات الغازات الدفيئة، فقد أشارت التقارير إلى أن ارتفاع أسعار وتكاليف السفر إلى تلك المنطقة لن تردع المسافرين· وتوصلت نتائج إحدى الاستبيانات الى أن ثلاثة ركاب في البلدان الغربية مستعدون لدفع تكاليف إضافية فقط لإراحة ضمائرهم فيما يتعلق بتلوث البيئة·