الملحق الثقافي

الإسلام السياسي.. الوعي المَكلوم

محمد سبيلا

محمد سبيلا

محمد سبيلا
يتضمن مصطلح «الإسلام السياسي» بعدين أو دلالتين؛ إحداهما بارزة، وهي الدلالة الوصفية، والأخرى مستترة أو مضمرة، وهي الدلالة التقييمية القدحية المتمثلة في اختزال الدين إلى أو في السياسة.
تقوم هذه المقاربة للدلالة الوصفية للإسلام السياسي على محاولة الفهم أولاً، والتفهم ثانياً، وذلك بعيدا عن أية أحكام أو إدانات مسبقة.
هناك تلازم قديم بين الإسلام والسياسة وتداخل نظري وعملي بين البعدين، حيث كان هناك دوماً نقاش حاد حول الإمامة والخلافة، وحول مدى اعتبارهما ركناً من أركان الإسلام، أو حول مدى اعتبار المسألة السياسية جزءا من العقديات أو الأصول والأوليات، أم من الفقهيات والفرعيات.
لكن فكرة «الإسلام السياسي» تبلورت بشكل أبرز في العصر الحديث ابتداء من السنوات الأولى للقرن العشرين، حيث أفاق العرب والمسلمون على جملة من الصدمات القوية المتلاحقة والمتداخلة أبرزها، الصدمة الاستعمارية وصدمة الحداثة بكل خلفياتهما السياسية والثقافية والنفسية.
هذه الصدمات الراضّة زلزلت الوعي الذاتي الإسلامي الفردي والجماعي، وأحدثت جرحاً نرجسياً غائراً في وعي العرب والمسلمين بذاتهم أي في صورتهم عن أنفسهم وفي تصورهم للآخر ولمكانتهم ولدورهم...
صدمة الوعي هذه لازمت استيقاظ العرب والتبلور الدرامي للوعي الذي عبرت عنه نخبهم السياسية والثقافية.
وقد ظل هذا الوعي الذاتي الذي بلورته النخب العربية الإسلامية وعياً ذاتياً، مكلوماً، وشقياً يتراوح بين الارتداد والتطلع، بين التبرير والفهم، بين تبرئة الذات ومساءلتها، بين الحزن والحداد واستعادة الأمل، بين الوعي التاريخي والوعي البلسمي.
هذا الوعي الذاتي الجريح (بل المكلوم) هو المرآة التي سينعكس فيها إدراك العالم الحديث وتحولاته، وهو الذي سيؤطر هذا الوعي ويسمي مساراته، ممزوجا بمنسوب غير قليل من مشاعر المظلومية.
ضمن هذا الأفق أو التلقي الفكري تبلور التشخيص السياسي لواقع الإسلام في العالم المعاصر، وهو تشخيص ظهرت معالمه الأولى لدى التيارات السياسية - الإصلاحية، وكذا لدى التيارات الفكرية الإصلاحية أو النهضوية الأولى في العالم العربي الإسلامي متراوحة بين الاعتدال والتطرف منذ بداياتها الأولى مع جمال الدين الأفغاني، الذي يرجع إليه العديد من الباحثين في هذا المجال، مسألة البلورة الفكرية لأزمة العالم الإسلامي في العصر الحديث من منظور سياسي، وذلك ربما لأن الوقائع الكبرى لأزمة هذا العالم كانت وقائع سياسية أبرزها، انقراض حكم الإسلاميين في الهند، ومخاض نشأة باكستان، وسقوط الخلافة الإسلامية في تركيا، والشهود على خضوع أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي للاستعمار واحتلال فلسطين.
هكذا شكل الوعي السياسي قمة الوعي العربي الإسلامي المعاصر في بعديه التنظيري والعملي. فالإسلام السياسي ليس فقط رؤية ضمن رؤى، بل ربما كان هو الاستجابة «الأمثل» والأكثر تلاؤماً مع العصر الحديث باعتباره عصر إرادة وقوة، وعصر مساءلة جذرية للهوية والتقاليد.
وقد ظل الوعي السياسي الإسلامي منذ بداياته عاكسا لتوترات تعود جذورها إلى الفترات الأولى لنشأة الإسلام نفسه أي إلى توترات الديني والسياسي وما رافقها من صراعات وفتن.
لكل من الانتحاء السياسي والانتحاء الدعوي مقتضياته وإكراهاته ومآلاته. فالانتحاء الدعوي بعيد وبطيء، لكن الانتحاء السياسي مباشر ومرتبط بالإرادة وبالفعل وبالحركة، لذلك لم يكن بإمكان الإسلام السياسي أن يحصن ذاته من انزلاقات وأولها، الانزلاق نحو الحركية ورديفها المباشر أي العنف، باعتباره أعلى أشكال الفعل السياسي قوة وتأثيراً.
وبالفعل، فإن تنظيمات الإسلام السياسي هي التنظيمات التي تناسلت منها العديد من التنظيمات التي تتوسل العنف أداة أساسية في العمل السياسي.
لمسألة العنف السياسي هذه روافد نظرية وروافد عملية تنظيمية تصب إحداها في الأخرى، غير أن الجاذبية (بالمعنى الفيزيائي) نحو الإسلام السياسي لا تقل حتمية عن جاذبية دوامة العنف التي هي بدورها عاصفة أو دوامة لولبية أخاذة وجاذبة لأنها ترتبط بدورها عن حتمية التنافس حول جدوى الفعل، والتي تغذيها تمويناً وتمويلاً إرادات وخطط سياسية.
واقع الإسلام السياسي اليوم جعل الكثيرين يتساءلون:
هل تمثل داعش قمة الإسلام السياسي؟
وذلك لأن هذه الوضعية خلقت مشكلة عالمية للإسلام السياسي ولما يمثله من انزلاقات نحو العنف والحدود الدموية، وكذا إساءته للأهداف وللصور المثالية والنبيلة التي أنشئ من أجلها، وهذا ما يفرض اليوم بالضرورة مراجعات جذرية لهذا المسار في منابعه الفكرية وأوراشه السياسية على السواء، وذلك بموازاة مراجعات نقدية جذرية لحدود ثقافة التمجيد الذاتي التي تدور في إطارها التصورات العربية الإسلامية للذات وللآخر وللعالم إلى حد الآن.
لكن بجانب المراجعات الأيديولوجية والثقافية يطرح على حركات الإسلام السياسي مراجعة برامجها واختياراتها السياسية، بهدف الحسم في الاختيارات الاستراتيجية الكبرى، بإعلان الاختيارات السلمية والديمقراطية كاختيارات أساسية حاسمة لا سبيل إلى تجاوزها.