الملحق الثقافي

حورية البر

مشهد عام لجزيرة ياس (أرشيفية)

مشهد عام لجزيرة ياس (أرشيفية)

لينا أبو بكر
بين وجعة الريح وغنجة القمر، تتمطى المسافة حتى تصل إلى آخر الوشوشة... تمشي بك الطريق على مهل.. نيازك خبيئة في غمزة نجمة فالتة من عقال خيمة لا ترى فيها سوى لؤلؤة واحدة: الجزيرة!
تنعطف بك السحب الشفيفة الوارفة كحقل ليلك بري أو كنمارق من استبرق نثرته سلة حدّاء يرعى قافلة النجوم، نحو قصور من الرمال المتلألئة بحلة النعيم، فتمشي وتمشي، كأنك تطوف بمقام أمين في صحراء المأوى الساحرة، على امتدادها جنتان من دونهما جنتان مما تشتهي اللغة، فجزيرة السعديات ثم من ورائها جزيرة الماريا، وفي الطرف المقابل طريق تؤدي إلى جنة العين ومن ورائها جنة دبي وهكذا دواليك، سلسلة جنات تحيط بك... وأنت الآن هنا في جزيرة ياس، فهل أنت مستعد لدخول الجنة؟!

أَمْكَنَةُ اللغة
في المكان.. يحار الموقف اللغوي بهذا المثير العملي الذي أدى إلى إنتاجه، بالتالي نتج عنه كما رأى بلومفيلد، ولكن الاعتراض هو نقطة التماس الكيميائي بين التدرج المنطقي لهذه الإثارة والقفزة الكهربائية الناجمة عن التفاعل المغناطيسي بين الصمت والإصغاء إليه، بمعنى، تجاوز المراحل، فقد لا يحتاج الكلام إلى تصرف لغوي بعد التقاط الدافع أو المؤثر، لأن كل ما تستوعبه الفتنة في لحظة الانبهار يقع بين المثير واستبدال الكلام بالإصغاء كردة فعل لغوية، فـ (الرَكُّ) على الإحساس رهان لغوي صارم، لا يحتمل اللعب مع الكلاميات بميكانيكية، تحول الإثارة إلى مجرد آلة!
ولكن من يصغي لمن؟
المكان لغة، ومن أهم وظائف اللغة: الإصغاء!
ليلا، جدا، عندما تنام الخلائق، أبحث عن مدينة بلا خرائب، عن جنة بلا ملائكة، عن جزيرة بلا رصيف جغرافي، جزيرة خارج المدار في سماء سابعة.. أو ربما عن سفينة يتصادى مع بكاء قمرتها حنين «النهام» على إيقاع «الدوهال»: «يا مليه...هي ياهيه»....كأنك تتعلم المشي فوق بساط الماء، فتحت قدميك بحر دثرته الرمال بالنخيل والأبنية، لكنه لم يزل يؤدي طقوس المحار الذي يداوي جرحه بلؤلؤة.
في الليل فقط تسمع موالا سيفيا (من سيف البحر بالمحكية الإماراتية) لغواص يدوزن شراعه على مزاج البحر، فتتوغل عميقا في شعائر الموال، لأن فلسفة الرحلة غنائيا تحول المهنة إلى حكمة، تشبه حكمة المحار بما يعينها على التغلب على دوار البحر، ولا شك أن النوستالجيا التي توشج الحبل الزمني بين لحظة مغادرة الشاطئ وبين آخر جولات الصيد استعداداً للعودة، هي ذاتها التي تبتر حبل السرَّة بين الصدفة واللؤلؤة، فكأن الرحلة قربان الغلة وليس العكس، وهي في كل أحوالها لم تكن يوما أجمل من الوصول.... لا شيء يعدل الوصول، ولا حتى الحنين إليه!
حسنا إذن، إن الماء بهذه الحكمة هو لغة قوامها الإصغاء لحديث البحر بعد منتصف المجاز، وهي أشبه بصلوات تهجد نائية، قادمة من معبد مطمور تحت شعاب المرجان ونجوم البحور!

مواصفات لامكانية
المكان، بلا خارطة، ليس وهميا بالطبع، ولكن مجاله الحقيقي الوحيد هو اللغة، وكل الأحداث العقلية والنفسية التي تفور ضمن مجاله، لا خواص لها، أعني خواص مادية بحتة، لأن إعجازه دلالي، وما جانبه الفيزيائي إلا تمثل لانتقال الذبذبات اللاصوتيه في الهواء دون الحاجة إلى مجهود عضلي في جهاز النطق، رغم استثارته لكل أعصاب الأذن السرية في جهاز الاستيعاب التبصري والتأملي في الكتابة!
وكل هذا لا يمكن أن يأتي من مجرد استلهام اللغة من مكان لا أسطوري.. حين تصف جزيرة ياس، لن تحتاج إلى معطيات جغرافية أو وصفية بالمعنى المادي كما أسلفت، إنما عليك أن تخترق حاسة الوصف، تتجاوزها، لتدرك حاسة اللغة الخاصة بلامكانية الأمكنة، فكل تلك الأناقة الراقية بهندسة الطرق والمعمار وفلسفة تسخير الضوء والهدوء مع الموسيقى والسهر، واللعب بالإطلالات الباذخة والرائقة، والكلاسيكية التي تأتيك من شق صغير في خيمة القمر البدوي أو تلك التي تتهادى من شرفة زجاجية معلقة بكف مصباح سماوي كأنه مشكاة، كل هذا ويزيد على جمالياته وروعة تصميمه، فإن ما لي بـ ياس، يشف ولا يصف، لي المكان في لامكانيته، وهذا شرط اكتماله عندي، فالأساس التاريخي لأسطورته يجب ألا يتخلى عن قيمته السردية للذاكرة المتخيلة، وهو بالضبط ما يجعل منه كائنا لغويا بحتا، ليس بالضرورة أن يقطع الشك باليقين، فالجدل واللغة صنوان، والأسطورة خيط، ولكن الخرافة انشطار أكذوبي غاو، يبيح لك التصرف بالحقيقة لا الانصياع إليها.
حسنا إذن، كيف تصبح جزيرة ياس خرافية إذن بهذا المفهوم؟
إن للقلم وما يسطرون علاقة بأسطورية اللغة، وبما أن الحقيقة تظل محدودة، فإن اللغة تلعب في حقل وثاب، يتفنن بإعادة ابتكارها مستعينا بالأكذوبة دون مقاربة الباطل ولو قيد أنملة، فالباطل يدحض الخرافة، والخرافة تعزز الأسطورة، واللغة ليست أكثر من خدعة جغرافية هي المكان!

ندُّ الطبيعة
أنت هنا تخترع المكان على طريقة «طاغور»، كما تريده أنت أن يكون، لما فيه من استحقاق لهذه الإرداة يولد تيارا من المحسوسات الصوتية التي لا يمكن التقاطها عبر حاسة السمع، والمحسوسات اللامرئية التي تراها بأم عينيك كيقين ملموس، شرط ألا تتعب أفكارك أو تجف كلماتك، فغشاوة تصور المكان ستسقط وينتهي كل شيء، ستتوه حتما، وإن كنا نعتبر رؤية اللامرئي غشاوة، فإنها الغشاوة التي لا تحجب إنما تستر ما خفي على الآخرين وبدا لك وحدك.
المكان كتاب اللعنة، الذي تبحث فيه عن ذاكرة تنسيك نفسك، تماما كما رأى «طاغور» في القصيدة الأخيرة، خاصة حين يكون المكان هو «حورية بر»... وهي كما يحلو «لجاك دريدا» أن يفسرها جسد عصيّ على الانتهاك، لا تطيع سوى من أطاعها، ولاحظ كيف سيحيلك إلى أمواجها الإصغائية وهو يوغل بالانخراط في تياراتها الرملية والإصغاء إلى كنوزها في الداخل، فالصحراء عند «دريدا» جسد كامل لا أطراف مرسومة أو معلومة لها وهي خاصية الأنثى،... طالما أنك ستكتفي برؤية دريدا هذه دون امتصاص ما زاد عن حاجتك لتفسير سرها... الذي يجب ألا يفسر، وقد يكون دريدا سقط في هذه اللعنة، فاعتبار الصحراء عنده جزءا من الطبيعة أخل بالدهشة المكتومة التي يتوقعها منها، ولو أنه اكتفى بالتعامل معها ككائن خرافي يتمرد على الطبيعة ويتفوق عليها كأنه خلق ندا لها لا جزءا منها، لكان هذا أدعى للنجاة....ولكن!
يرى «تشيدي ماتشيا» أن الإحساس بالأرض أو الإصغاء للأجداد يتأتى عبر الاستلقاء عليها أو الالتحام الجسدي بها، كما يلتحم المرء بسريره، في ذات الوقت الذي يعتبر فيه النظر إلى الشمس كفيلا بإيقاظ ماضي هذه الأرض، وهي مرجحة قد لا تقنع هذه الحورية التي تخرج من بين ضلوعك أو من تحت إبطك أو من تحت لسانك لأنها داخلك، ولن تحتاج إلى فعل مادي للتيقن من شكك بلامكانيتها، لذا فإن ماتشيا أيضا أخفق... ولا أسف عليه !
«غونتر غراس» تمنى في مذكراته لو احتفظ بأثر ماضيه، حقيبة ملابس، صندوق كرتون، شذرات شعرية بكر، أقاصيص رسم... وجميل أن يتمنى «غراس» دون أن تحقق له اللغة ما يتمناه، فالأثر الحقيقي الذي فاق كل هذا وظل معه حتى آخر كلمة يكتبها، هو ما لا يتذكره وليس ما يحتفظ به، وهناك فرق شاسع، يجعل من الاحتفاظ بالذاكرة كأثر يقيني تهشيما للهلوسة الإبداعية أو التصورية لها.

ياس.. بين اللانهائية واللامكانية
في جزيرة ياس، كل شيء قابل للإصغاء، حتى السكون، شرط أن يكون إصغاؤك خلاقا، على طريقة «أوشو». أصغ إلى الجزيرة بحب وثقة، دون انفصام عن شكك. كن مع «أوشو» حين يرفض تفسير أو ترجمة ما نسمعه. إنها موسيقى والموسيقى لا لغة لها إلا لغتها. لا تفكر بالحقيقة والخرافة، إنما انس الحقيقة تماما كي تحرر لغتك من مَنُطَقَية الحضور في الفراغ، والغياب في الكينونة...عليك أن تموسق المكان لتُؤَمْكِنَه.
وقد أسرق من «أوشو» تعريفه للانهائية الحب، لأسقطه على لانهائية المكان في جزيرة ياس، فعداك عن أن اللانهائية تلغي أمْكَنة المكان، فإن جمالها بأنها لا تتوقف، سرمدية، حين تتخلى عن الحدود تصل إلى الحقيقة، ولكنها الحقيقة التي لا تتحقق، لأنها ضرب من الخرافة التي لا يمكن أن تصدقها، لروعتها ليس إلا...
أنت لا تنزع المكان من انتمائه، إنما أنت تسرقه، فإما أن تكون لصا خارقا أقوى من الطبيعة، لتخطف الصحراء من وسط رمال متحركة، أو لتبق الكائن الصفر في مجانية الكينونة، وتسطح العبث.
لن أنظر ورائي إذن، كي لا أرى القبيلة تركض في أثري لتغرس في ظهري سكاكينها انتقاما لشرف السلالة، أنا هنا في هذا اللامكان الكوني، لكي أرتكب اللغة... ولقد فعلت!
نضوت شال القمر عن وجه الجزيرة، خلعت عنها عباءتها وبرقع الغمام، عرَّيتها من كل نسائها، وجلست على ضفة الجحيم وحدي أناظر الجنة، ولكي لا أسامح الحياد، مددت لعنتي إلى بدوي طازج يؤنق ذقنه بماء ناريّ، فتشب لغتي... ساعة عمر هي، ساعة عمر ولا أحلى!