الملحق الثقافي

معمارية الصورة السينمائية

 من فيلم «النافذة الخلفية»

من فيلم «النافذة الخلفية»

أمين صالح
في العام 2003 صدرت الترجمة الإنجليزية لكتاب المهندس المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما بعنوان «معمارية الصورة: الفضاء الوجودي في السينما».. وهنا نستعرض بعض أطروحات الكتاب المهمة، التي من خلالها تناول المؤلف علاقة السينما بالمواقع والمناظر والديكورات، أي الفضاء الذي تدور فيه أحداث الفيلم، والتأثير المتبادل، الفعال، بين عناصره.


السينما، كما يدرك أغلب المشاهدين، حتى الأقل امتلاكاً للثقافة السينمائية، هي جوهرياً شكل فني هجين.. فهي دراما من جهة، ومن جهة أخرى هي رسم أو على الأقل قريبة من الرسم.
لأسباب تاريخية معقدة، ذلك يتصل كثيراً بالتكوين الاجتماعي التقليدي للناقد السينمائي، فالكتابة عن السينما تتحالف عادةً مع الدراما. إن معظم النقد السينمائي المعتاد سوف يستغرق في مسائل مثل البناء الدرامي، سيكولوجية الشخصيات، معقولية أو منطقية القصة.. وما شابه. النقاد في غالبيتهم لا يعرفون إلا القليل عن التصوير والمونتاج وتوظيف الصوت والإضاءة، والأقل عن تصميم المناظر.
أحياناً يشعر المرء بأن الغاية الفعلية للفيلم تكمن في صوره المجازية.. الغامضة والمركبة. الصورة توجد قبل الدراما، وربما حتى في تناقض معها. الصورة، في حد ذاتها، مفهوم غير ثابت أو فضفاض، ويتيح المجال لتأويلات مختلفة.

الأشياء والرموز
في هذا الكتاب، يتناول يوهاني بالاسما كلمة «الصورة» للإشارة ليس فقط إلى الوجوه والأشياء على الشاشة، إنما أيضاً إلى الحيّز المعماري الذي عبره تتحرّك الشخصيات، وإلى المحيط الذي فيه تجد الأشياء (أو الرموز) رنينها الآسر. ومن الأمور الرئيسة التي يتناولها هذا الكتاب برهافة وبدقة مسألة كيفية تحوّل الشيء إلى رمز.
يوهاني بالاسما يتحاشى الشرَك الذي يظهر غالباً في الكتابة عن الرمزية، إلى حد أن معالجة الموضوع تصبح ببساطة تأويلية أكثر مما ينبغي. لكن نادراً ما يوجد، في فن مشوّق ومثير للاهتمام، توافق بين الشيء المنظور إليه وحقيقةٍ إنسانية ما قابلة للتماثل.
محتذياً حذو الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، وجد بالاسما أن من المفيد أكثر أن يدرس الصور ضمن السياق السيكولوجي.
في حالات ذهنية معينة غالباً ما تكون مرتبطة بمنطقة الخدر الواقعة بين النوم واليقظة، تنشأ الصور بملء إرادتها. وما هو آسر بشأن الصور ليس معناها بل عاطفيتها أو السمة العاطفية البارزة. مثل هذه الأشياء «تضيئنا».. كما قال ريلكه، بطريقة رائعة ومريحة معاً، حاملةً ليس الكثير من الحقيقة لكن الكثير من الجمال الذي لا يُدحض والغرابة.
يوهاني بالاسما يستخدم الصور التوضيحية لدعم آرائه وتصوراته. إنه، كمثال، يحاول استنباط المصاهرة السريّة التي يشعرها المخرج ستانلي كوبريك تجاه التقاليد الكلاسيكية والرومانتيكية معاً، في التفكير الأوروبي، عن طريق مجاورة مقتطفات من الرسوم البيانية لقصة فيلم (The Shining ،(1980 مع صور متناغمة على نحو ملائم من أعمال الرسام جويا. ومع أن المرء يعلم ربما أن أندريه تاركوفسكي كان متأثراً بالرسم الإيطالي، فإن يوهاني بالاسما يوضّح عمق ومدى ذلك التأثير على امتداد ثلاث صفحات حيث يربط بين صورٍ من فيلم («نوستالجيا» Nostalgia 1983) وأعمال الرسامين دوشيو، فرا أنجليكو، بوتيشيلي.. وبصورة متساوية مع المناظر الطبيعية الرومانتيكية لرسام القرن التاسع عشر الألماني كاسبر ديفيد فريدريش.
يوهاني بالاسما مهندس معماري، وبؤرته الرئيسة مركّزة على الطريقة التي بها يستخدم المخرجون المكان والعمارة لبناء عالمهم الفني الخاص. إنه يركّز على بضعة أسماء منتقاة لمخرجين مثل: هتشكوك، أندريه تاركوفسكي، ستانلي كوبريك، أنتونيوني.. مخصصاً فصلاً من الكتاب لكل من هذه الأفلام: الحبل، النافذة الخلفية، نوستالجيا، The Shining، المسافر.
ويشير في مقدمة الكتاب إلى أنه كان يودّ أن يوسّع دراسته بحيث تشمل أيضاً مخرجين آخرين مهمين مثل: أورسون ويلز، إنجمار بيرجمان، ألان رينيه، فلليني، لويس بونويل. ويمكن للقائمة أن تتوسع أكثر لتضم نيكولاس راي وفريتز لانج اللذين درسا فن العمارة قبل أن يتحولا إلى الإخراج السينمائي، وبوسع المرء أن يكتشف هذا من النظر إلى أفلامهما، من تحليلها ودراستها.

مظهر كاذب
من الطبيعي أن العمارة في السينما توجد في علاقة مختلفة مع الواقع عن العمارة الواقعية أو الثلاثية الأبعاد. من ناحية ما، هي مظهر كاذب تماماً، كما يتضح من زيارة أي موقع سينمائي.
على باحة الأستوديو، فقر الوهم يصبح جلياً على نحو يرثى له من وجهة نظر أي ملاحظ أو راصد: مبانٍ حجرية خادعة، مركّبة من الورق المقوّى أو الخشب المصنوع من طبقات رقيقة. الأبواب لا تفضي إلى أي مكان. في حين أن البنية التحتية التي تشمل الغاز والكهرباء وأنابيب المياه، المتوافرة في المباني الحقيقية، هي غير متاحة في المباني السينمائية. في السينما، الأشياء تقترب من الزيف.. لكن هل ذلك يهم حقاً؟
المهندس المعماري يوهاني بالاسما، الحائز جائزة، يؤمن بوضوح أن السينما لديها شيء نافع وثمين تقدمه إلى مهنته، وليس العكس. «فن العمارة اليوم قلما يدخل مملكة الشعر أو يوقظ عالم المجاز اللاواعي». هكذا يلاحظ بالاسما. ونحن هنا لسنا بعيدين عن التأمل في التحليل النفسي الذي يعطي دلالة روحية للشكل والحجم واللون والبنية، حيث إن هذه الخاصيات تتصل بمبانٍ من الإرث الأوروبي. المرء لا يحتاج أن يكون متشائماً لكي يقرّ بأن العالم الحديث قد فقَد شيئاً من بساطته السلفية في هذه الأمور، وأن العمارة العصرية القائمة على نطاق واسع، سواء في الضواحي أو وسط المدينة، هي هشّة، تعوزها القيمة أو المتعة، مقارنةً بما يمكن أن تكونه وما كانت عليه في الماضي.
«الإشعاع الشعري المحض، في الصور المعمارية عند تاركوفسكي، يبرز اللغة المعاصرة للعمارة، التي هي أحادية البعد في ما يتصل بمجال العواطف التي تستدعيها اللغة المجازية. العمارة العصرية تنزع إلى أن تكون مشغولة بالمؤثرات البصرية، وهي تفتقر إلى الطابع التراجيدي، المحزن، النوستالجي».
في الفصل المخصص لفيلم «نوستالجيا»، يقول يوهاني بالاسما: «إن الصور التي تظهر عزف دومينيكو، حيث المطر ينهمر من خلال السقف، مع مشاهد مماثلة في Stalker، هي من بين الصور المعمارية الأكثر فتنة وسحراً في تاريخ السينما، والتي لم يُخلق مثلها في أي وقت مضى. إنها تشعّ بالجمال المشهدي وبنقاء الشعور، وهي تمتلك حضوراً كنسياً، دينياً. هذه الأمكنة لا يمكن أن تحمي الجسد الإنساني، لكنها تستطيع على الأقل أن تؤوي الروح».
الملاحظات هنا تتركّز، بشكل خاص، على فيلم «نوستالجيا» لكنها يمكن أن تنطبق تقريباً على أي فيلم حققه تاركوفسكي. ففي فيلمه المتصل بالسيرة الذاتية «المرآة» شيّد تاركوفسكي، بعناية فائقة وباهتمامٍ بالغٍ بالتفاصيل، البيت الريفي الذي كانت تسكنه العائلة، المطوّق بخشب الصنوبر، والذي أقام فيه عندما كان طفلاً مع أمه وأخته في سنوات الثلاثينيات، في أوج عهد الإرهاب الستاليني.
من أجل إعطاء الصورة صدقية وموثوقية قصوى، استأجر تاركوفسكي الحقول المحيطة بالبيت قبل شهور من تصوير الفيلم، وزرعها بالحنطة التي تتموّج بشكل جميل وبهيج. ذلك الحقل يشكّل خلفية لأجزاء رئيسة من الفيلم. وليس بوسع المرء أن يفكّر في أي منزل في السينما كلها، والذي يمنح إحساساً أعظم بفردوس الطفولة، ومعنى أن ينشأ المرء في إقليم عزيز جداً، حيث بإمكان المرء أن يشمّ المادة التي تصقل خزانة الأطباق القديمة. ثمة جرار وإناء للزهور البرية على عتبات النوافذ. ثمة ستائر مخرّمة تخفق كلما هبّ النسيم. وملاءات معلقة على حبل الغسيل لتجف.
بشأن أفلام ستانلي كوبريك وهتشكوك، يتناول المؤلف بناء الخوف والعزلة أو الإنسلاب، لكن الآسر والفاتن على نحو لا يمكن إنكاره. أفلام مثل The Shining والنافذة الخلفية Rear Window لا يمكن تأملها من دون النظر إلى فتنة المكان الذي فيه تتشكّل القصة. المكان، في كلا الفيلمين، هو باروكي ومسرحي، مع ذلك نحن أمام مستوى من التفاصيل، والإحساس بواقعيةٍ وراء نطاق كل ما هو ممكن أو مرغوب فيه، على خشبات مسرح تقليدي.
التفكير في هذه الأمور يعيدنا إلى عبقرية مصمم المناظر المنسي، المهمَل.. ذلك المعماري الذي على الرغم من ذلك، وحسب ما يقول يوهاني بالاسما، قادر أن يعلّم المعماريين الحقيقيين أشياء عن العاطفة والغنى والتعقيد. لكن كم عدد هؤلاء الفنانين الذين لا نعرف عنهم شيئاً.. لا نعرف حتى أسماءهم؟
كتاب يوهاني بالاسما «معمارية الصورة: الفضاء الوجودي في السينما»، في الواقع، ليس هو الكتاب الأول عن تصميم المناظر في فن السينما، لكنها الدراسة التي تعيدنا باستمرار إلى الخيمياء الغامضة أو التحوّل الخفيّ، بين المخرج والمصور والسينوغرافي، والذي هو - أكثر من أي عامل آخر - يجعل السينما شكلاً فنياً مميزاً.

حنين تاركوفسكي
أنجز أندريه تاركوفسكي فيلمه «نوستالجيا»، الذي أهداه إلى أمه، في إيطاليا العام 1983، بإنتاج إيطالي، وشاركه في كتابة السيناريو تونينو جويرا، الذي تعاون مع أنتونيوني وروزي وأنجيلوبولوس وغيرهم من كبار المخرجين.
فيلم «نوستالجيا»، الحائز جائزة خاصة في مهرجان كان، لا ينفصل عن عالم تاركوفسكي بل يتوحّد مع الأفلام الأخرى ضمن نسيج فني ورؤيوي ينسجه فنان مبدع ينظر إلى الفيلم كوسط شعري. هذا التوحّد ليس فقط على صعيد التوظيف أو الاستخدام التقني للألوان والإضاءة وحركات الكاميرا وحجم وزوايا اللقطات، أو في التخلي عن الحبكة بمفهومها التقليدي وتحطيم السرد القصصي بالتوكيد على الحالات والتداعيات وصور الحلم والذاكرة، إنما يتم التوحّد أيضاً على صعيد الرموز والمجازات، حضور العناصر، تداخل الماضي والحاضر، التحام الهمّ الخاص بالعام، البحث في معنى الخلق والوجود وعلاقة الذات بهذا الوجود.
شخصيات «نوستالجيا» – كما هي في الأفلام الأخرى – مأزومة، معذّبة، مترددة بين الشك واليقين.
يقول تاركوفسكي: «الفيلم هو عن استحالة أن يعيش الناس معاً دون أن يعرف الواحد الآخر، عن المعضلات الناشئة من ضرورة أن يعرف الواحد الآخر. التعارف مسألة سهلة جداً، لكن يصعب جداً التوصل إلى معرفة أعمق للآخر. علاوة على ذلك، ثمة مظهر من الفيلم أقل بروزاً على السطح يتصل بمدى إمكانية استيراد وتصدير الثقافة، وانتحال ثقافة شعب آخر».