الملحق الثقافي

فاطمة المرنيسي.. الراحلة على جناحي حلم

فاطمة المرنيسي (الصور من الأرشيف)

فاطمة المرنيسي (الصور من الأرشيف)

د. رسول محمَّد رسول
في الخامسة والسبعين من عمرها الذي كان مديداً، خطف الموت فاطمة المرنيسي (1940- 2015)، رحلت في أزمنة القتل الأعمى التي تحرق الحياة في كل مكان، لكن هذه المرأة الفاسيّة الأصيلة ما ادخرت وقتاً ولا جهداً لإيصال صوت الأنثى، صوت المرأة، بل صرخة الأنثى وصرخة المرأة بوجه التردي والظلم والتخلف وسوداوية كبح الحرية للبشر جميعاً ومنهم نساء المعمورة.

بدا رحيل المرنيسي خسارة للفكر النسوي والأنثوي معاً، ولكن تعويض ذلك ممكن عبر إعادة قراءة منتجها الفكري. هنا قراءة أولى في كتابها الصادر بالفرنسية عام 1994 (نساء على أجنحة الحلم) الذي ترجمته فاطمة الزهراء أزرويل، والصادر عن المركز الثقافي العربي في بيروت عام 1998، لما له من أهمية كبيرة في نشأة وتطوُّر فكر المرنيسي عبر حياتها وحتى رحيلها.
يضم هذا الكتاب اثنين وعشرين فصلاً يغلب عليها الطابع السردي، وكأنك تقرأ رواية أو رحلة مسرودة لامرأة خاضت غمار الحياة من سنيّها الأولى حتى مرحلة معينة، ولعلَّ الملفوظ الافتتاحي في حدود الحريم وهو الفصل الأول «ولدت في حريم فاس» يعبِّر عن ذلك خير تعبير ليتواصل بعده هدير السَّرد كاشفاً عن خفايا المجتمع الفاسي، وبالتالي المغربي قدر تعلّقه بقضايا عدة، منها قضية الاستعمار الفرنسي وكذلك الاستعمار الإسباني، وأثر ذلك في بنية المجتمع المغربي في أدق تفاصيله وكل تشكُّلاته الإثنية والدينية والحضارية والعرقية تحت ذريعة (الحدود) التي هي مجرد وهم كونها قابعة في «أذهان الذين يملكون السلطة»، تلك الحدود التي راحت المرنيسي تستجلي أثرها وتلقيها في نفوس النسوة الغاضبات من تصرفات الرجال وظلمهم للنساء، رجال محليين وآخرين غزاة.
تعرج المرنيسي على صورة دخولها إلى عالم التعليم الديني الأسري، وهي صغيرة حيث تعرفت إلى حدود الدين، وفي مسكنها رفقة والديها تعرفت إلى حدود أسرية أخرى تفصل غرفة نومها عن غرفة منام والديها؛ ثمة عتبة لا يمكن لها تجاوزها بين المكانين، وبالتالي حدود عتبة الدار التي لا يمكن لأنثى صغيرة تجاوزها كونها لا تجيد الدفاع عن نفسها، وشيئاً فشيئاً كانت والدتها تدفعها إلى مقارعة من يؤذيها: «عليكِ أن تتعلَّمي الصراخ والاحتجاج كما تعلّمتِ المشي والكلام». ليس هذا فحسب بل تعلّمت المرنيسي الصغيرة من أمها أنه لا يوجد أي فرق بين النساء والرجال، وذلك النبت كان مهماً في كيانها وفي شخصيتها.

فن الحكي
وضَّبت المرنيسي حدود ما تعلّمت بكلام عن شهرزاد التي إذا ما تمكَّنت من ضبط الكلام سيطالها سيف شهريار، لذلك جاء عنوان الفصل الثاني في كتابها إلى (شهرزاد: الخليفة والكلمات) لقول علاقتها وهي طفلة بحكايات (ألف ليلة وليلة) عبر والدتها التي كانت موئل تنويرها بسرديات الماضي العتيد، وفي خضم ذلك الكون الحكائي راق لشهرزاد أن تعلب دور البطولة؛ فإما «أتسبب في خلاص الخلق، وإما أنني أموت وأهلك ولي أسوة بمن مات وهلك»، قالت شهرزاد تخاطب والدها.
لقد راق للمرنيسي الطفلة موقف البطولة والتضحية الذي ولجته شهرزاد كخيار حاسم تحدوها الثقة بقدراتها على فعل شيء لم تفعله أنثى قبلها، والهدف تخليص السلطان شهريار من عذاباته عبر سرد معاناة الآخرين بل النسوة الأخريات أمامه حتى اقتنع بخطأ رؤيته. بعد ألف ليلة وليلة صار له من شهرزاده طفلان، وذلك هو الدور الذي لقفته المرنيسي في حياتها عندما راحت تفكّر في معاناة المرأة العربية بحثاً وسرداً ونقداً دؤوب المنحى علَّ الذكورة العربية تجد ذاتها، تعرفها، تقدّر جحيمها وفتنتها لتعفو عن عنف ذكوري سلطوي هائج المسار أعمى الغاية، لتخرج المرنيسي الصغيرة من قص أمها لهذه الحكاية بدرس لا تتقنه إلا النساء، أي القص والحكي بوصفهما قدراها.
ليس القص حرفة الأم فقط بل هي رغبة لدى عمة المرنيسي الصغيرة (حبيبة)، إذ لعبت هذه الحكّاءة دوراً كبيراً في تنشيط جذوة القص ببراعة متناهية لدى مستمعيها من الصغار، حتى إنها كانت «تتقن الكلام ليلاً، بالكلمات وحدها بحيث تجعلنا نُبحر على ظهر سفينة، كبيرة عائمة، من عدن إلى المالديف أو تحملنا إلى جزيرة حيث الطيور تتكلَّم كالإنسان» (ص 26).
ويبقى السؤال قائماً عن تلك الرواسخ النامية في ذهن الطفلة فاطمة؛ فما الذي كانت تتمناه حينها، تقول: «كانت تلك الحكايات تزرع فيَّ الرغبة لكي أكبر حتى يمكنني، أنا الأخرى، تنمية مواهبي كقاصَّة، كنتُ أودُّ أن أتقن، مثلها، فن الحكي ليلاً» (ص 26).

الحريم الفرنسي
إن سعة السرد قادت المرنيسي إلى ما كان يجري في منطقة حريم من احتلال فرنسي واضح المعالم. في تلك الأجواء كان المنع صارخاً لأية محاولة في التواصل مع المحتلين الفرنسيين ذوي العيون الرمادية الصغيرة الذين كانوا يخافون التيه في حريم فاس، فبنوا مدينة لهم هي حريم الفرنسيين، ولكلا القاطنين مخاوفهم ومحاذيرهم من نظرائهم في الخلق.
بدا وصف المرنيسي للحريمين، الفاسي والفرنسي، في غاية الدقة من حيث تمثيلاته السّيميائية، بل ومن حيث منعكساته الموضوعاتية أيضاً، وتلك مزية رائعة لدى ابنة فاس الوفية لجذوة المكان المغربي وهي تعود إلى حريم فاس في أربعينيات القرن الماضي. ورغم أن السؤال عما يجري كان محظوراً على الفتيات في تلك المرحلة؛ إلا أنها تجاوزت ذلك لتسأل جدتها لأمها «الياسمين» عن «الحدود والخوف والاختلاف» (ص 32)، بل كانت ترجوها «أن تفسِر لها أسباب كل ذلك» (ص 32). وهنا بدأت الذات الأنثوية تمارس حقها في خرق المحظور.
من تلك (الجدة) تعلمت المرنيسي الصغيرة المساواة بين البشر، كانت عادة تقبيل أيادي الكبار نظاماً سائداً، ولكن غيرة النسوان، زوجات (التازي) الجد الأكبر، كانت مدار جدل في العائلة، الجدة الياسمين علّمت المرنيسي يومها بألا تُقبّل كف بقية الزوجات، وجعلت من فكرة المساواة الدينية معياراً لذلك، حيث أكّدت «بألا أقبل أبداً بالتميز لأنه غير منطقي» (ص 34).
لقد راق للمرنيسي الصغيرة ملاحظة الاختلافات بين نسوة الأهل والعشيرة التي يرأسها الجد النازي المتزوج بنساء عديدات، كانت نساؤه مختلفات في كل شيء يفكر فيه المرء. كانت تلاحظ الفرق بين حريم القلعة كما تعيش فيه هي وأهلها وحريم الياسمين، ثمة اختلافات في نمط العيش والحياة والحرية، اختلاف أنثوي سرعان ما يتبدّى نسوياً تحدوه الصراعات وتبنيه من كل جانب كمتغير مجتمعي وإن اتخذ طابع التجربة الشخصية، تقول فاطمة: «حريم الياسمين ضيعة كبيرة مفتوحة دون أسوار، أما حريمنا نحن بفاس فهو أشبه بقلعة. تمتطي الياسمين وشريكاتها الخيول وتسبحن في النهر وتصطدن السمك وتشوينه على نار الحطب في الهواء الطلق، أما أمي فلا تبرح البوابة دون الحصول على إذن من جهات متعددة» (ص 47).
ومن الحريم ممن هنَّ غير مرئيات، فالمستور يبدو في فاس له حضوره ولكن غير المنظور، ولهذا عقدت المرنيسي فصلاً عن النسوة خلف الجدران؛ نسوة لا يتمكّن حتى من فتح نوافذ البيوت، تنظر إليهن فتراهنَّ يكتفين بتأمُّل الورود في ملابسهن أما خارج الغرف فلا ورود غير ما يتخيلن عندما يدسسن أجسادهن في فراش النوم. عدا ذلك متروك أمره إلى نزهة سنوية واحدة في فصل الربيع «يوم النزهة» (ص 68)، حيث تخرج العائلة، كبيرها وصغيرها للتنزه ومعاينة ورود متنوعة الأشكال والألوان، باستثناء ذلك لا فرصة لملاقاة الطبيعة، لا شيء سوى الجدران، سوى سطوح المنازل أو سطوح الحريم التي تبدو فسحة مرئية مفتوحة على السماء، فحتى باب الدار لا يفارقها البواب.

الغزالة الفاتنة
تعود صاحبة (نساء على أجنحة الحلم) إلى مرحلة نضوجها الأنثوي، يوم قرّرت أن تصبح «غزالة لا تُقاوم، امرأة قاهرة كالغزال» (ص 205)، كونها وصلت سن البلوغ الأنثوي، وأصبحت فتاة جاهزة للزواج والإنجاب.
هذا التحوُّل الوجودي رافقه نوع من التحوُّل المعرفي في إطار منظومة معارف تبدو سرية، إذ تعلّمت المرنيسي الفتاة علوم السحر من عمّتها (شامة)، كما تعلّمت الانتهاك؛ انتهاك المحظور نوعاً ما عندما صعدت إلى سطح المنزل لتمارس طقوساً سحرية هناك. وسرعان ما أدركت العائلة خطورة توجُّهات فاطمة فقررت دفعها إلى التعليم في مدرسة نظامية راحت تستنشق فيها هواء غير هواء التعليم المغلق، وهناك بدأت أسارير أنوثتها تتفتح كأنثى مختلفة من حيث الملابس التي لا بد وأن تتناسب وطيات جسدها، وهناك أيضاً بدأ التطلُّع النسوي عبر ما كانت تتلقاه هي ووالدتها من أخبار عن حرية المرأة تبثها إذاعة القاهرة، وما يرد إليها من أنباء عن تحرّر المرأة التركية، وتقلدها لمناصب حكومية، وكل تلك التحولات كانت تبلور شخصية الفتاة يانعة الأنوثة (فاطمة) لا سيما عندما تواردت بضعة أفكار فاعلة جعلت الطموح يكبر لديها، تقول لها عمتها حبيبة: «شخص واحد يملك سلطة تتغير هذا الوضع، وجعل الأرض تدور في النهر المعاكس، وهذا الشخص هو أنتِ» (ص 227)، وهذه (الأنت) كان معناها يدور في فلك حريم فاس، وفي فلك ذهنية فاطمة الفتاة أيضاً مقترناً بحلم الطيران، حلم أن تطير الفتاة بجناحين نحو العلا، نحو مكانية أخرى، وهو يتطلَّب، بقدر ما يعكس، وعياً أنثوياً مختلفاً تمكَّنت المرنيسي من أن تكونه وتصيره لاحقاً.
أخيراً، في (نساء على أجنحة الحلم) تستعيد فاطمة المرنيسي أمسها بوعي أنثوي، يروم الكشف عن جانب من حياتها في ظل حالة الحريم في فاس، وما كان يعج في مجتمعه من تقاليد وقوانين وموانع ومسموحات وانعطافات اجتماعية وثقافية وحضارية وقبلية وعشائرية ليس بعيداً عن حالة الوجود الاستعماري الفرنسي في المغرب.
من الناحية النصية والفنية، أبدعت المرنيسي في بناء كينونة نص جمالية يغلب عليه الطابع السردي، لكنها كانت حذرة في التعامل معه؛ فهو يوحي بأنه عمل روائي من نمط السير- ذاتي، لكنه بدا متفلتاً من ذلك أيضاً، إنه كتابة سيرة ذات على نحو تلقائي حتى إن القارئ يشعر بأنه سيُلقى في حدود ضيقة. ويمكن لعلماء الاجتماع أن يجدوا في هذا العمل الجمالي السيري مرتعاً للكشف عن تحوُّلات بنية المجتمع المغربي في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، لكنهم أيضاً يمكن أن يجدوا فيه أجوبة لكيفيات تطور الذات الأنثوية والنسوية في مجتمع عربي مغلق تمكنت المرنيسي من فتح آفاقه، فتح أبوابه، فتحه لسماء المعنى والتفسير والتأويل والقراءات المتعدِّدة، ولذلك يمثل نص (نساء على أجنحة الحلم) أيقونة معرفية وجمالية معاً، يمثل تاريخاً وأثراً لما جرى وما حدث في مرحلة معينة من تاريخ الإنسان العربي.

وداعاً فاطمة المرنيسي
وداعاً أيتها المفكِّرة التي منحت الأنثى معناها، والمرأة قدرها، والتاريخ صوته،
وداعاً يا سيدة المعرفة الأنثوية
هادرة العطاء الجميل..
وداعاً وما أردتُ لك الوداعا...

حريم لا مرئي
تعرِّف فاطمة المرنيسي الحريم في كتابها على النحو الآتي:
«كلمة حريم تعود إلى لفظة الحرام الذي يتعارض مع الحلال. إن الحريم هو المكان الذي يضع فيه الرجل أسرته ليدرأ عنها الخطر سواء تعلّق الأمر بزوجة واحدة أو زوجات عدَّة، بأطفاله أو قريباته، قد يكون في بيت أو خيمة، لا أهمية لذلك، فالحريم يعني المكان، وكذلك الأشخاص الذي يسكنونه، وحين نتحدَّث عن حريم أحدهم، نحيل على أفراد عائلته والبناية التي يقيمون فيها، أما الحريم العائلي فهو مكان محمي ومنظَّم له قانونه المحدَّد، إذ لا يمكن لرجل أن يدخله دون إذن من صاحبه، في هذه الحالة عليه أن يخضع لقانونه. إن الحريم محكوم بفكرة المُلكية الخاصَّة والقوانين التي تسيرها» (ص 71).
أما عن الحريم اللامرئي فتعتقد بأنه نتاج للموانع، تقول: إننا «نحمل الموانع في ذاتنا، إنه الحريم اللامرئي الموجود في رؤوسنا والمسجل في الجبين والجدل، أقلقتني جداً فكرة حريم لا مرئي، وقانون موشوم على جبهتي وراسخ في دماغي بالرغم مني، كرهت ذلك» (ص 71).