الملحق الثقافي

شهرزاد.. ماتت

فاطمة المرنيسي (الصور من الأرشيف)

فاطمة المرنيسي (الصور من الأرشيف)

ماريا- آنجلس روك
التقيت فاطمة المرنيسي للمرة الأولى خلال المعرض الرابع للكتاب النسوي، الذي انعقد في الفترة من 19 إلى 25 يونيو 1990. كنت أدير ندوة «نسوية، أصولية دينية وعلمانية متعددة الثقافات»، وهو عنوان اقترحته على الجهة المنظمة – رفقة فاطمة المرنيسي، نوال السعداوي، روزا روسي ووداد زيني زيغلر. كانت كل واحدة منهن قد أصدرت أعمالاً مميزة. ومن بين كتب فاطمة المرنيسي أذكر: «الحريم السياسي» (1987)، و«السلطانات المنسيات» (1990)، التي اقترحت فيهما قراءة مختلفة للتاريخ الإسلامي. أكثر من 4000 امرأة شاركت في هذا المعرض. وخلال هذه الفترة، تبادلت الأحاديث مع فاطمة، وهذا ما سأقوم بعمله مراراً وتكراراً خلال الأعوام الخمسة والعشرين اللاحقة. ومنذ ذلك الوقت، لم تخمد قوة تواصلها عن إثارة دهشتي، كأنها شهرزاد الحقيقية.


زارت فاطمة المرنيسي برشلونة وبالتالي المعهد الأوروبي للبحر المتوسط كثيرا. من اللحظات المهمة اشتراكها في الندوة المدنية الأوروبية المتوسطية التي انعقدت في 29 نوفمبر 1995. كانت أبرز محركيها مع الأمير فيليب، ولي العهد الإسباني – الذي منحها جائزة أمير آستورياس بعد سنوات، في عام 2005. عصر ذاك، كان يغمرنا جميعاً الأمل لأن البيان يمنح، للمرة الأولى، القوة للمجتمع المدني كأداة أساسية، تخدم الشعب لكي يصل إلى ما فيه الخير له ولكي يتخلص من التشدد السلطوي. في برشلونة، مثلت مرنيسي المجتمع المدني، المثقفين ونساء الضفة الجنوبية.
دوما، كانت فاطمة المرنيسي رائدة، ليس فقط على المستوى الثقافي، ولكن كناشطة أيضا. إذا صنفنا كتبها حسب النظام الكرنولوجي، من الممكن أن نرى الموضوعات التي أثارت اهتمامها على مدار سنوات. يمنحنا موقعها على الشبكة العنكبوتية نماذج من فكرها ونشاطها، حتى قبل أن تنشر كتبها. بعد حرب الخليج، تحدثت قبل أي شخص آخر عن أهمية التكنولوجيات الإعلامية الحديثة في العالم العربي - الإسلامي.
فاطمة المرنيسي «مكبر صوت»، مع ورش الكتابة التي نظمتها منذ التسعينيات (من القرن الفائت)، مانحة النساء، الجمعيات التنموية، الشباب، المجتمع المدني المغربي الكلام. عملت مع مجموعة «سينرجي» المدنية ما بين 1997 و2004. غالبية ممثلي «سينرجي» دوما نشطون ويديرون أعمالهم بمهارة وأصحاب مبادرات.
التحقيق الذي أجرته المجلة العالمية «آراب بيزنس» في دبي، عام 2013، صنف السيدة المرنيسي ضمن مائة امرأة مؤثرة في العالم العربي، وقد احتلت المرتبة الخامسة عشر في الترتيب.
وأتتني الفرصة لزيارتها كثيرا في شقتها بحي أكدال، في الرباط: الزيارة الأخيرة، في 16 نوفمبر 2013، بالضبط حينما ظهر تصنيف «آراب بيزنس». بعد غداء معتبر، شرحت فاطمة المرنيسي المضيافة تنوع الأطباق لمختلف أقاليم المغرب، وحللت الموضوعات التي اختصت بها. دفعتني لمغادرة الشقة لكي نذهب إلى السوق لأنها أرادت أن تبين لي الأجهزة التكنولوجية العديدة وإمكانية شراء الأفلام، الأسطوانات الموسيقية، وحتى المواعظ الدينية بأقل الأسعار، أي كل ما يريده المرء... وفي الهواء الطلق.
كان اللقاء في الرباط ثريا. انتهزت الرحلة لكي أشارك في مؤتمر بجامعة الدار البيضاء، غير أنني آسف لعدم توفر مسجلة لكي أسجل تجارب فاطمة المرنيسي الجديدة ومشاريعها. لم يكن بحوزتي سوى آلة فوتوغرافية.
بما أن المعهد الأوروبي للبحر المتوسط يحتفي بخمسة وعشرين عاما على إنشائه في عام 2014، طرأ على ذهني نشر حوار مع فاطمة المرنيسي، رمز قيم البحر المتوسط، في العدد القادم من مجلة «كادرن دو لا ميديترانيا»، ولهذا السبب كاتبتها بشأن إجراء حوار هاتفي، وجاء على النحو التالي:

سيناريوهات متوسطيّة
فاطمة، هل وصلتكِ رسالتي؟ يحتفل المعهد هذه الأيام بمرور خمسة وعشرين عاما على إنشائه، ولهذا سوف نصدر عددا خاصا «سيناريوهات متوسطية». أحب أن أنشر في متنه حوارا معك.
** نعم، ماريا- آنجلس، بيد أنني لا أجري حوارات لأن الصحافيين يقفون في الطابور للحصول على واحد. فضلا عن تصنيف 100 امرأة لمجلة «آراب بيزنس»، هناك مؤسسة أمريكية تساعد الناس على فهم الشرق اختارت 25 كتابا لكتاب مسلمين – ومن ضمنها «أحلام النساء الحريم»، الذي أتحدث فيه عن طفولتي. للأسف، لا أستطيع أن أمضي حياتي في منح الحوارات، لدي الكثير من العمل لتحقيقه. بعد الظهيرة، لدي لقاء: أنظم ورشة كتابة حول الشباب والإنترنت. الحوار الأخير الذي أجراه معي ادريس كسيكس. هل تعرفين ادريس كسيكس؟ من الممكن أن تطلبيه منه؟
* نعم، أعرف ادريس كسيكس حتى أننا على تواصل على «الفيسبوك». كاتبته للحصول على مقدمته، إلا أنه مشغول في الترويج له.
** تعالي إلى الرباط ومن الممكن الكلام مع أشخاص مثيرين للاهتمام أعمل معهم في هذه اللحظات. اسمعي، لدي اتصال على الهاتف الآخر! هاتفيني غدا في 11 صباحا وسوف يكون لدينا متسع من الوقت للكلام والنظر إلى ما يمكننا تحقيقه.
في كل مرة، أهاتف فاطمة المرنيسي، أندهش من صوتها الحسي. أصابني هذا الاتصال الهاتفي بخيبة الأمل. وبمتابعة دعاية كتاب كسيكس «مهنة المثقف: حوارات مع خمسة عشر مفكرا من المغرب»، لاحظت أن عشرة منهم زاروا المعهد لأكثر من مرة. وهذا ما منحني شيئا من القوة لكي ألح على مطلبي من فاطمة في الموعد المحدد.
الاستهلاك وشجونه
* صباح الخير فاطمة. هل جرى اللقاء بصورة طيبة مع الشباب؟ في الواقع، خلال التسعينيات، بدأتِ عددا من التحقيقات حول آثار الفضائيات وظهور الصحون اللاقطة، وأيضا حول أهمية الاتصال لكي ينجح الشباب في مساعيهم. «السندباد المغربي. رحلة في المغرب المدني» كتاب يجمع أعمالك في هذا الصدد: مقالات، لقاءات مع الشباب والنساء حيث عبرت عن حيوية شباب الأطلس الكبير وصحراء فجيج وزاغورة. شباب يتحرك ويستخدم أكثر فأكثر الإنترنت والطاقة الشمسية، حتى أكثر من «المدنيين» الذين يسكنون الدار البيضاء. كتاب يسقط الصورة النمطية القائمة بين القروي والمدني.
** نعم، ولكن من أتحدث عنهم يمثلون الجيل الثالث. ولكن الظاهرة التي تهمني مختلفة. من الضروري أن تتابعي المجلة «لإنترنت». أحمد مومنين رئيس شركة «بوزا كومونيكاسيون» ومدير المجلة. سوف ترين كيف يتحدث الشباب ويعرضون صناديق «نايك» أو «ماركات» أخرى، باهظة الثمن لا يستطيعون دفع ثمنها وقاموا بسرقتها. هناك نقاش كبير حول مجتمع الاستهلاك، تحادثت مع نفسانيين يعملون على شباب مودعين في مصحات أو سجون. إذا زرت الرباط في 22 مايو، سوف تحضرين ورشة أعلنت عنها، مع أشخاص يجب أن تعرفيهم وتحاوريهم. لست أنا!.
* في البداية، من الضروري الانتهاء من إعداد المجلة. هناك تاريخ محدد لإصدار العدد. من الممكن أن أعمل شيئا كالبورتريه عنك مع بعض الأفكار التي عرضتيها في لقاءات مختلفة، في برشلونة، غرناطة، أو الرباط... ادغار موران وأنت، أكثر المفكرين أثرا على مسيرتي في المعهد.
** لست مقتنعة بهذا البورتريه لأنك سوف تقولين أشياء لا تمثل اهتماماتي الحالية. الآن، أهتم بورش الكتابة. آخر ورشة، كانت مع الصحافيات الشابات.
* أتذكر أنني حينما كنت في شقتك، في فبراير 2012، كنت على وشك تجهيز ورشة كتابة مع سبع صحافيين شباب، أعضاء مؤسسين «لشبكة النساء الصحافيات»، وهؤلاء الصحافيات، اللائي ينتمين إلى الإعلام العربي، الأمازيغي والفرنكفوني، يشغلن مناصب مرموقة. إحداهن رئيسة تحرير مجلة «ايكونومي & آنتروبريز». قلت لي يوم ذاك أنهن يمثلن الطبقة الوسطى الجديدة البازغة في المغرب. درسن في الجامعات المغربية على خلاف النخبة القديمة التي تابعت دراستها في فرنسا أو الولايات المتحدة.
** هذا الكتاب الذي تتحدثين عنه: «صحافيات مغربيات. جيل. حوار» صدر في عام 2012. في هذا الكتاب، تحدثن عن مسيرتهن الحياتية، عائلاتهن وحوافز آبائهن. حتى المتحدرات من الريف، تمنى أباؤهن أن تجري فتياتهم دراساتهن العليا. «شبكة النساء الصحافيات» طموح لإغلاء مكانة الصحافية، وترقية وجودها وتحسين تمثيلها في كل مستويات المسؤولية في مجال وسائط الإعلام. هذه الورشة الجديدة التي أشرت إليها حالا جرت مع صحافيات يكتبن في مجلات، صحف... ويستعملن المدونات والفيسبوك أيضا. عنوان الورشة «لماذا أنا على الفيسبوك»، ونسقتها نزهة جسوس.

في الحواري
* حينما ذهبت إلى المغرب، في نوفمبر 2013، أدركنا الكثير من الموضوعات. كما العادة، لم تكوني بعيدة عن التكنولوجيات الحديثة للإعلام، ولكن، في هذا الصدد، عملت على أن تظهري لي كيف يتحقق هذا في شوارع الرباط وصحبتيني إلى ركن تباع فيه الأسطوانات المدمجة. دوما، تجدين أناساً شعبيين في غاية الذكاء ينقلون لك المعلومات. هناك شخصية تتبعك في مختلف أعمالك، زميل أكاديمي يقوم بدور المعارض الجدلي، البروفيسور كامل. هل هو شخص حقيقي؟
** اعتدت على التجول كل يوم، لأربع ساعات تقريبا، في الحواري الشعبية. ومن بينها، حي العكاري. الاستماع إلى الناس والكلام معهم. ذلك مصدر إلهام حقيقي بالنسبة لي. الثقافة الشفاهية مثيرة للشغف. وصحيح أنني أعرف الجديد. أيضا، أندمج بالطبيعة: أحد الأشياء التي أحبها بقوة، التطلع إلى غروب الشمس على البحر. ومن ناحية العكاري، المنظر رائع. بالنسبة لي، أجمل من الذهاب لرؤيته من مقهى أنيق أو فندق خمسة نجوم. أحب كثيرا التفاعل مع الناس، وهو يمنحني الجدل والدعابة اللذين تجدينهما في كتبي. أسر لك أنني أحب متعة رؤية هذا الغروب للشمس في حي شعبي كالعكاري عن دعوتي لمؤتمر. لماذا؟ لأنني لا أحب الكلام إلى جمهور من 1000 إلى 3000 شخص لا يستطيعون مساءلتي عما أقوله في مداخلتي. نعم، كمال موجود! لكنه نتاج أربعة أو خمسة شخصيات أعرفها وأحب الكلام معها: بروفيسور واختصاصي في «ألف ليلة وليلة»، أو زميل سوسيولوجي يعمل في جامعتي... أشخاص من نفس عمري، ولكن الآن، أدرجت في هذه الشخصية شبابا أتحدث معهم أيضا. أحاول التفكير مثل المعلمين الصوفيين.

* تعملين منذ فترة طويلة مع الشباب وليس فقط طلابك الجامعيين، وأيضا أعضاء الجمعيات المدنية، النساجات اللائي أصبحن فنانات كبيرات... الكتاب الصغير: (Les Aites Debrouilles)، الصادر في عام 1998، واضح في عرضه للطريقة التي تمكنت بواسطتها «دوار» – قرية صغيرة في الأطلس الكبير – بمساعدة من الأمم المتحدة، من التطور والتمتع بالقيم المدنية. تلك حكايات حقيقية، وليس توصيات. وهو يشبه كتب أخرى مثل: «فيم يفكر الشباب؟» (2007). منذ فترة طويلة، استعملت شهرزاد أو سندباد رمزيا، وهما شخصيتان أدبيتان في العالم العربي في كتب مثل: «شهرزاد ليست مغربية» (1988) أو «شهرزاد ترحل غربا» (2001). هل ترين أن الأبطال الكلاسيكيين في الدول الإسلامية تم تجاوزهم بفعل حالية الاتصال الراهن؟
** مطلقا، هذه الشخصيات دوما حية في الثقافة الشفاهية. تتكلمين عن كتاب «السندباد المغربي»، الذي يثير اهتمامك كثيرا، حيث كتبت «اعرفوا أن هؤلاء الخبثاء السندباديين الأمازيغ المغاربة الذين يعيشون في عام 2004 لديهم طموح أكبر من أبطال ألف ليلة وليلة. بينما كان سندباد بغداد يبحر في المحيط الهندي في قوارب هشة بدائية الصنع، يكتشف شباب الأطلس الكبير وزاغورة العالم من دون تأشيرة ولا جواز سفر، بالإبحار بخفة على الفضائيات والانضمام إلى الجمعيات المدنية النشطة للغاية». بالنسبة لشهرزاد، بدأت في بعض الحوارات التي منحتها خلال الثورات العربية بالقول أن الشباب، النساء، مثل صحافيات كتاب «جيل.. حوار»، يؤكدون على نظريتي التي ترى أن الثورة العربية تفجرت من القوى الداخلية وليس من الخارج. بدءا من عام 2000، غزت النساء الفضائيات ووضعت حدا لاحتكار الرجال للكلام في الفضاء العام. صورة شهرزاد، المطيعة والمحجوبة، التي تتوقف عن الكلام في الفجر لإطاعة الأمر الذي فرضه زوجها، الملك شهرزاد، تلاشت. مسلحة بتكنولوجيات جديدة، شهرزاد الجديدة، مثل مذيعات الجزيرة أو هؤلاء الصحافيات اللائي أنشأن هذه الشبكة في المغرب، تتحدث طوال اليوم بلا انقطاع.
شهرزاد الجديدة
* تعالجين الموضوعات المختلفة في كتاب «الحريم والغرب» (2001)، بدعابة ومشاركة وجدانية. تحكين، من خلال الحكايات التقليدية، يخشى العرب أن تطير النساء ولذلك يحبسونهن، بينما أن الغرب يسيطر على نساءه بواسطة الإعلانات التي تحضهن على أن يكن نحيفات وشابات. الفصل الأخير عن «مقاس 42 للجوب» رائع ! رأينا في مركز الثقافة المعاصرة في برشلونة معرض لوحات الفنانات اللائي ألهمهن كتابك عن الحريم، وهو المعرض الذي قمت بإلقاء كلمته الافتتاحية في المعهد الأوروبي للبحر المتوسط. في نوفمبر 2013، كنت في زيارتك وتبادلنا الحديث عن كتابك «خمسون اسما للحب.. روضة المحبين لابن القيم الجوزية» كتاب فني جميل صدر في عام 2011 لدى «مرسم»، مع رسوم كاليغرافية لمحمد الدالي ورسوم لمحمد بنور وفاطمة الورديغي. مقدمتك مكتوبة بروح ساخرة. تقومين بلعبة ديالكتيكية مع الإيراني عباس الذي دفعك إلى استخدام الخمسين اسما للحب لدى ابن القيم الجوزية لكي تخلقي لعبة «إلكترونية» حول الذكاء العاطفي!.
** الجيل الجديد في الدول الإسلامية يدهشني دوما بإبداعه، بالأخص مسلمي الناحية الآسيوية: الماليزيين، الباكستانيين، العراقيين، الإيرانيين... يستعملون كتاباتي لكي يبدعوا أعمالا فنية في مختلف المجالات الفنية. تلقيت رسالة إلكترونية من أستاذة جامعية وفنانة باكستانية تعطي دروسا في جامعة نيوجرسي، وحققت عملا موسيقيا مؤسسا على كتابي «شهرزاد ترحل غربا».
* فاطمة، إذا سمحت لي، هل من الممكن الاتصال هاتفيا بك ما بعد الظهيرة اليوم أو غدا لكي تكلميني عن كتابك الذي تعدينه حاليا بالإنجليزية عن الخوف من الإسلام. أتمنى أن تمديني بشيء عنه.
** عزيزتي ماريا- آنجلس، كما أعتبرك أختي، سوف أراسلك بالإجابة التي منحتها لإدريس كسيكس وفاطمة آيت موس عن كتابهما الذي يتناول نفس الموضوع. لديك الآن الكثير من المعلومات للكتابة في «كادران دو لا ميديترانيا».
راسلتني فاطمة المرنيسي باجابتها، مع هبوط الليل، في اللحظة التي تفضل فيها شهرزاد سرد الحكايات لزوجها، الملك شهرزاد:
** أعتقد أن الإسلام يثير خوف الدول الغربية كثيرا في هذا القرن الحادي والعشرين عن ذي قبل، لأن الدين يمحو وجود الحدود الجغرافية التي وضعها الناس ويؤكد على مزية انتقالنا بحرية على الأرض، كما وصفها الله كالبساط في سورة نوح: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا). عزيزتي ماريا- آنجلس، تأملي معي هذه الآية رقم 19 التي سحرتني وقتما كنت طفلة وتدفعني دوما إلى الحركة حينما أشعر بالتعب، الجسماني أو النفسي: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا). إذا كانت لديك مشكلة، إذن، أرفعي الرأس، تطلعي إلى النجوم وتحركي! بمنحنا امتياز الوجود على بيئتنا الكونية، يدعونا الإسلام إلى التجوال في الهند أو بروكسل. وهناك، لا يجب أن ينسى المرء أن الدول الأوروبية، خلال القرن السادس عشر، هي التي ابتدعت الحدود الجغرافية الحالية. وبالتالي ليس من المثير للدهشة أن القوميات الغربية، التي ابتدعت الحدود الجغرافية حينما كانت تستعمر الأرض، أول من حذرت من الكوكبية التي سوف تضعها محل تساؤل وتركز على البعد الكوني لبيئتنا الطبيعية التي تجمع بيننا على نفس الكوكب. فجأة، أصبح الأوروبيون مهووسين بالبيئة! وفي الإسلام، المقدس والطبيعة شيء واحد. هناك بداهة لا تغيب عن عين العلماء الغربيين: إله آلبير آينشتاين هو نفسه إله الفيلسوف الهولندي سبينوزا، الذي ذكر في القرن السابع عشر أن الإله والطبيعة اسمان لنفس الحقيقة، أن الإله هو الطبيعة ذاتها. وبالتالي، حينما يتم منع الحجاب، كرمز مقدس، في شوارع العواصم الأوروبية، نلاحظ على الفور أن الحجاب ينبجس في الأفق، كهاجس، عبر بيئة طالما تم إنكارها! فجأة، عرف الغرب أن العلم لم يمكنه فقط من السيطرة على البيئة، وإنما مكنه أيضا من الانتقام، بإحداث الكوارث المدمرة.
***
أتخيل فاطمة المرنيسي تتأمل غروب الشمس على البحر وتردد بصوت عال: «إذا كان لديك مشكلة، إذن ارفعي الرأس، تطلعي إلى النجوم وتحركي!».

(*) Maria-Angels Roque، Entretien: Mes rencontres avec Fatema Mernissi،.Quaderns de la Mediterrània، Nr. 20/‏21، Barcelone، 2014.

خلل
اللواتي يحملن الشهادات الجامعية العالية يعددن بالألوف بفضل التربية والتعليم الذي تنفق عليه الدولة - حتى لو أن هذه التربية ما تزال لا تفيد سوى الأغنياء والطبقة الوسطى - وفي الوقت الذي يفترض فيه أننا أكثر تحصيلاً للمؤهلات وأكثر مكراً وأكثر تصنعاً، فها نحن بأريحية مبعدات عن السياسة، قضيتنا فينا، تدور في سياق محدد، حيث المسألة الأساسية هي مسألة المكان، فالنساء يُحدثن خللاً حين يظهرن في المكان الذي لا يُنتظرن فيه، ولا أحد عندنا يتوقع رؤيتهن في المكان الذي تتخذ فيه القرارات.

أوهام
يتوهم من يعتقد أن تفوق الشعوب المتقدمة في عصرنا الراهن جاء من ماضيها المقدس أو المشرق الخالي من الأخطاء، إنه لعلى العكس من ذلك كان مليئاً بالأخطاء والمآسي التي وصلت في أحيان كثيرة إلى حد مخجل ومقرف لكثرة ما مُورس فيه من جرائم، لنفتح أية موسوعة تاريخية من موسوعات الغرب، وعندها لا أعتقد أن من يتشاءم من أخطاء ماضينا سيجد نفسه في وضع مريح إزاء تصوره ولابد له من أن يستعيد توازنه.
ويتوهم أكثر من يظن أن نهضة الشعوب الغربية جاءت على طبق من ذهب أو أنها تحرجت من تناول تاريخها بالنقد، بل لقد وضعته على المشرحة دون خوف أو وجل، وقد ترافق هذا بالأقصى أنواع الصراع، زُهقت أرواح كثيرة وصفِّيت عقول جبارة بعنف ولا نظن أن سيرة محاكم التفتيش المرعبة تخفى على مثقف.

كتاب: السلطانات المنسيات (ص 06)

مكبِّر صوت
فاطمة المرنيسي «مكبر صوت»، مع ورش الكتابة التي نظمتها منذ التسعينيات (من القرن الفائت)، منحت النساء، الجمعيات التنموية، الشباب، والمجتمع المدني المغربي فرصة الكلام.
وفي التحقيق الذي أجرته المجلة العالمية «آراب بيزنس» في دبي، العام 2013، صنفت المرنيسي ضمن مئة امرأة مؤثرة في العالم العربي، وقد احتلت المرتبة الخامسة عشرة في الترتيب.