تقارير

أميركا... انتعاش طفيف في سوق العقارات

إيلان موي
محلل سياسي أميركي


تشهد السوق العقارية في الولايات المتحدة انتعاشاً واضحاً بعد سنوات من التراجع مع توقع المراقبين استمرار المؤشرات الإيجابية لتحسن أداء السوق العقارية على امتداد عام 2013، فقد أدت الأسعار المنخفضة للمنازل والتي وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ ما قبل الركود الاقتصادي إلى تسابق المشترين لاقتناء المنازل، وهو ما انعكس على أسعارها التي ارتفعت للشهر العاشر على التوالي، مسجلاً نشاطاً في السوق العقارية هو الأكبر من نوعه منذ عام 2007.
ويبدو أن المنعشين العقاريين حققوا بعض المكاسب خلال شهر ديسمبر الماضي بعد انطلاق مشاريع جديدة لبناء المنازل في السنوات الأربع الماضية، مشجعاً بذلك المستهلكين على الشراء، هذه العوامل ساعدت القطاع العقاري المتعثر في الوقوف على رجليه والعودة إلى الساحة مجدداً باعتباره أحد النقاط المضيئة في الأداء الاقتصادي.
وفي هذا السياق، قالت «تريسي لامب»، التي اشترت مؤخراً منزلاً من ثلاثة طوابق، «قلت لزوجي إنه ربما لن تتاح لنا الفرصة مرة أخرى، وقد شعرت وكأننا سنهدر شيئاً ثميناً إذا لم نشتر المنزل».
إلا أن خبـراء القطـاع العقـاري يحذرون مـن أن الأداء الجيـد الذي ميز السـوق العقارية في الآونـة الأخيرة قد لا يعنـي الرجـوع إلى أيام الازدهار وفترة الرخاء التي شهدها القطاع العقاري قبل الركود، لا سيما وأن حوالي 11 مليوناً من مالكي المنازل يواجهون صعوبات جمة في تسديد الأقساط بسبب انخفاض قيمة منازلهم مقارنة بالفائدة التي يتعين تسديدها، كما أن الأرقام الحكومية أظهرت انخفاضاً أكثر من المتوقع في عملية بيع المنازل خلال الشهر الأخير.
لكن مع ذلك هناك إجماع لدى الخبراء بأن السوق لم تصل فقط إلى أدنى مستوى لها بما لا يستطيع الهبوط تحته، بل إن الانتعاش الأخير في السوق العقارية حقيقة وليس مجرد وهم زائف.
وفي محيط واشنطن على سبيل المثال، يظهر ذلك جلياً من خلال رافعات البناء المنتشرة في كل مكان والتي عادت مجدداً إلى الواجهة وشرعت في بناء المنازل، والحقيقة أن تداعيات هذا الأداء الإيجابي للسوق العقارية لا يمكن إغفال انعكاسها على تعافي مجمل الاقتصاد الأميركي، بالنظر إلى الترابط الكبير بين الاقتصاد والقطاع العقاري.
فعودة هذا الأخير إلى مستويات جيدة في الأداء من شأنه تعزيز الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، بحيث تتجاوز مساهمة القطاع العقاري فيه أكثر من 400 مليار دولار، يضاف إلى ذلك أن الإنشاءات كانت دائماً مصدراً مهماً لتوفير الوظائف.
وبشكل غير مباشر، تنعش صناعات متنوعة من البيع بالتجزئة إلى الحكومات المحلية، وكمثال على التعافي الذي يعرفه القطاع العقاري عودة الطلب على مشاريع «مارك درانفيل سميث»، الذي بنى عدداً من الوحدات السكنية في ضاحية واشنطن وباع منها ست وحدات قبل أن يتوقف البيع مع مجيء الأزمة وما صاحبها من ركود خيم لسنوات على القطاع.
ومع ارتفاع نسبة الحجز على البيوت التي تقوم بها السلطات المحلية إلى 700 في الشهر الحالي فقد المشترون شهية اقتناء منازل فخمة من الطراز الذي يشيده سميث، لكنه فوجئ مؤخراً ابتداء من الصيف الماضي بتلقيه مكالمات تستفسره عن منازل جديدة يريد المتصلون شراءها.
ويُذكر أن قطاع الإسكان يساهم تقليدياً بحوالي 4.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، وإن كانت تلك النسبة تراجعت إلى النصف منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية، بحيث تصل نسبة المساهمة الحالية للقطاع، التي تقدر بحوالي 413 مليار دولار من الاقتصاد، إلى 2.6 في المئة إجمالي الناتج المحلي، وتبرز أهمية القطاع خصوصاً في مجال خلق الوظائف، ومع الارتفاع الملحوظ في معدلات البناء التي شهدتها السنة الماضية بنسبة 28 في المئة عادت نسبة التوظيف لترتفع على نحو ثابت.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى المنعش، «ميلر أند سميث» الذي كان يشغل 150 شخصاً ما قبل الركـود فقط ليخفض عدد العمال إلى 80 فقط، لكن الآن عادت الشركة مجدداً للتوظيف ليصبح عدد العاملين بها 100 شخص.غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني أبداً أن القطاع عاد كلياً إلى مستويـات ما قبـل الركـود، أو أنـه تخطـى المشاكل العديدة التي ما زال يواجههـا، فقد أفادت «جمعية مصارف الرهون العقارية» في الولايـات المتحدة بتراجع طلبات الحصـول علـى الرهون العقارية لاقتناء المنازل خلال شهر ديسمبر المنصرم، كما أن بيع المنازل انحسر خلال الشهر الأخير، رغم استمرار الأسعار في الارتفاع.
وعن هذا الموضوع يقول «جيم أوسوليفان»، الخبير في القطاع العقاري، «نعتقد أن الخيبة الأخيرة في بيع المنازل هي مجرد توقف بسيط في مسيرة الانتعاش وليس تغييراً جوهرياً، لكن مع ذلك لا يمكن الجزم بانتعاش كامل للقطاع وما زلنا ننتظر الأداء خلال الشهور القادمة».
ويرجع التباطؤ في الشراء، حسب بعض المحللين، إلى الشروط الصارمة في الحصول على القروض التي تصعب عملية الاقتراض وانتهاز فرصة سعر الفائدة المتدني، ومع أن الاحتياطي الفيدرالي سيبدأ هذا الأسبوع، في إطار اجتماعاته الدورية، مناقشة حالة القطاع العقاري، فإنه من غير المرجح أن يلجأ إلى سحب الدعم من القطاع بسبب استمرار هشاشته.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»