تقارير

حرب مالي... وتنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي»

سودارسان راجفان
ديابالي- مالي


كان أغلب المتمردين الذين سيطروا على مدينة ديابالي المالية قبل خمسة أيام من الشهر الجاري من الماليين الذين يتحدثون اللغات المحلية سواء في الشمال، أو الجنوب. لكن قادتهم، حسب شهادات السكان، كانوا غير ذلك، فهم غرباء عن المكان ويتحدثون العربية، وبالنسبة لقائد المتمردين الذي يُعتقد أنه من زعماء «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي، فقد شوهد، بلحيته المخضبة بالشيب وعمامته السوداء، محاطاً بستة من حراسه الشخصيين.
وكان الزعيم الإسلامي، وفقاً لبعض الشهادات، يأكل المعجنات المصنوعة في الجزائر وصلصة الطماطم الموريتانية، فيما كان المقاتلون الماليون يعملون كمترجمين، ينقلون إلى الزعيم المعلومات الاستخباراتية، هذا الأمر يؤكده موسى سانجير، البالغ من العمر 71 عاماً وأحد الجنود الماليين المتقاعدين، الذي يعيش بالقرب من منزل يقطن فيه المتمردون، قائلاً «كان المتحدثون بالعربية يتولون القيادة». ويبدو أن ما بدأ كتمرد مالي محلي قد تحول إلى صراع متجذر يقوده تنظيم«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» بمقاتليه المنحدرين أساساً من الجزائر وموريتانيا.
وفي هذا السياق تبرز «ديابالي» التي انتقلت من أيدي المسلحين الإسلاميين إلى أيدي الجيش المالي والفرنسي لتوفر فرصة سانحة لتسليط الضوء على تكتيكات الإسلاميين، ويبدو أن المسلحين كانوا مصممين على توسيع رقعة الصراع ليتعدى القوات المالية إلى الغرب، حيث كان رد الفعل الأول على سقوط أجزاء من مدينة «غاو» يوم السبت الماضي في أيدي القوات الفرنسية والمالية الزاحفة تعهد أحد زعماء «القاعدة» على شاشة قناة الجزيرة بمقاومة ما وصفه بـ»بحملة صليبية جديدة»، مضيفاً أن «الإمارة الإسلامية الجهادية»، ستعاد إلى شمال مالي.
وعن هذا الموضوع قال «برتراند سوريت»، المستشار السياسي لبعثة الاتحاد الأوروبي إلى مالي «يبدو أن المقاتلين يقودهم تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي»، مؤكداً أن «القاعدة أصبحت العمود الفقري للتحركات التكتيكية للمسلحين في المنطقة». وقد يكون لظهور «القاعدة» والمقاتلين الأجانب في الصراع المالي دور مهم في إعادة التفاوض مع المتمردين، لا سيما في ظل انشقاق بعض العناصر المحلية، ما يوحي بأنهم لم يكونوا مرتاحين للاتجاه الذي اتخذه الصراع، لكن الأمر قد يعني أيضاً احتمال مواجهة الجيش الفرنسي لحرب عصابات تتخللها عمليات انتحارية وتفجيرات ونصب الكمائن على غرار التكتيكات التي استُخدمت في أفغانستان، والجزائر، ونيجيريا المجاورة.
ويتوقع الدبلوماسيون الغربيون في العاصمة المالية، باماكو، أن تتمكن القوات الفرنسية بحملتها الجوية وأسلحتها المتقدمة من السيطرة على مدينة «غاو»، بالإضافة إلى المدينتين الأخريين، كيدال وتمبكتو، اللتين تشكلان معاقل المقاتلين الإسلاميين، وذلك في الوقت الذي يتراجع فيه المقاتلون تكتيكياً إلى المناطق السكنية مندمجين مع الأهالي.
بيد أن الصراع الحقيقي في الشمال المالي، حسب المراقبين، سيبدأ على الأرجح لاحقاً، عندما تنتقل مسؤولية تأمين المدن المحررة إلى القوات المالية والأفريقية قليلة التجربة، حيث يمكن لـ»الجهاديين» استغلال فرصة المساحة الشاسعة للمنطقة الشمالية والصحارى المترامية التي أقاموا فيها لسنوات، كي يعيدوا تنظيم صفوفهم وإقامة معسكرات للتدريب.
ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين الذي رفض الإفصاح عن هويته لحساسية الموضوع «السؤال المهم هو: متى يدرك المسلحون أنهم لم يستطيعوا مجابهة القوات الفرنسية في أرض المعركة، وعندما يصلون إلى هذه النتيجة علينا توقع حملة غير تقليدية من العمليات الإرهابية». وخلال الفترة الوجيزة التي أمضاها المسلحون في «ديابالي» تكشفت بعض تكتيكاتهم مثل اتخاذ الأحياء المدنية ملاجئ لتخزين السلاح والذخيرة، وتحويل السكان المحليين إلى دروع، ولتحقيق ذلك كان عليهم إبداء الود والتعامل بلطف مع الأهالي وتوزيع بعض الهدايا البسيطة مثل التمر والفول السوداني، وهكذا أخبر أحد قادة المسلحين ممن يتحدث العربية عبر مترجم مالي، حميدو سيسوما، أنهم لن يستهدفوا السكان المحليين، وبأن ما يهمهم هو قتل الفرنسيين والجنود الماليين، مانحاً إياه سبحة للصلاة كهدية وكعربون على حسن نيته.
وترجع جذور الأزمة في الشمال المالي إلى شهر مارس الماضي عندما استغلت مجموعة من الطوارق الانفصاليين الانقلاب العسكري في العاصمة باماكو للسيطرة على المنطقة الشمالية وطرد الجنود الماليين، مستفيدين في ذلك من الأسلحة المهربة من ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، لكن سرعان ما ركبت التنظيمات الإسلامية المتشددة وعلى رأسها «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي الموجة التحررية للطوارق كي تسيطر على التمرد وتقصي الجماعات القومية العلمانية، فارضة تفسيراً متشدداً للشريعة الإسلامية.
وفي البداية كانت جماعة محلية تسيطر على جزء من المنطقة تدعى «أنصار الدين» بزعامة إياد آغ غالي، وهو أحد القادة البارزين للطوارق وأحد المتشددين الذي قاد المعركة من أجل انفصال شمالي مالي منذ الثمانينات، إلا أنه وحسب المراقبين شرع بتنظيم حزب آخر أكثر قرباً من «القاعدة»، هو «حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» في بسط سيطرته على حركة التمرد، مستغلا في ذلك حاجة «إياد غالي» للمال للحفاظ على تنظيمه، حيث فتحت له «القاعدة» خزائنها المليئة بأموال التهريب والفدى، ولعل ما زاد من تعزيز نفوذ «القاعدة» على التمرد الانشقاق الذي شهدته «أنصار الدين» في الأسبوع الماضي بإعلان جناح منها الانفصال، معبراً عن رغبته في التفاوض مع القوات الفرنسية والمالية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»