عربي ودولي

سكان القاهرة يحلمون بمترو الأنفاق وأثرياء الزمالك يرفضون!

نفى الناطق باسم وزارة النقل أحمد إبراهيم لموقع الاتحاد، حدوث أي تغيير محتمل في خط سير مترو أنفاق القاهرة بمرحلته الثالثة، وتشمل 15 محطة أغلبها تحت الأرض تتوسطها جزيرة الزمالك، أشهر أحياء القاهرة الراقية وذات الخصوصية السكانية، لربط منطقة العتبة بجامعة القاهرة مارًا بمناطق الكيت كات والمهندسين. وأن توقيع عقد تنفيذ المشروع، يوم 9 نوفمبر الماضي، لم يستثن الزمالك من الخط كما أشيع مؤخرًا. لكون تلك المرحلة الأهم والأخطر في خطط المترو الذي سيرفع عدد ركابه من 2 مليون يوميا حاليًا إلى 5 ملايين مستقبلاً.
إذ يربط شرق القاهرة «عرضيًا» بغربها بداية من مدينة السلام ومطار القاهرة لينتهي على حدود الطريق الدائري في إمبابة، بخلاف الخطين الحاليين الأول والثاني: المرج حلوان وشبرا الخيمة المنيب، اللذان يتحركان طوليًا لربط شمال القاهرة الكبرى بجنوبها، في حين أن الثالث يكسر تلك القاعدة مع الخط الرابع الذي يبدأ من الفسطاط بمصر القديمة لينتهي في 6 أكتوبر مروراً بالجيزة والهرم وميدان الرماية.
قبل هذا الحسم الإداري كان هناك حسم لا يقل تأثيرًا من قبل القضاء المصري، حيث قضت في الشهر نفسه، الدائرة الأولى هيئة المفوضين بمحكمة القضاء الإداري برفض دعوى سكان الزمالك بإلغاء القرار الخاص بإنشاء محطة مترو الأنفاق الخاصة بمنطقة الزمالك، وتأييد استكمال خط المترو الثالث، وبذلك أنهت المحكمة الجدل الدائر بين أهالي المنطقة وهيئة مترو الأنفاق لإنشاء محطة الزمالك من عدمها.
ما حدث شكل انقطاعاً عن تفكير التيار العام داخل القاهرة، حيث يتمنى سكان مناطقها المتعددة مرور المترو فيها، لحل مشكلة الاختناقات المرورية التي باتت سمة رئيسة لحياة القاهريين، الذين يقضي أغلبهم ما بين 4 5 ساعات يوميًا بالشارع، إلا أن سكان الزمالك التي تشكل جزيرتهم دورة التاج داخل النيل، كان لديهم إصرار غريب على منع مرور المترو بجزيرتهم، وتغيير مساره، وإن كان يجب أن يمر فلا يجب إقامة أي محطات أرضية داخل الجزيرة.
وتنوعت التبريرات التي سيقت لدعم وجهة نظر سكان الزمالك، فهناك من اعتبر عمليات الحفر ستتسبب بسقوط الكثير من المباني والتي يعود العديد منها لما قبل ثورة 1952، وما تحمله من طابع حضاري وأثري بالقاهرة، نتيجة الهبوط المحتمل بسطح الأرض، كما حدث ببعض مناطق الخط الثاني بالعباسية، فيما أكد آخرون أن المترو سوف يتسبب في زحام مروري أكثر مما هو حادث حاليًا ليصيب المنطقة بالشلل التام. بينما النوايا الحقيقية للرفض تشير لهواجسهم من كون وجود تلك المحطة سيفتح المجال واسعًا لدخول شرائح من الطبقات الشعبية تنتهك خصوصية وهدوء هذا الحي الراقي، ويحوله لمنطقة شعبية أو عشوائية حسب توصيف الكثير من أهاليها، إذ قالت الدكتورة مها الرشيدي، أستاذ الاجتماع التربوي سنكون أقل من سكان بولاق وإمبابة عند مرور المترو بحي الزمالك...!
هؤلاء لم يكتفوا باللجوء لكافة آليات الرفض الداخلي سواء الإعلامي وتوزيع المنشورات أو حتى اللجوء للقانون لزيادة كثافة الضغوط على الدولة ومسؤولي وزارة النقل فحسب، بل لجأوا إلى آلتين للضغط لم تشهدهما مصر من قبل:
أولهما: إرسال خطاب مباشرة للاتحاد الأوروبي يطالبون فيه بوقف تمويل المشروع في استعداء واضح على الدولة، بوصف بنك الاستثمار الأوروبي أحد أبرز مُمولي الخط «تكلفته تبلغ 940 مليون يورو نصيب الاتحاد منها600 مليون قرض مُيسر و40مليوناً منحة لا ترد والبقية تدفعها وكالة التنمية الفرنسية AFD كقرض مُيسر». صحيح أن هناك شخوصاً وقوى سياسية وثقافية لجأت في أحيان قليلة لاستدعاء الضغط الخارجي على الحكومة المصرية، كما حدث في قضيتي هضبتي الأهرام والمقطم، إلا أنها كانت تستهدف الصالح العام في مواجهة مصالح خاصة رضخت لها الدولة في مرحلة ما لظروف عديدة.
ثانيهما: المطالبة بنقل الجامعات والمصالح الحكومية والأجنبية من الجزيرة، حتى لا تكون هناك حجة للمدافعين عن تنفيذ المشروع تحديدًا كليتي الفنون الجميلة والتربية الموسيقية، بنقل المباني والطلاب لمقر الجامعة في منطقة حلوان، حيث هناك الخط الأول.
والقضية هنا ذات شقين رئيسيين تواريا خلف الجدل الصاخب حول تلك القضية، الذي لم ينقطع حتى الآن:
أولهما: إنقاذ القانون، فلو كل منطقة يمر فيها أحد وسائط النقل لجأت للمعارضة والرفض، فلن تكون هناك دولة أو سياسة عامة أو حتى قانون.
ثانيهما: المصلحة العامة للمجتمع، مقابل المصلحة الخاصة لجزء منه. إذ لا يجوز الإعلاء مما هو خاص على حساب ما هو عام. فالجزيرة التي يشكل نهر النيل حاجزاً لخصوصية أهلها ورفاهيتهم، لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يقف حائط صد أمام الاستفادة العامة للمجتمع من المنطقة في منفعة عامة. إذ توجد بالمنطقة 5 كليات يتردد عليها الطلبة أغلبهم من الطبقات المتوسطة أو غير المالكين لسيارات بمعدل يصل إلى 20 ألف طالب يوميًا، ويزيد من معاناتهم قلة المواصلات، والزحمة التي يسببها تركز المارة والسيارات بشارع 26 يوليه، ما يرفع معدل التلوث، وظواهر سلبية يقضي عليها المترو، الذي يمكن أن يمثل طوق نجاه للجميع.
وفي النهاية حسم الأمر لمصلحة الدولة والسياسة العامة، لكون الاستجابة لمعارضة سكان جمهورية الزمالك كان سيخلق سابقة خطيرة تهدد كيان المجتمع والدولة في آن واحد.