صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الصحف البريطانية: علاقات «باركليز» مع قطر أضرت بسمعة المصرف

لندن (الاتحاد)

لا تزال تَبِعات الزلزال الذي ضرب الأوساط المالية البريطانية قبل أقل من 48 ساعة بفعل اتساع نطاق ما بات مُعروفاً بفضيحة «قطر - باركليز»، تهيمن على أبرز وسائل الإعلام في المملكة المتحدة، والتي أفسحت مساحاتٍ واسعة من صفحاتها أمس، لنشر آخر تطورات الفضيحة المرتبطة بالتحقيق الجاري في ملابسات مشاركة جهات قطرية رسمية في حزمة إنقاذ مالي خُصصت للمصرف البريطاني قبل عقدٍ من الزمان، وما ارتبط بذلك من صفقاتٍ مشبوهة ومثيرة للجدل.
وتحت عنوان لافت يقول «باركليز: القضية البغيضة لقطر»، اعتبرت صحيفة «فاينانشال تايمز» - ذات المكانة المرموقة في عالم المال والأعمال في العالم - أن قرار مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الكبرى في البلاد توسيع دائرة الاتهامات التي تواجه مصرف «باركليز» والشركة الأم المالكة له، بسبب تعاملاتهما المشبوهة مع النظام القطري، يبرز «التحديات التي تواجه (هذا المصرف) على الصعيد القانوني وعلى صعيد سمعته» كذلك.
وألمحت الصحيفة في تقريرٍ تحليلي إلى أن انخراط مسؤولي المصرف البريطاني الشهير في هذه الصفقة المريبة مع حكام الدوحة، يتناقض مع مبادئ «الأمانة والنزاهة والتعامل الواضح الصريح»، التي كان يحرص عليها مؤسسو «باركليز»، الذي أُنشئ عام 1690، ليصبح بذلك ثاني أقدم المصارف البريطانية على الإطلاق.
وقال التقرير، إنه على الرغم من نبل هذه المبادئ، فإن «سمعة المصرف لا تزال في تراجع بفعل سجله الجنائي الآخذ في التضخم»، في إشارة إلى المعاملات المثيرة للشبهة التي تورط فيها «باركليز» منذ عام 2008 مع شركاتٍ قطرية مملوكة لحكام الدوحة، في صفقة نجح المصرف بفضلها في تجنب مواجهة سيناريو التأميم الذي طال منافسيْه «لويدز بانك جروب» و«رويال بانك أوف سكوتلاند»، في غمار الأزمة المالية العالمية، وذلك بعدما رفضت الحكومة البريطانية مد يد العون له وقتذاك.
ففي تلك الفترة حصل «باركليز» على حزمة إنقاذٍ، بلغت قيمتها 12 مليار جنيه إسترليني (16.6 مليار دولار أميركي)، كان من بين الجهات المساهمة فيها - بحسب تقارير إعلامية - شركة قطر القابضة، وهي الذراع الاستثمارية لهيئة الاستثمار القطرية، وشركة «تشالنجر يونيفرسال المحدودة» القطرية أيضاً، والتي تُوصف بأنها الأداة الاستثمارية لحمد بن جاسم آل ثاني، الذي كان رئيساً لوزراء قطر خلال الفترة التي جرى فيها التفاوض مع مسؤولي المصرف البريطاني.
ولكن الشبهات التي اكتنفت ملابسات تلك الصفقة، دفعت مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الكبرى إلى فتح تحقيقٍ بشأنها في عام 2012، ليجري خلال السنوات الست الماضية تحقيقاتٍ مع 12 من كبار المديرين التنفيذيين للمصرف، ما أسفر في نهاية المطاف عن توجيه اتهامٍ للشركة القابضة المالكة له وأربعة من مسؤوليها في يونيو الماضي.
لكن المكتب فاجأ الكثيرين صباح أمس الأول بقراره توجيه اتهام ثانٍ طال هذه المرة وحدة العمليات التابعة لـ«باركليز»، مفاده تقديمها ما وُصِفَ بـ«مساعدةٍ مالية لا يجيزها القانون إلى مستثمرين قطريين»، وذلك في إشارة إلى قرار المصرف البريطاني أواخر عام 2008 تقديم قرضٍ بقيمة 2.7 مليار جنيه إسترليني (ما يوازي ثلاثة مليارات دولار) إلى شركة «قطر القابضة». ويشتبه المحققون البريطانيون في أن يكون القرض جزءاً من صفقةٍ جانبية تم إبرامها لإتمام تفاصيل الاتفاق على حزمة الإنقاذ المالي لـ«باركليز».
وحذر تقرير «فاينانشيال تايمز» من خطورة التهمة التي وُجِهت قبل يومين إلى مصرف «باركليز»، قائلةً إن ثبوتها قد يؤدي إلى سحب الترخيص المصرفي الذي تحظى به الذراع المصرفية الاستثمارية لهذه المؤسسة المالية ذات السمعة العالمية.
واستبعدت الصحيفة أن يكون الإجراء «القاسي» الذي اتُخِذَ ضد المصرف من جانب السلطات المُنظمة للقطاع المالي البريطاني، قد أتى بسبب «حدثٍ واحد جرى في غمار ظروف استثنائية متعلقة بالأزمة المالية» التي كانت تضرب العالم قبل عشر سنوات، وهو ما يشكل اتهاماً ضمنياً من «الفاينانشال تايمز» لـ«باركليز» - الذي تمتلك قطر بعض أسهمه - بالتورط في الكثير من المعاملات المريبة على مدار الأعوام الماضية.
اسم قطر لم يغب كذلك عن العنوان الذي اختارته صحيفة «التايمز» - ذات توجهات يمين الوسط - لتقريرها بشأن التهديدات التي تواجه مصرف «باركليز»، والتي تهدد ولو نظرياً بإجباره على التوقف عن مواصلة بعض أنشطته، إذا ثبتت إدانته بتهمة تقديم قرضٍ لمستثمرين قطريين، بهدف حملهم على استخدام أموال هذا القرض لشراء أسهم في المصرف في نهاية المطاف.
ففي التقرير الذي حمل عنوان «اتهامٌ جديدٌ مرتبطٌ بقطر يضرب باركليز»، قالت كبيرة المحررين المصرفيين في الصحيفة البريطانية كاثرين جريفيثز؛ إن المصرف ربما يكون قد تورط في واقع الأمر في انتهاك القانون المعمول به في المملكة المتحدة، والذي يحظر على الشركات المدرجة في البلاد إقراض أموالٍ تؤدي في النهاية لشراء أسهم في هذه الشركات نفسها.
وأشار التقرير إلى أن السيناريو الأسوأ الذي يواجه «باركليز» يتمثل في أن إدانته ستقود إلى إعادة السلطة المُنظمة للقطاع المالي في المملكة المتحدة النظر في الترخيص الممنوح لوحدته الاستثمارية المصرفية للقيام بأنشطتها. وأشارت إلى أن هذه الأزمة قد تقود كذلك إلى توقف المصارف البريطانية الأخرى أو الشركات الكبرى في البلاد عن التعامل مع «باركليز».
ولفتت «التايمز» الانتباه إلى المفارقة المتمثلة في أن حزمة الإنقاذ التي ظن مسؤولو مصرف «باركليز» عام 2008 بأنها ستُجَنبهم التأميم أو الخضوع لشروطٍ حكومية مقابل الحصول على دعمٍ مالي من حكومة لندن، باتت هي نفسها «مشوبةً بالجدل»، في إشارة إلى أن هذه الحزمة قطرية الأموال، هي التي دفعت السلطات في بريطانيا قبل ست سنوات إلى فتح تحقيقٍ مع الشركة القابضة للمصرف.
واستعرض تقرير الصحيفة البريطانية الرصينة تفاصيل القضية التي يواجهها «باركليز» في هذا الشأن، قائلاً إنها تتعلق برسومٍ تُقدر بـ 322 مليون جنيه إسترليني (نحو 446.6 مليون دولار) دفعها المصرف إلى «جهاز قطر للاستثمار»، وهو صندوقٌ ثروة سيادي تابعٌ لقطر، وذلك جنباً إلى جنب مع إقراره للقرض البالغة قيمته ثلاثة مليارات جنيه إسترليني «والذي مُنِحَ إلى هذا البلد (قطر) في صفقةٍ جانبية».
وأشار التقرير إلى أن المحققين البريطانيين يرون أن هذا القرض قُدِمَ «على نحوٍ غير ملائم» بهدف تأمين المشاركة القطرية في حزمة الإنقاذ، على ما يبدو.
ولم تغفل «التايمز» الإشارة إلى أن قرار مكتب مكافحة جرائم الاحتيال في بريطانيا توسيع نطاق الاتهامات الموجهة إلى «باركليز»، فاجأ الكثيرين في أوساط المال والأعمال في البلاد، برغم تأكيدها على أن المستثمرين يستبعدون أن يتم اتخاذ قرار بسحب رخصة مزاولة العمل من الوحدة الاستثمارية المصرفية لـ«باركليز»، نظراً لأن التهم الجاري نظرها ترجع إلى ما يزيد على 10 سنوات، وأن الأشخاص الضالعين فيها لم يعودوا يعملون لدى هذه المؤسسة في الوقت الحالي.
من جهتها، اعتبرت صحيفة «الجارديان» - ذات توجهات يسار الوسط - أن إمكانية لجوء منظمي القطاع المصرفي البريطاني إلى خطوة سحب الترخيص هذه، سيشكل «خياراً نووياً»، في إشارة إلى التبِعات الهائلة التي ستترتب على مثل هذا الإجراء. وأشار تقريرٌ للصحيفة إلى أن المضي على درب أي تحرك من هذا القبيل سيمثل مؤشراً على تصميم المسؤولين عن تنظيم القطاع المالي في المملكة المتحدة على استبعاد الجهات المتورطة في أي صفقات مشبوهة.
لكن التقرير حذر من مغبة اللجوء إلى ذلك الخيار «خاصةً في وقت يجاهد فيه القطاع المالي (البريطاني) للتعامل مع القضايا المرتبطة بخروج البلاد المقرر من الاتحاد الأوروبي».