تقارير

دولة سنية.. لهزيمة «داعش»

تناقش الولايات المتحدة كيفية الرد على الهجمات الإرهابية في باريس. وللأسف، فإن كلا من سياسة الرئيس أوباما الحالية وغيرها من المقترحات الأخيرة تفتقر إلى رؤية استراتيجية للشرق الأوسط بعد هزيمة تنظيم «داعش» فعلياً.
ولا توجد ردود، سوى تلك التي عفا عليها الزمن، للسؤال الأساسي: ماذا بعد «داعش»؟
وقبل تحويل جهود أوباما غير الفعالة إلى حملة عسكرية قوية لتدمير «داعش»، نحن بحاجة إلى رؤية واضحة، بمشاركة حلفاء «الناتو» وغيرهم، حول ما الذي سيحل محلها. ومن الأهمية بمكان حل هذه المشكلة قبل التفكير في أي خطط تنفيذية. والاستراتيجية لا تأتي من البداية، لكن بدلا من ذلك، تتدفق التكتيكات بصورة استنتاجية بمجرد أن نحدد الأهداف النهائية.
والواقع اليوم أن العراق وسوريا اللتين نعرفهما قد ولّتا. وأسست «داعش» كياناً جديداً من التسوية التي تلت الإمبراطورية العثمانية، وحشدت المعارضة السنية المناهضة لنظام بشار الأسد وحكومة العراق التي تهيمن عليها إيران. وبرزت أيضاً، بعد سنوات من الجهود، كردستان المستقلة في الواقع.
وإذا كانت هزيمة «داعش» تعني إبقاء الأسد بالسلطة في سوريا وحلفاء إيران في العراق، فإن هذه النتيجة ليست مجدية ولا مرغوباً فيها. وبدلا من السعي لإحياء خريطة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ينبغي أن تعترف واشنطن بالجغرافيا السياسية الجديدة. وأفضل بديل لـ«داعش» في شمال شرق سوريا وغرب العراق هو إنشاء دولة سنية مستقلة. هذه الدولة السنية لديها إمكانات اقتصادية كدولة منتجة للنفط (وللتأكيد، فإن الأمر قابل للتفاوض مع الأكراد)، ويمكن أن تكون حصناً منيعاً ضد كل من الأسد وبغداد المتحالفين مع إيران. ومن الممكن أن يقدم قادة دول الخليج العربي، الذين يجب أن يكونوا قد أدركوا الآن خطورة تمويل التطرف الإسلامي على أمنهم الخاص، تمويلا كبيراً. وستتمتع تركيا، وهي لا تزال عضواً بـ«الناتو»، بقدر أكبر من الاستقرار على حدودها الغربية، ما يجعل وجود دولة جديدة على الأقل مقبولا.
ويعزز هذا النهج الاستقلال الوظيفي لكردستان. لقد أصبح الأكراد أخيراً قوة كبيرة جداً في المنطقة بالنسبة لبغداد أو دمشق. ولن تتم مداهنتهم أو إجبارهم على التخلي عن الأراضي التي يسيطرون عليها الآن للأسد في سوريا أو الميليشيات الشيعية في العراق.
وما زال الأكراد يواجهون تحديات هائلة، مع حدود غير مؤكدة بشكل خطير، خاصة مع تركيا. بيد أن كردستان المستقلة التي لديها اعتراف دولي يمكن أن تعمل لصالح أميركا.
ومن غير المرجح أن تكون حكومة هذه الدولة السنية الجديدة، لعدة سنوات، كديمقراطية رئيس الولايات المتحدة الثالث توماس جفرسون. لكن هذه منطقة تندر فيها بدائل الجيش العلماني أو الحكومات شبه السلطوية. فالأمن والاستقرار يعتبران طموحات كافية.
وكما فعلنا في العراق مع «صحوة الأنبار» عام 2006، في عملية مكافحة التمرد التي طردت تنظيم «القاعدة» من معقله في هذه المحافظة العراقية، ينبغي علينا نحن وحلفاؤنا تمكين القادة السنة القادرين على البقاء، ومن بينهم السلطات القبلية التي تقدر هياكلها الاجتماعية القائمة. ولا شك أن هذا سيشمل مسؤولين سوريين وعراقيين سابقين بحزب «البعث»، وربما يكون هناك بعض قادة المعارضة السورية المعتدلة، وكلهم مفضلون للمتطرفين الإسلاميين.
وينبغي على الحكومات العربية ليس فقط تمويل الاحتياجات الأولية لتلك الدولة الجديدة، بل أيضاً ضمان استقرارها ومقاومة القوى المتطرفة فيها.
إن اقتراح الدولة السنية يختلف تماماً عن رؤية المحور الروسي الإيراني ووكلائه (حزب الله والأسد وبغداد المدعومة من طهران). فهدفهم المتمثل في استعادة الحكومتين العراقية والسورية لحدودهما السابقة هو هدف يتعارض مع المصالح الأميركية والإسرائيلية ومصلحة الدول العربية الصديقة. لذا، فإن مفاهيم وجود تحالف أميركي روسي ضد «داعش» هي مفاهيم سطحية وغير مرغوب فيها.
ففي سوريا، تريد موسكو الهيمنة على النظام (مع أو بدون الأسد) وحماية قاعدة طرطوس الروسية وقاعدة اللاذقية الجوية الجديدة. وتريد طهران استمرار الهيمنة العلوية، مع توفير الحماية الكاملة لـ«حزب الله» في لبنان وإمداداته عبر سوريا.
وبالنسبة للعراق، فإن روسيا وإيران تريدان عودة الأراضي السنية إلى سيطرة بغداد، وتعزيز نفوذ إيران الإقليمي. وربما تريدان مثل ذلك في كردستان، لكنهما تفتقران إلى القدرة هناك.
إن بعض السنة اليوم يدعمون «داعش» لنفس الأسباب التي كانوا يدعمون من أجلها «القاعدة» في العراق من قبل، باعتبارها حصناً ضد تحكم طهران فيهم من خلال بغداد.
ولهذا السبب، فإنه يتعين على الولايات المتحدة تحقيق هدف بعيد المدى، بعد تدمير «داعش»، يتمثل في إقامة دولة سنية جديدة.

*جون بولتون*
*سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»