دنيا

السبحة: بين صلاة الأصابع ···وثرثرتها


صديقة وفية للرجل كيفما شاءها، فإذا كانت مسبحة
للتدين والتصوف والذكر والتسبيح والتهليل، تصمت لتسمع تسبيحه، وإذا ما كانت للتهدئة النفسية فإنها تلبيه،
وإن كانت للأناقة فهي تزينه، وإن كانت للوقار فهي تمنحه·
تستلقي في باطن الكف، تمارس الثرثرة مع الأصابع، تتبادلانها بصوت مسموع دون كلل
أو ملل، وإذا سهت عنها، أسدلت شعرها ورقدت إلى أن تفاجئها الأصابع مجدداً·
تحقيق- روعة يونس:
تصوير- عمران شاهد



قبل التطرق إلى زمن ظهور المسبحة وتطور شكلها واستخداماتها وأنواعها المختلفة من مسابح ذهبية أو فضية أو مجوهرة، وألوانها المتعددة تبعاً لألوان الأحجار الكريمة (حصراً السبحة العادية ذات 33 حبة) نقف عند اسمها فهو لدى العامة المسبحة وفي الفصحى السبحة ·

دلالة دينية ولغوية

اشتق اسم المسبحة من الناحية الدينية واللغوية معاً من كلمة التسبيح، الواردة في القرآن الكريم في عدة سور، منها آية في سورة الإسراء، ذُكر فيها التسبيح والمسبحين تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ·
أما في مختار الصحاح فالسبحة: خرزات يسبح بها، وهي أيضا التطوع في الذكر والصلاة، ومنه نقول: قضيت سبحتي·
اكتشاف الإنسان البدائي

منذ آلاف السنين، عثر إنسان الكهف على أحجار ملونة، سحرته بجمالها وألوانها وبريقها، فثمة دلائل آثارية تشير إلى أنه بدأ في تجميعها والتعامل معها نظراً لجاذبيتها، فمن أقدم الأحجار والمواد التي استخدمها الإنسان، ما عثر عليه في قبور ترجع إلى أكثر من 20 ألف سنة واحتوت على حبيبات من الأحجار والأصداف والعظام·
لذا نجد في معظم الرسوم التي تصور الإنسان البدائي، يرتدي قلادات من العاج والعظــــــــام، بما يوحي أن فكرة المسبحة تطورت من قلادة إلى مسبحة، وبدأت عند السومريين ثم انتقلت إلى بقية الحضارات الأخرى كالفارسية والهندية، كما تذكر الكتب·

معتقدات وخرافات

ارتبط اهتمام إنسان الحضارات الأولى، في تلك الأحجار، بالخرافات والأساطير والمعتقدات الطبية، فكان الفراعنة يعتقدون أن لقلادة الأحجار الملونة قدرة علاجية! واعتقد الآشوريون بأنها طاردة للأرواح الشريرة· كما وردت خرافات إغريقية عن عقود المرجان تشير أنها دم متجمد، تقاطر من الرأس المقطوعة لميدوسا! وكان العقيق عند الرومان جالباً للمحبة، لذا استخدم بكثافة في هدايا القلائد· وكان رعاة أقاصي آسيا يلبسون السبحة لاعتقادهم أنها تجلب المطر!

استخداماتها قبل وبعد الإسلام

اهتمت الإمبراطورية البيزنطية والرومانية بشقيّها الوثني والمسيحي، باستخدام السبحة على هيئة سلاسل معدنية أو مجوهرات أو أحجار كريمة، كحلي زينة، تحولت بعد ذاك إلى مسلك ديني لدى الرهبان، يحسبون عبرها صلواتهم ودعاءهم· أما في الصين فكانت تُضم حبيبات منظومة في سلك لجمع الأرقام ومتوالياتها· بينما استخدمها الأحباش لغرض العد والحساب·
وثمة اعتقاد بأن أوائل المسبحين في الإسلام، كانوا يستخدمونها سراً وجهاراً لتسبيح الخالق، وبذلك انحصر استخدامها آنذاك في الإطارين الديني والحسابي·
جاء في موقع أرقام الإلكتروني: في العصر العباسي وما تلاه من الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس ومن ثم في فترات حكم المغول والسلاجقة، وانتقال الحكم للفاطميين والمماليك في شمال أفريقيا، انتشرت طرق الحركات الصوفية وحركات الدراويش والسبحة، يحملونها ويتبركون بها ويكررون التسبيح والتشهد، مصنوعة من العظام أو الخزف أو الأخشاب، تتألف من 99 حبة زائداً الفواصل والطربوش ·

حلية رجالية ووسيلة علاجية

ازداد انتشار السبحة أثناء الحكم العثماني في تركيا والعراق ومصر وبلاد الشام، وأضحت السبحات الطويلة من الذهب والأحجار الكريمة، هدايا السلاطين لضيوفهم· إلى أن تحوّلت في بعضها إلى عادة اجتماعية للتسلية، ومظهر شكلي للرجل وحلية خاصة به·
وفي حين يرى بعض الباحثين الاجتماعيين، أن الانشغال بالسبحة يعد وسيلة ناجعة أحياناً للهرب من حالة الغضب، والضغوطات اليومية··· يرى بعض الأطباء أنها بديل معقول للسيجارة، وتساعد كبار السن على مران أصابعهم كما في تمارين الكرة اليدوية لمرضى الروماتيزم· وينصح الأطباء بعدم اقتناء السبحات البلاستيكية من البسطات، لأن ثمة أنواع رديئة تؤذي الأصابع والأظافر·

صديقة النساء أيضاً

باتت السبحة، تصنع وتباع كتفصيل تراثي متصل بالمنطقة، وهدايا ينقلها الحجاج، وصارت تجتذب بعض السياح والأوروبيين لاقتنائها، وتعددت أشكالها وأحجامها وموادها وألوانها إرضاءً للرجل، لأنها أحد أهم الإكسسوارات والحلي التي يستخدمها·
هذا ما يقوله محمد مضيفاً: لكنها ليست مقتصرة على الرجل! فبعض النسوة يقتنينها لغرض التسلي، لذا تتوفر سبحات ناعمة التصميم من الماس أوالكريستال أو الذهب الخالص بلونيه الأصفر والأبيض، لاستخدام المرأة، وهي مرتفعة الثمن نسبياً، تتم صياغتها هنا في الإمارات، والإقبال جيد على اقتنائها·

لكنها·· للرجال فقط

داخل صناديق بلورية فخمة ، يسلب البريق المنبعث منها الأبصار، تصطف سبحات إلى جوار بعضها البعض، أخبرنا موسى عن نوعية الأحجار الكريمة المصنوعة منها، منوّهاً أنها للرجال فقط!
إحدى السبحات من العقيق اليمني وثانية من الياقوت وثالثة من الفيروز الإيراني ورابعة من الجمشت ثم الساردونيكس والماس والذهب الافريقي ثم الكهرمان ثم اليسر الشامي ثم الأوبال ثم الأنيكس التايلاندي ثم الزمرد ثم اللؤلؤ· كلها سبحات رجالية ينعكس بريقها هيبة وجمالاً على الرجل· تبدأ الأسعار من 500 إلى 5000 درهم، وترتفع الأسعار حين تكون من الذهب أو الماس، وتختلف الأسعار باختلاف التاج الطربوش والسلاسل المنسدلة منه، فمنها حرير ومنها ذهب ومنها فضة، باستثناء سبحات يمكن صياغتها حسب الطلب يتجاوز سعرها عشرات آلاف الدراهم·

هدية الملوك

مع أن السبحة تشكّل في عالم الرجل، أداة زينة وإكسسوار، وتعكس رونقاً خاصاً على مجمل مفردات أناقته، وتعدّ إحدى أهم الهدايا (قيل إنها إلى جانب السيف، تعدّ:هدية الملوك) إلاّ أن حملها واستخدامها مرتبط بأصول وتقليد إيتِكيت فلا تستخدم خلال اجتماعات العمل، أو الزيارات الرسمية، أو الشارع أو أثناء قيادة السيارة··· ولكل لون أو حجر معنى ودلالة وتوقيت·
فسبحة الماس لا تُحمل صباحاً، والفيروز لا تحمل في السهرة· وإلاّ فإنها تسلب مظهر الهيبة والأناقة المفترض أن تمنحهما للرجل·