ألوان

«زايد التراثي».. مدرسة مفتوحة على زمـن الأقدمين

رجال المستقبل يتعلمون فلق المحار

رجال المستقبل يتعلمون فلق المحار

أحمد السعداوي (أبوظبي)

أثبت مهرجان الشيخ زايد التراثي قدرته على تحقيق أهداف تربوية عظيمة لجموع الأطفال وذويهم الذين توافدوا على الحدث التراثي الكبير منذ انطلاقه في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، والذي أتاح فرصة فريدة للتعرف المباشر على تراث الآباء والأجداد ووسائل عيشهم وأبرز العادات والتقاليد التي كانت سائدة في زمن الأقدمين، فكان المهرجان ورشة عمل كبيرة لتعلم كل ما يتعلق بالتراث الإماراتي وبالتالي تترسخ معانيه في نفوس الأجيال الجديدة التي حرص أولياء أمورهم على اصطحابهم إلى منطقة الوثبة والتجول في ساحات المهرجان، لأخذ دروس التراث ومفاهيمه بشكل عملي على أيدي خبراء وخبيرات تراثيين أضاؤوا جنبات المهرجان، بما قدموه من أسمى معاني الاعتزاز بإرث الأولين والعمل على توصيله إلى الجميع، من خلال الفاعليات المختلفة في مهرجان الشيخ زايد التراثي المقرر أن تنتهي فاعلياته في الثاني عشر من ديسمبر الجاري.

أروقة المهرجان
تجوالاً بين أروقة المهرجان اصطحب كثير من أولياء الأمور صغارهم لمطالعة الحرف القديمة والمشغولات اليدوية والبيئات المختلفة المكونة للمجتمع الإماراتي من صحراوية وجبلية وبحرية وزراعية، والمنتجات المختلفة والمكونات التي تتميز بها كل بيئة عن الأخرى، كما تجمعت أعداد كبيرة من الأطفال عند ساحة ركوب الهجن والخيل للاستمتاع بمعرفة هذه الألوان التراثية الفريدة، وفي زوايا أخرى تحلقت مجموعة من الفتيات الصغيرات حول إحدى الخبيرات التراثيات اللاتي يرسمن الحناء على أياديهن الصغيرة كواحدة من أقدم طقوس الجمال والزينة لدى المرأة العربية، وليس بعيداً عن هذا يجد الزائر للمهرجان مجموعات من الأطفال، وقد انتشرت في قرية الألعاب التراثية لممارسة الألعاب بنفس الأساليب التي كان يقضي بها الأقدمون أوقات فراغهم، وأخيراً وليس آخراً تميز ركن المأكولات الشعبية بطرائق عمل الأطعمة الشهيرة في المطبخ الإماراتي مثل الهريس والخبيص وخبز الرقاق واللقيمات، وغيرها من المذاقات الشهية التي ميزت المطبخ الإماراتي وجعلت أعداداً كبيرة من الأطفال الصغار تحاول تعلم تلك الطقوس والعادات الإماراتية المتوارثة عبر مئات السنين.
يقول محمد الهاملي، الذي كان برفقة أطفاله يتابعون بعض الحرف التقليدية، إن هذه الأجيال لا تعرف الكثير عن تراثها، ومن الطبيعي أن يقوم أولياء الأمور باصطحاب أبنائهم إلى الفاعليات التراثية المختلفة بالدولة حتى يعرفوا عن تاريخ وتراث بلدهم، وبالتالي تترسخ فيهم هذه القيم والمعاني المتعلقة بالتراث، ويطالعون حياة الأجداد وكيف كانوا يعيشون ويقضون أوقاتهم وحتى وسائل الترفيه لديهم في عصور ما قبل التكنولوجيا ووسائل اللعب الحديثة التي تحمل لأطفالنا أضراراً أكثر منها منافع.

تعلم «الركاب»
ويؤكد الهاملي أن المشاهدة دوماً ترسخ المفاهيم والوعي أكثر من الحكي والتلقين سواء للصغار أو الكبار، ومن هنا فإن إحضار الأطفال إلى الفاعليات التراثية يرسخ في أذهانهم بشكل قوي معاني ومفردات تراثية متنوعة، سواء كان في مجال الألعاب أو الأكلات الشعبية أو الحرف القديمة سواء النسائية أو المهن الصعبة مثل الغوص والصيد وغيرها من الأعمال التي كان رجال الإمارات قديماً يقومون بها حتى يوفروا لأنفسهم سبل الرزق والعيش.
أما حمد محمد الراشدي، فيقول إن المهرجان مناسبة عظيمة لتعليم أولادنا التراث بشكل عملي ومفيد، حيث قامت بناته بتعلم «الركاب» أي ركوب الهجن وكيفية التحكم فيه، وهي تجربة كانت ممتعة جداً لهم، وطلبوا منه أن يأتوا أكثر من مرة إلى المهرجان خلال فترة إقامته، أما ابنه محمد ذي السنوات الثماني فقد اعتلى الخيل لأول مرة في حياته، وبدأ يعرف شيئاً ولو قليلاً عن عالم الفروسية وطرق معاملة الخيل والصفات التي يتسم بها هذا الكائن الذي عاش معه العرب منذ آلاف السنين واستخدموه في أغراض مختلفة، فكان خير عون لهم على مواجهة البيئة الصحراوية على صعوبتها، على حد قول الراشدي.

محاكاة القديم
يقول المهندس إن أفضل ما في زيارات الأطفال لفاعليات المهرجان، أنهم يعيشون التراث بشكل حي ويحاكون العادات والتقاليد لافتاً إلى أن هذا الأسلوب في تعليم التراث من أنجح الأساليب كونه يفتح باب الأسئلة عند الصغار الذين يرون المفردات والأشغال والحرف التراثية والبيوت التقليدية على بساطتها ووسائل العيش القديمة ماثلة أمام أعينهم، ومن خلال إجابات أولياء الأمور أو الخبراء التراثيين على هذا الأسئلة يتعرف الأطفال بشكل عملي ويصيرون أكثر التصاقاً به، وهذا يعتبر نهجاً علمياً حديثاً في التعلم، والذي يتيح للصغار فرصة البحث والسؤال والتجربة، ثم في نهاية الأمر تترسخ فيهم القيم والمعاني التي يبحثون عنها ويجدونها متمثلة في الأشكال التراثية المختلفة، ودليل على ذلك أن ابنته الصغرى حين جاءت إلى المهرجان وشاهدت بعض الألعاب الشعبية القديمة، تعلقت بلعبة «الكيربي»، وطلبت منه أن يشتري واحدة مماثلة لها، علماً بأن هذه اللعبة من الألعاب الشعبية القديمة، والتي بدأت تنقرض منذ عشرات السنين إلا أن فاعليات المهرجان وتفاعل الأبناء معها يعمل على إحيائها وغيرها من أنماط الحياة التي ترسم ملامح الحياة في المجتمع الإماراتي قديماً، أما ابنته الأخرى فقط طلبت منه شراء ملابس تراثية وكنداير مثل التي كانت تستخدمها الجدات على أن تستعملها في المنزل بين أهلها. وهذا بحد ذاته يعتبر نجاحاً للمهرجان والقائمين عليه أنه جعل عقول الصغار تتفتح على تاريخ أجدادهم وجداتهم ويعملون على الاقتداء بهم في الكثير من شؤون حياتهم.

دروس التراث
إبراهيم سعيد اليحيائي، أكد أن مهرجان الشيخ زايد التراثي أصبح عالمياً بكل المقاييس كون القائمين عليه شملوا كل أنواع التراث المحلي ببين جنباته وعملوا على توصيل معانيها إلى الجميع محلياً وعالمياً، غير أن الصغار كان لهم نصيب الأسد في هذا الاهتمام، كونهم الطرف الأكثر حاجة لتلقي دروس التراث بشكل مباشر، وهو ما كان لهم عبر ورش العمل التفاعلية الخاصة بمختلف الحرف، ومنها فلق المحار وصناعة السفن والغوص عن اللؤلؤ، وعرف الأطفال قسوة الحياة البحرية وكيف كان أهلنا قديماً يعانون من أجل العيش والتمسك بالأرض والوطن، ومن هنا يعتبر المهرجان مدرسة مفتوحة على تاريخ الأولين يتعرف من خلالها الأجيال الجديدة على الفارق بين الأشياء التي لم يعيشوها وبين أساليب حياتهم الآن.

صنعها 16 طفلاً إماراتياً
«وديمة».. أكبر دمية تراثية يدوية في الخليج
أبوظبي (الاتحاد)

في واحدة من مفاجآت مهرجان زايد التراثي، أعلن أمس الأول عن أكبر دمية تراثية مصنوعة يدوياً في منطقة الخليج العربي، بأيدي 16 طفلاً إماراتياً، وأطلق عليها اسم «وديمة» وقال عنها الخبير التراثي علي الشحي، إنه تمت صناعتها في قرية الألعاب التراثية، ومع إطلاق الدمية المصحوبة بهاشتاج «وديمة» من أجل زيادة التفاعل مع الدمية الجديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حدث إقبال غير عادي من جمهور المهرجان صغاراً وكباراً لمطالعة الدمية ذات الملامح التراثية الإماراتية الأصيلة، لافتاً إلى أنه من المتوقع أن يحدث هذا الهاشتاج صدىً واسعاً بين عالم المهتمين بالتراث الخليجي عامة، والإماراتي بصفة خاصة.
وقال الشحي، إن اختيار اسم «وديمة» جاء من إحدى الصغيرات اللاتي كن يتعلمن عمل العرائس والدمى التراثية، وبعدما صنعت عروسة صغيرة، تساءلت عن إمكانية عمل دمية كبيرة الحجم تجعل الأطفال يتعرفون على مكوناتها بشكل أفضل ويتفاعلون معها بطريقة أكثر مباشرة، ومن يراها من بنات الإمارات يقتدي بزيها، ويحتذي حذوها.
وأضاف: «يصل ارتفاع الدمية إلى 194 سنتيمتراً، أما عرضها 60 سنتيمتراً، واستغرقت صناعتها مدة 4 أيام». بدورها، أوردت مشرفة تدريب الألعاب التقليدية، شيخة الجنيبي، أنها حرصت خلال هذه المهمة على تعليم البنات كيفية قص الأقمشة بطريقة فنية حتى تساعدهم في إخراج الدمية بهذا الشكل التراثي الجميل، وكذلك كيفية حشوها بالقطن ثم تثبيتها بشكل يحفظ مظهرها من الاعوجاج أو التقوس بسبب حجمها الكبير، وطريقة تثبيت الشيلة على الدمية.
وتتابع الجنيبي: «أكثر الصعوبات التي واجهتهم خلال عمل «وديمة» أنه لم يتم صنعها داخل مصنع باستخدام أدوات دقيقة، بل كل شيء فيها بدائي وبسيط معتمدة على الخياطة اليدوية، وبالتالي كان هناك مشكلة عدم استقامة اللعبة وبسؤال أهل الخبرة، توصلنا إلى أنه لابد من تطعيم الدمية ببعض أشكال الحديد والبلاستيك حتى تمنحها شيئاً من الصلابة، لأنه لو كانت كلها قطنية مستحيل أن تجلس على المقعد بوضع متزن كما يراها الجمهور الآن.
وأشارت إلى أن مكونات الدمية تتمثل في الشيلة، والذهب التقليدي المستخدم في المناسبات التراثية، والقطع القديمة التي كان يلبسها النساء قديماً، وقطن من أنوع الأجواد، وثوب من البريسم المستورد من الهند، إضافة إلى وضع الحناء على أيدي الدمية وقدميها حتى نعطيها مظهراً تراثياً كاملاً.
من جانبه، وصف عبدالله الشحي، الرئيس التنفيذي لشبكة رؤية عجمان الإعلامية، الذي شهد إطلاق الدمية، في قرية الألعاب التراثية المقامة في المهرجان، بالمبادرة الطيبة أن يرى كل هذه الألعاب التراثية ضمن فاعليات مهرجان الشيخ زايد التراثي ومنها الدمية «وديمة»، وهذا يسهم في زيادة ارتباط الأطفال بتراث الأقدمين، كما أن تشجيع الصغار على الوجود بالمهرجان يدفعهم إلى معرفة أنواع ومسميات هذه الألعاب إضافة إلى تفاصيل كثيرة عن حياة الأولين، ومسميات الأشياء التي كانت مستخدمة قديماً ليس في الألعاب فقط، ولكن في كل المفردات التراثية المنتشرة في المهرجان، والتي يشرف على تقديمها وعرضها للجمهور مجموعة من أفضل الخبراء والخبيرات التراثيين في الدولة، كونهم جميعاً من كبار السن وعاصروا ذلك الزمن القديم ومارسوا واستخدموا بأيديهم كل هذا الأدوات التقليدية، وعاشوا التراث بكل عاداته وتقاليده وصار جزءاً من مكونات شخصياتهم، ومن ثم فإن حضور الأطفال إلى المهرجان ومطالعة كل ما فيه يعتبر فرصة لا تعوض لأولياء الأمور في توصيل رسائل تراث الآباء والأجداد إلى الأحفاد بشكل جذاب ومحبب إلى نفوسهم.