الإمارات

البابا شنودة: سعة كنيسة أبوظبي من سعة صدر من سمح ببنائها



حوار - أكـرم ألفـي:

الحوار مع البابا شنودة الثالث بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية مثل الإبحار في نهر النيل، فهو يتدفق في حديثه بسلاسة ويجتاز الجنادل بطريقة سحرية وبابتسامة ترفع التكلف والتوتر المؤقت، فهو بلا شك يحمل مقومات ''الكاريزما'' كافة، فارضاً حضوراً طاغياً بشخصيته القوية وقيادته للكنيسة المصرية أقدم كنائس العالم والشرق الأوسط لنحو 36عاماً·
طاف الحوار مع البابا شنودة الثالث على ضفاف أوضاع الأقباط في مصر وخارجها، ورؤيته لما يحدث في العراق وفلسطين، وسرنا معه على الدرب الصعب لقضايا انشقاق مكسيموس والطلاق بين المسيحيين والخلاف مع العلمانيين وعلاقته بالسلطة والسياسة·
في زيارة هي الثانية للبابا شنودة إلى أبوظبي لتدشين كاتدرائية ''الانبا انطونيوس'' للأقباط الأرثوذكس، جاء البابا حاملاً الشكر والتقدير لقيادة دولة الإمارات متمثلة في صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ''حفظه الله'' وأصحاب السمو حكام الإمارات والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، معتبراً أن سعة الكاتدرائية الأرثوذكية تعكس سعة صدر من سمح ببنائها·
وطوال حديث دام أكثر من ساعة لم تغب الابتسامة عن وجهه، بينما عيناه ثابتتان مثل عين ''قيصر'' يحمل على كتفيه 83 عاماً من خبرة الحياة، وعصاه تجعله مثل الراعي الذي يجوب المسكونة من أقصاها لأقصاها ليعيد الخراف إلى الحظيرة، بينما يراها بعض الناس أداة ''سلطة'' غير محدودة يستخدمها في وجه كل معارضيه، فهذا الشاعر والصحفي والخطيب المفوه يزن كلماته بميزان ''ذهب'' قبل أن تخرج من فمه ·· فكان هذا الحوار:


؟ هذه زيارتكم الثانية لدولة الإمارات العربية المتحدة الأولى في ،1995 واليوم لتدشين كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في أبوظبي ·· ما هو شعوركم تجاه هذه الزيارة؟·
؟؟ بداية فإن علاقة الكنيسة بدولة الإمارات العربية المتحدة بدأت منذ أيام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الذي أرسى السياسة الحكيمة للدولة والتي تعلي من قيم التسامح الديني، والتي كانت وراء السماح للجالية القبطية المصرية بافتتاح كاتدرائية لأداء صلواتهم وشعائرهم الدينية بكل حرية وأمان، وسعة الكاتدرائية تدلل على سعة صدر من صرح ببنائها·
ومن واقع الذين حضروا القداس الأول في الكاتدرائية، فهناك شعب كبير يمكنه ملء الكنيسة وأكبر من اتساعها، فكان المصلون يملأون صحن الكنيسة وملحقاتها· وكما قلت فإن الكنيسة عبارة عن مسؤولية للمصلين أنفسهم، فإنهم أصبحوا بلا عذر لاداء عبادتهم·
؟ يرى البعض أن البابا شنودة الثالث دشن كنائس خارج مصر أكثر مما فعل داخلها·· فكيف تنظر إلى هذا الوضع؟·
؟؟ إن هذا الرأي ليس دقيقاً، فهناك كنائس جديدة عديدة في مصر تم إنشاؤها وإن لم تدشن كلها بعد، هذا بالإضافة بالطبع إلى عشرات الكنائس في الدول العربية وأوروبا وأميركا وأستراليا·
وربما لا يسمع كثيرون عن تدشين الكنائس في مصر بسبب أنني أحب أن تمر الأمور في هدوء، فالأهم لدي هو توافر مكان للعبادة، وليس الاحتفالات المصاحبة لذلك، بينما هذا يترافق عادة مع تدشين الكنائس خارج مصر·
؟ حذر الأستاذ محمد حسنين هيكل في منتصف التسعينيات من تفريغ مصر من الأقباط، فهل تخشى أن يحدث هذا الأمر؟·
؟؟أنا لا أخشى تفريغ مصر من الأقباط، فعملياً اليوم الهجرة لخارج مصر أصبحت أصعب، خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حيث فرضت الدول الغربية قيوداً مشددة على هجرة العرب ولا تفرق هذه القيود بين مسلم ومسيحي· بل إننا نواجه صعوبات اليوم في إرسال الكهنة للكنائس بالخارج، فعلى سبيل المثال خاض كاهن بعثت به الكنيسة إلى بريطانيا مؤخراً امتحانات صعبة للغاية في اللغة الإنجليزية لكي يصرح له بالخدمة·
؟ وماذا عن تفريغ العراق اليوم من المسيحيين بسبب العنف الطائفي؟·
؟؟ إن ما يحدث في العراق اليوم مأساة وقلوبنا مع العراقيين، وما يجري بالأساس هو صراع بين الشيعة والسنة أو بين حلفاء صدام حسين وخصومه، فالمسيحيون ليسوا مستهدفين بشكل خاص أو رئيسي، وإن لحقهم بعض العنف، وهجرتهم هي جزء من هجرة العراقيين بشكل عام من بلادهم بسبب العنف وليس حالة خاصة·
؟ يحذر البعض من حرب طائفية في المنطقة العربية تتصاعد وتيرتها مع ما يحدث في العراق ولبنان والسودان وربما مصر·· فكيف ترى الوضع الراهن وتأثيره على الأقباط؟
؟؟لا يوجد لدينا خوف من صراع طائفي، وعلاقتنا جيدة جداً مع المسلمين والقيادات الدينية المسلمة في مصر، فهناك حفلات الإفطار الرمضانية التي نواظب على تنظيمها كل عام واللقاءات المستمرة وروح من المودة والتفاهم·· وأكرر لا يوجد خوف·
؟ يدور في مصر اليوم جدل حول رفض الهيئة العامة للتعبئة والإحصاء الإعلان عن عدد ونسبة الأقباط من السكان في مصر ·· فما هو السبب في رأيك ؟·
؟؟بداية أؤكد أننا لا نفتخر بالعدد، ولكننا نفتخر بمساهمة المسيحيين في المجالات كافة في وطنهم، فالعدد بالنسبة لنا ليس القضية·
؟كيف ترى قضية انشقاق مكسيموس عن الكنيسة القبطية، وهل تخشى من تأثيراتها على الكنيسة القبطية المصرية؟·
؟؟بالنسبة لماكس ميشيل الملقب بمكسيموس، فلا خوف منه على الإطلاق وليس نوعاً من الشقاق، فقد اعترف بنفسه أن أتباعه ألف شخص، فما قيمة ألف شخص مقابل ملايين الأقباط؟!·
ولا توجد له حتى الآن كنيسة معترف بها رسمياً، ورفع قضية ضد وزارة الداخلية للاعتراف به وخسرها· ووزارة الداخلية قالت إنها تصرح بالكنيسة عندما تكون لها طائفة تعترف بها الدولة، والطائفة تنشأ بقرار من رئيس الدولة فأصبحت القضية ضد الدولة·
؟ ولكن نقل عنك تلميحك إلى دعم البعض في الدولة المصرية لمكسيموس!
؟؟ لم أقل إن البعض في الدولة المصرية يدعم مكسيموس، ففي برنامج تلفزيوني سئلت لماذا يثور الشباب القبطي في القضايا الدينية ولا يثور ضد مكسيموس؟، فكان ردي أنه لو حصلت مساندة من الدولة ''سيهيج'' الأقباط؛ لأنهم سيشعرون أن الدولة ضد الكنيسة، وهذا لن يحدث من قبل الدولة، لأن الدولة لا يمكن أن تخسر ملايين الأقباط لتشتري مكسيموس·
وأجهزة الدولة لا تساند مكسيموس، بل إن هناك تصريحاً من الرئيس المصري محمد حسني مبارك يفهم منه أنه ضده، عندما صرح بأن البابا شنودة هو الرسمي ولن يسمح لأحد أن يأخذ ألقابه وملابسه· ومكسيموس لا وجود له فعلاً، وإذا كان له وجود فهو في حكم عدم الوجود·
؟طفا على السطح مؤخراً صراع بين مجموعة مؤثرة من العلمانيين الأقباط والكنيسة·· فكيف تنظر إلى هذه الأزمة؟·
؟؟بالنسبة للعلمانيين الذين انتقدوا الكنيسة، فلا شعبية لهم على الإطلاق ولكنهم ينتهزون حرية الصحافة في مصر ليرفعوا أصواتهم، وأنا أتذكر أني قلت إنني لا أعرف ماذا يريد هؤلاء، فهم ينادون بالإصلاح فأي نوع من الإصلاح يريدون؟!· وإذا أرادوا شيئاً فهم يريدون تغيير نظام في الدولة، فهم يريديون تغيير تنظيم المجلس الملي، هذا قانون في الدولة·
ومن جهة وجود العلمانيين في الكنيسة، فكل كنيسة لها مجلس من العلمانيين يدير أمورها الإدارية والخدمات الاجتماعية وخدمة الفقراء ومدارس الأحد، والمجالس الملية من العلمانيين أيضاً· وأي إنسان يستطيع أن يدخل ويعمل في الوسط العلماني بالكنيسة، ولكن هذه المجموعة التي تنتقد لا تأتي وتشارك لأنها تعرف جيداً أنه لا تأثير لها على الإطلاق·
إن هؤلاء الذين يصيحون هم أقل الناس عملاً داخل الكنيسة، وإن كان لهم عمل فهو النقد والنقد لا يأتي بنتيجة·
؟ولكن ماذا عن حرمان جورج حبيب بباوي وفصله من الكنيسة الأرثوذكسية؟·
؟؟ أنا لم أحرم أحداً من المعارضين على الإطلاق، رغم أن هناك عشرات الأسباب لحرمانهم· وهم يشتهون الحرمان لكي يملأوا الدنيا ضجيجاً·
أما بالنسبة لجورج حبيب بباوي، فهو في سيرته الذاتية يكتب أنه عضو في الكنيسة القبطية من 1957 إلى 1984 وفي الكنيسة الروسية من 1984 إلى ·2004 يعني أنه ترك الكنيسة القبطية من ·1984 وعندما سئلت لماذا لايحاكم كنسياً؟ قلت كيف أحاكم شخصاً ليس عضواً في الكنيسة!·
فقرار المجمع المقدس له هو أنه فصل نفسه بنفسه عن الكنيسة القبطية بانضمامه لكنائس آخرى، ولكن إذا كان لا يزال يعتبر نفسه عضواً في الكنيسة القبطية فإن الكنيسة تفصله·
وأقول لك إن الذين لا عمل لهم يوجدون لأنفسهم عملاً عن طريق النقد والصياح واستغلال بعض الصحف للتعبير عن وجودهم وليس لهم وجود ·
ونهاية فإني أوكد أن الكنيسة لا تجتاز أزمات كما يظن البعض· أما افتعال الأزمات فيتم لتروج له الصحافة، فالحرية تسمح للبعض بأن يكتب ما يريد ونحن لا نحاسبهم على ما يكتبون·
؟هناك أزمة آخرى خاصة بالطلاق بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس ورفض الكنيسة لتزويج المطلقين، رغم وجود أحكام قضائية بذلك·· فكيف تشرحون لنا موقف الكنيسة من هذه القضية؟·
؟؟في مسألة الطلاق والزواج نحن نحكم بواسطة الإنجيل، وليس لنا حرية التصرف في تغيير أحكام الإنجيل، فالإنجيل لا يسمح بالطلاق إلا بعلة الزني أو تغيير الدين· وأنا لا أملك أن أغير تعاليم الدين، وإلا سنخرج عن المسيحية لمذهب آخر· ونحن أخف من الكاثوليك فهم لا يؤمنون بالطلاق على الإطلاق·
وإذا حكمت المحكمة بالتطليق فنحن عملياً لا نقف ضد المحكمة، فكل إنسان يطلق يذهب إلى حاله، ولكن الكنيسة لا تسمح له بالزواج مرة ثانية، والتزويج ليس من حق المحكمة·
في إحدى المرات قال قاضٍ: ''تلزم الكنيسة بتزويج المطلق''، فقلت لا توجد قوة على الأرض ترغم الكنيسة على زواج خارج الإنجيل، فهذه عقيدتنا·
؟ انتقد البعض دعوتك للمسيحيين للمشاركة في الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية في مصر·· فما هو ردك على هذه الانتقادات؟·
؟؟ السلبية في الأمور الدنيوية ليست هي الطريق السليم للتعبير عن الرأي، قلنا للناس اذهبوا وشاركوا في الاستفتاء بكامل حريتكم بنعم أو بلا، وليس بسلبية الامتناع عن التصويت· عندما يطلب منا واجب لا نقصر في أدائه، ولكننا من ناحية آخرى لا نمتهن السياسة ودائماً أقول إننا كرجال دين ليس لنا وقت للسياسة، وليست هذه مهمتنا ولكن هذا لا يمنعنا كمواطنين أن نبدي رأينا· فإبداء الرأي شيء والاشتغال بالسياسة شيء آخر، وعندما لا نبدي رأينا إما نتهم بالسلبية أو بالخضوع لضغوط من الدولة لكي لا نتكلم·
؟ ماذا عن تمثيل الأقباط في المجالس النيابية ومجلس الشورى؟·
؟؟أنا لا أوافق على تخصيص مقاعد للأقباط، أنا أطلب أن يكونوا ممثلين ولكني لا أطالب بنسبة معينة؛ لأن هذا الأمر له حساسية خاصة، ولا يتفق مع الديموقراطية بشكل عام، لأن هذا الأمر يفهم كأننا نفرض على الناس وضعاً معيناً، ولكن يجب أن يكون الأقباط ممثلين لأن هذه بلدهم أيضاً ولا يصح أن يكونوا غرباء عن سياستها·
؟ للبابا شنوده موقف واضح ضد التطبيع مع إسرائيل وزيارة القدس المحتلة فكيف ترى الوضع اليوم على الساحة الفلسطينية؟·
؟؟ أنا أرى أن اتحاد العرب لازم لمواجهة التعنت الإسرائيلي، وأيضاً التوافق بين الفلسطينيين؛ لآن أي انقسام ليس في صالحهم على الإطلاق· ونحن باستمرار ندافع عن فلسطين والفلسطينيين ونطلب أن تكون لهم دولتهم المستقلة· وأنا رددت على الإسرائيليين عندما قالوا إن الله وعدهم بأرض الميعاد قلت لهم إنهم جاءوا ليس بوعد من الله بل بوعد من بلفور·
؟ البابا شنودة هل أصبحت تغضب من الصحافة أحياناً؟·
؟؟أنا عضو في نقابة الصحفيين منذ أكثر من 40 عاماً، وكنت رئيس تحرير مجلة وأنا علماني، لكن ليس جميع الصحفيين على طريقة واحدة، فهناك صحفي يلتزم بالمبادئ وصحفي يهمه ضجيج الخبر وليس صحة الخبر· وأنا دائماً أقول إنه إلى جانب حرية النشر هناك نزاهة النشر·