ألوان

?الإسـلام?.. ?واليوم ?العالمي ?للمعاقين

بقلم الشيخ الدكتور / يوسف جمعة خطيب المسجد الأقصى المبارك info@yousefsalama.com

بقلم الشيخ الدكتور / يوسف جمعة خطيب المسجد الأقصى المبارك info@yousefsalama.com

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ صُهَيْبٍ - رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (أخرجه مسلم).
وافق أمس الخميس اليوم العالمي للمعاقين، والذي يأتي في الثالث من شهر ديسمبر من كل عام، ونحن في هذه المناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بينه من أمور دينه.
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف أرشدنا إلى ضرورة العناية بالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة الذين أُصيبت أجسامهم وحواسُّهم بأمراض مزمنة، وأصبحوا يعيشون أوضاعاً صعبة نتيجة لذلك، فقد بيَّن - عليه الصلاة والسلام - فضل هذه الشريحة الضعيفة، فقال: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ ?إِلا ?بِضُعَفَائِكُمْ) (?أخرجه البخاري)?.
لقد اهتمت أحكام الشريعة الإسلامية الغراء بالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة اهتماماً عظيماً يرقى إلى أعظم درجات الاهتمام وأسماها، حيث إنَّ النصوص الشرعية تحثُّ أبناء المجتمع الإسلامي على وجوب رعايتهم والوقوف بجانبهم ليحيوا حياة كريمة، فقد طالب القرآن الكريم المسلمين بكف الأذى المعنوي عن المُعَوَّق، كما ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ........} سورة الحجرات الآية (11).
إن أبناءنا الكرام من ذوي الاحتياجات الخاصة يُشكلون شريحة مهمة في مجتمعاتنا، فهم إخوة لنا، وما حَلَّ بهم من بلاء لا يُقَلِّل من شأنهم ولا يُنْقِصُ من قدرهم.

علماء أفذاذ
لقد كرَّم الإسلام جميع أبنائه من دون تمييز لجنس، أو لون، وأوجب رعاية أفراد المجتمع والإحسان إليهم، وبين أن لكل فرد دوره في المجتمع، وفي مقدمتهم ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم جزءٌ مهم من مكونات المجتمع، ولهم دور بارز في رفعته والنهوض به كغيرهم من الشرائح، بل وقد يتفوقون على غيرهم في كثيرٍ من الأحيان، حيث نبغَ عدد كبير منهم فتولوا رئاسة الجامعات والمعاهد العلمية وألفوا المجلدات خدمة لدين الله، فمنهم على سبيل المثال: الإمام محمد بن عيسى الترمذي صاحب كتاب السنن وهو من أشهر علماء الحديث وكان ضريراً، وكذلك الإمام الأعمش شيخ المحدثين، كان أعمش العينيين، والإمام قالون أحد أشهر أئمة القراءات كان رجلاً أصم لا يسمع، وعطاء بن أبي رباح الفقيه المعروف الذي كان ينادي عنه في موسم الحج «لا يفتى الناس إلا عطاء بن أبي رباح»، حيث حدّث أحد خلفاء بني أمية أبناءه عنه قائلاً: يا أبنائي تعلموا العلم فوالله ما ذللتُ عند أحدٍ إلا هذا، عطاء بن أبي رباح كان رجلاً يصفه الذين ترجموا له بأنه كان أسود، أفطس، أعرج، أشل، وكذلك ابن الأثير صاحب الأصول كان مصاباً بمرض في ركبته ولم يستطع الأطباء معالجته، فقال لهم: دعوني إنني لما أُصبتُ بهذه العاهة ألفتُ جامع الأصول ويتكون من أحد عشر مجلداً.

أصحاب الهمم العالية
إن ذوي الاحتياجات الخاصة لا ينقصهم الذكاء ولا الاجتهاد، فهم كغيرهم أسهموا في نشر العلم والنور، والدفاع عن الرسالة الإسلامية عبر التاريخ، ونحن هنا نذكر أمثلة لأولئك الأعلام الأفذاذ، ومنهم:
-عبدالله بن عباس : هو عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقد كان – رضي الله عنه – أحد فقهاء الصحابة، كما برع في التفسير، ومن المعلوم أن عبدالله بن عباس قد اشتهر بروايته للحديث، وقد فَقَدَ - رضي الله عنه - بصره في أواخر عمره، فصبر على ذلك لما فيه من الأجر العظيم .
- عبدالله بن أم مكتوم: عبدالله بن أم مكتوم من الصحابة الكرام وكان أعمى ذهب إلى النّبي- صلى الله عليه وسلم - ليجلس معه، فأعرض عنه لانشغاله بدعوة صناديد قريش وسادتها لعلَّ الله يشرح صدورهم، فجاء عتاب الله لنبيِّه في آيات تُتْلى إلى يوم القيامة {عَبَسَ وَتَوَلَّى *أَن جَاءهُ الأَعْمَى...} سورة عبس، الآيتان (1-2)، وكان - صلى الله عليه وسلم - يستقبله قائلاً: «أهلاً بمن عاتبني فيه ربِّي».
- عمرو بن الجموح: هو عمرو بن الجموح أحد الصّحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – كان من أشراف العرب، وَمِمَّن يُشار إليه بالبنان، وكان – رضي الله عنه – يعاني من عرج شديد، شهد – رضي الله عنه- بيعة العقبة الثانية، كما شهد مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – معركة بدر، فلما جاءت غزوة أحدٍ عزم – رضي الله عنه- على المشاركة في المعركة، لكنَّ أبناءه أجمعوا على منعه، لأنه شيخ كبير طاعن في السن، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج، فغضب الشيخ أشدَّ الغضب، وانطلق إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يشكوهم، فقال يا رسول الله: إنَّ أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير، وهم يتذرعون بأنِّي أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنّة، فقال الرسول لأبنائه: «دعوه، لعل الله عزَّ وجلَّ يرزقه الشهادة»،وبالفعل استشهد- ?رضي ?الله ?عنه- ?ومعه ?ولده ?خلاد ?في ?معركة ?أحد.?
وبهذه المناسبة فإننا نوجه مناشدة للمؤسسات العامة والخاصة بضرورة رعاية المعاقين ليتمكنوا من تلبية احتياجاتهم الضرورية، وليحيوا حياة كريمة، ولنعمل سوياً على إقامة المشاريع الإنتاجية الخاصة بهم، وضرورة دمجهم في المؤسسات والجمعيات.