الإمارات

عندما يخطف المتطرفون الإعلام؟!

أحمد مصطفى العملة

في الظروف الطبيعية التي يمر بها العالم، عندما ينعم أغلب سكانه بالسلام، تهيمن في العادة أصوات عاقلة رزينة على الساحة السياسية والإعلامية.. لكن الأمر يبدو على النقيض من ذلك تماماً في أوقات الحروب والأزمات والاضطرابات.
فعندما تعصف رياح التوترات بالمجتمع الدولي يزداد الصراخ، ويقفز إلى مقدمة الصفوف أصحاب الأصوات الزاعقة. وهؤلاء يأتون في العادة، من أقصى اليمين أو من أقصى اليسار، يميزهم صوت عالٍ وضجيج شديد وتصريحات ومواقف صادمة، أبعد ما تكون عن التعقل والاتزان. وفي الأغلب الأعم، يعمدون إلى إثارة الكراهية والتعصب الديني والعرقي بين الشعوب، بل وبين طوائف المجتمع الواحد.
وبسهولة شديد يمكن أن تضع يدك على عشرات من رموز هذا المعسكر في أميركا ومصر وبريطانيا وفي دول شتى.
فهذا عصرهم الذهبي، حيث يغلي العالم بالأزمات والحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وربما هذا بالتحديد هو ما يمكن أن يجمع بين أسماء، مثل ريهام سعيد الإعلامية المصرية، ودونالد ترامب الملياردير الأميركي المرشح لانتخابات الرئاسة الأميركية، وكاتي هوبكنز نجمة التلفزيون والمذيعة المذيعة البريطانية الشهيرة.
القاسم المشترك بين الثلاثة هو قدرتهم المذهلة على إثارة الجدل بأفكار ومواقف وتصريحات بالغة الغرابة والتطرف السياسي في بعض الأحيان.
فالمذيعة المصرية ريهام سعيد، مثلاً صارت صاحب مدرسة مذهلة في الإعلام القائم على التهويمات والتبسيط المخل البعيد عن المنطق لمختلف القضايا، ناهيك تجاوز كل حدود مهنية معتبرة، وإثارة النعرات العنصرية ضد البعض.
وترامب من جانبه، لا يفوت فرصة إلا ويضرب بعرض الحائط كل ما هو عقلاني فيما يتعلق بقضايا المرأة واللاجئين والاقتصاد والعلاقات الدولية.
أما كاتي هوبكنز، لمن لا يعرفها، فهي التي وصفت اللاجئين العرب، بمن فيهم الطفل السوري إيلان، في مقال كتبته بصحيفة الصن بـ «الصراصير»، وهي أيضاً التي طالبت السلطات الأوروبية باعتقال اللاجئين، وحرق القوارب التي تقلهم.
مثل هذه الأصوات غير المتزنة ليست نماذج فريدة من نوعها. فهم يمثلون تيارات في مجتمعاتهم. وقد عرفتهم البشرية على مدار تاريخها، لكن خطورتها فيما مضى كانت محصورة في نطاق ضيق للغاية، بالنظر إلى محدودية قدرتها على التواصل والتأثير في جمهور كبير.
غير أن خطورتها تتعاظم مع انتشار وسائل التواصل والإعلام، فالصخب الذي يحدثونه حولهم وقدرتهم الاستثنائية على طرح المزيد من الأفكار الصادمة في مجتمعاتهم، توقع وسائل الإعلام في فخ غريب، يجعلها تسلط الضوء عليهم بطريقة مبالغ فيها.
وعندما يحدث ذلك من دون الاهتمام بتقديم قراءة نقدية تدحض ما تطرحه من آراء، يصبح الخطر شديداً، لأن خبرة التاريخ تقول إن ترويج وسائل الإعلام بحسن نية أو بسوء قصد، لمثل هذه التوجهات في أوقات الأزمات، أوقع العالم في حربين مدمرتين في النصف الأول من القرن العشرين.