الملحق الثقافي

فكر من جمر ورماد

المهاجرون بريشة جاكوب لورنس

المهاجرون بريشة جاكوب لورنس

اختيار وإعداد: عبير زيتون

«اعتقادي أن مجتمعنا سيتحول يوماً إلى مجتمع حديث فعلاً، وأننا سنتمكن من تجاوز النظام البطركي، وبنيته المتخلفة، لنبني عالماً عربياً جديداً، عالماً حراً مستقلاً يعيد لنا كرامتنا الإنسانية، شعباً وأفراداً».. بتلك الطاقة أغمض المفكر الفلسطيني الراحل الدكتور هشام شرابي (1927 2005) عينيه، ورحل من بيروت عن عمر يناهز 78 عاما، قضاها بحثا أكاديميا رصينا وعميقا، فكان واحداً من كبار المثقفين النهضويين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، الذين توصلوا بعد رحلة فكرية وأكاديمية طويلة، ومضنية إلى لحظة الحقيقة العلمية في رحلته الطويلة في دراسة المجتمع العربي، وأسباب تخلفه، بتوصله إلى حقيقة والمتمثلة في البنية الأبوية/‏‏‏ البطريركية، المتحكمة إلى يومنا في نسيج حياتنا قادمة من الموروث القديم، حاملة هيمنتها وقسوتها واستبدادها والنتيجة الحاصلة حسب رأيه التخلف في شتى الصور والمجالات الحياتية.
لم ينشغل مفكر عربي في تحليل أزمة المجتمعات العربية، مثل انشغال المفكر هشام شرابي، فدرسها في تداعياتها المختلفة، وذهب في مشروعه الفكري عميقاً إلى النواة في العائلة، وفي النسيج الاجتماعي، لأجل حل إشكالية التخلف، وبحث عن مخرج معاصر لدوامة الأسئلة المكرورة، مطلقا صرخته المدوية: إن المجتمع والعائلة صنوان للتغيير، وأنه لا يمكن لواحد منهما أن يتغير دون أن يتغير الآخر. عاش المفكر هشام شرابي بعد أن حرم من وطنه في أميركا، فعمل أستاذا لتاريخ الفكر الحديث في جامعة جورج تاون في واشنطن، وأصدر العديد من المؤلفات الفكرية النهضوية بالانجليزية والفرنسية والعربية، تركت بصماتها في الفكر والثقافة العربية ليومنا هذا.
هذه المقتطفات مستمدة من كتاب «مقدمات لدراسة المجتمع العربي» وكتاب «النقد الحضاري للمجتمع العربي» وكتاب «المثقفون العرب والغرب» وبعض من كتاب «جمر ورماد».

* إن الإرادة المتفهمة للتاريخ والقادرة على التريث في ظل التاريخ، قادرة على تفهم حتمية التاريخ، والفوز بالحرية التي يسبغها هذا التفهم.
* عندما نفيق من ذهولنا ندرك أن الكوارث تؤدي أحيانا إلى اليأس، وأحيانا إلى ترسيخ إرادة الصراع، كان هذا أول درس أتعلمه من الجدلية التاريخية.
* التحرر الذهني يتطلب عملية غسل للدماغ، جذرية وطويلة المدى وإعادة نظر في جميع ركائز الفكر الموروث، والمستمد من الثقافة المهيمنة وإخضاعه للنقد المستمر.
* لماذا نقبل في أعمالنا ما نرفضه في أقوالنا وتفكيرنا الخاص، ما الأسباب الاجتماعية الموضوعية، وما الدوافع النفسية الذاتية، التي تضع هذه الهوة بين ما نرمي إليه بالقول، وما نفعله بالممارسة، فنبقى غائصين في تناقضاتنا عاجزين عن تغيير وضعنا؟
* التربية والتثقيف في العائلة العربية يهدفان إلى قولبة الفرد على النحو الذي يريده المجتمع وتقرره الثقافة المسيطرة على نمط حياتنا في مجتمعاتنا.
* إن الإرهاب والقهر والاضطهاد والرضوخ التي يعانيها الإنسان العربي اليوم في مجتمعه، هي نفسها التي عانيناها في طفولتنا وفي فترة تربيتنا وتثقيفنا.
* إن حياة العربي تبدأ وتنتهي بالتلقين، أما العنصر المشترك بين التلقين والعقاب فهو أن كليهما يشدد على السلطة، ويستبعد الفهم والإدراك، ويدفع إلى الاستسلام، ويتعلم الطفل أن يقبل دون اعتراض، أو تساؤل عن سيطرة القوي والمتعلم وهو من خلال ذلك يتعلم اللغو والمسايرة.
* في المجتمع العربي القائم على سيطرة الرجل، ميل عفوي إلى الإفراط في تضخيم دور الرجل، والتقليل من أثر المرأة، رغم أثرها العميق في تكوين العائلة وتكوين شخصية الطفل.
* الطاعة في العائلة العربية هي نتيجة الخوف من العقاب أكثر مما هي نتيجة الحب والاحترام.
* السلوك المبني على افتراض أن الغد يهتم بنفسه قد يكون مفيدا من الناحية النفسية، ولكن نتيجته العملية هي انعدام السيطرة على المستقبل، فالماضي هنا مجيد، والمستقبل فيه مكافأة الجنة.
* الاضطهاد في مجتمعنا ثلاثة أنواع: اضطهاد الفقير، واضطهاد الطفل، واضطهاد المرأة، ولا أبالغ في قولي: إنه من المفجع أن يولد الانسان أنثى في مجتمعنا، ومهما حاولنا إخفاء هذا الواقع، أو تبريره، فالحقيقة بارزة أمامنا، وهي تصفعنا كل يوم.
* لقد أتانا الغرب مبشرا بالمثل العليا بالحرية وبالعدالة وبالمساواة، ولكنه في ممارسته لهذه القيم كان شيئا آخر، نظرته لنا كانت نظرة السيد إلى العبد، وتصرفه اتجاهنا كان على حساب مصلحتنا، ولم يقم لنا أي اعتبار كبشر لهم أمان ومصالح وأهداف، وكان الثمن الذي دفعناه لتأمين مصالح الغرب وازدهاره هو بؤسنا وضياعنا وتخلفنا.
* إذا كان لنا أن نجابه التحدي الغربي، وأن ننقلب عليه فلابد من خلع سيطرة الغرب الحضارية، كما خلعنا سيطرته السياسية، ومن دون ذلك لا يمكننا أن نتفاعل تفاعلا سليما معه، ولا يمكننا أن نتحرر منه، والاستعمار الحالي هو استعمار نفسي.
* كشفت معاناتنا في العقود الخمسة الأخيرة عن عقم الأيديولوجيات المتحجرة، وعجز الأحزاب والقيادات الثورية عن إحداث التغيير المطلوب، وأدت بنا كما هو الحال اليوم، إلى الهرب نحو الماضي للتخلص من الحاضر، وإلى اللجوء إلى الغيبيات الدينية للتحرر من الوضع الراهن وآلامه.
* يبدو جبن المثقف العربي، وتذبذبه الفكري بوضوح تام في موقفه المتردد تجاه السلطة الدينية، والتيار الأصولي، من هنا فإن مجابهة التيار الديني الأصولي مجابهة صريحة وكلية، تشكل جزءا لا يتجزأ من مهمة الحركة النقدية الحديثة.
* الدين الإسلامي ليس حكرا على فئة من المسلمين، تملك فيه حق التفسير والتأويل دون فئة أخرى من المسلمين، من هنا يجب اعتبار الحركات الدينية الأصولية حركات سياسية، تسعى باسم الدين إلى التوصل إلى أهداف سياسية.
* إن الخطر الذي يجابهه المثقفون والكتاب والناقدون العرب اليوم هو الابتعاد عن معالجة الواقع الحالي بإشكالياته الاجتماعية والسياسية والانصراف أكثر وأكثر إلى معالجة الإشكاليات الإبستيمولوجية، واللغوية التي تشغل أصحاب الكتابات البنيوية، والتفكيكية في الغرب.
* إن سبب إخفاق المصلحين العرب يعود إلى أنهم قبلوا بموقف مساوم ضعيف، وإلى أنهم عالجوا القضايا الحياتيّة الملموسة من خلال التجريدات العقائدية لا من خلال الواقع الحيّ والمعاش. كما أن أخذهم الساذج بالعقل قد أوقعهم في مناظرات سياسية عقيمة.
* جميعنا ندرك أننا سنموت، لكننا نتحول عن الحقيقة المفزعة، إلى الإيمان، أو المقولات المتداولة والكلمات الشائعة، نشهد موت الآخرين، أما موتنا نحن فلا نراه، ندفع به قدما إلى مستقبل مجهول لن يأتي.
* الهجرة تعني الاقتلاع وبدء حياة جديدة، إلا أنني لم أقتلع من وطني ولم أبدأ حياة جديدة في وطن غيره، بقيت جذوري مغروسة في أرض، كنت بعيدا عنها.
* إن التراث الذي ينبغي دراسته والحفاظ على إنجازاته هو التراث الذي صنعته الأجيال الثلاثة أو الأربعة الماضية.