الملحق الثقافي

دم الياسمين: اختناق ثلاثي الأبعاد

أمرُّ على دمشق فلا أراها لأن القصيدة عمياء والجغرافيا سافرة (تصميم ثلاثي الأبعاد للفنان فيليب زوبك)

أمرُّ على دمشق فلا أراها لأن القصيدة عمياء والجغرافيا سافرة (تصميم ثلاثي الأبعاد للفنان فيليب زوبك)

- لا بد أن تأتي معي !
- ما أنا بِبَحّار..
- يكفي أنك لست كذلك!
بحار بلا مراكب ولا أشرعة، لم يسبق له أن ركب البحر يوماً، كأنه سندباد غجري يخرج من خريطة الرحلة كجزيرة مجهولة، لا وجود لها سوى على متن قارب يعلمه الحكمة ودروس البحر، ويعينه على التحلل من جسده الفيزيائي مراعاة لتركيبته المجازية، على الطريقة الساراماغوتية التي تؤثث لأمكنة يخترعها خيال الأخيلة.
أنت إذن لا تحتاج لكارتوغرافيا بطليموس ولا خرائط الإدريسي، كل ما ستحتاجه فقط هو ورقة بردى معتقة بدم الياسمين الدمشقي!
وآه يا دمشق، يا غرناطة الشرق، ما هو المجهول؟!
لو كانت الجنة تحفة الغيب، لاكتفينا بما قاله ياقوت الحموي كي نطلع على خريطة النعيم: «ما وصفت الجنة بشيء، إلا وفي دمشق مثله»... ولا تضارب بين تاريخين أحدهما ما ورائي والآخر لا غيبي حين تتأمل المفارقة التاريخية بكوْنِ آدم أول المواطنين في الفردوس هو ذاته أول سكان الأبدية في جنة الشرق كما أسماها أبو الحسين ابن جبير، ولكنها في كل أحوالها جنة غرناطية مفقودة تعبر عنها وشيجة «الأنتونيمز» في بيت المتنبي:
أبوكم آدم سنّ المعاصي
وعلّمكم مفارقة الجنان
بين أوغاريت أول الأبجديات على الساحل السوري وبين ما كتبه درويش: «في دمشق أرى لغتي..»، تصبح المدينة كتاب الغيب المحفوظ في ألواح اللغة التي هي أول الكارتوغرافيات إلى الغيب، بالتالي يمكنك الاعتماد على ما قاله آندريه بارو، مدير متحف اللوفر الفرنسي: «على كل إنسان مدني أن يتخذ له وطنين، وطنه الذي يعيش فيه، والوطن السوري»، لتتأكد أن اللغة هي وطن البشر الأول، وجنة الأبجدية.

هرمون اللغة
القليل من هرمون التوازن بين الميتاناراتيفي والناراتيفي كاف إذن، ليتزأبق الكاتب في ثيرمومتر سردي قد يغفر له تذبذب العناصر الروائية تحت درجة حرارة ثابتة هي درجة الغليان!
إنما هي أرجوحة الجحيم التي تدخل اللغة في متاهة البروتوكولات الرثائية خلال الحروب الأهلية، فماذا تقول؟
لا تقل شيئا!
عد إلى ساراماغو في جزيرته المجهولة، حيث يمسك بكل خيوط المجاز بميزان حرارة هو القلم، قلمه هو الحقيقة الوحيدة في كل هذا الملكوت التخيلي، وهو عكس اللعبة الدرويشية، فالمكان فيها ليس ميثولوجيا، لأن الشاعر يبحث عما يحرره من الأبعاد الميثولوجية (للكاريكتار اللغوي) فلا يجد سوى الشام:
«في الشام/‏ أعرف من أنا وسط الزحام/‏ يدلّني قمر تلألأ في يد امرأة عليّ/‏ يدلّني حجر توضأ في دموع الياسمينة ثم نام».. من أجمل إذن: البحث عن المكان في المجهول، أم البحث عن المجهول في المكان؟
بغرابة ما، يتواءم المجهول مع اللا مجهول حتى يصبحا وجهين للغة واحدة، لا بل إن دمشق عند درويش تغنيه عن لغته، عن كل بلد، وكل أحد: «في دمشق ينام الغريب على ظله واقفاً..لا يحن إلى أحد أو بلد». وبين الأبدية وسؤال الوجود تزيد الآلهة مدينة، تقتل الشاعر دون أن ينتبه، لأن حضور المكان طاغ على أي غياب آخر لمن سواه في حضرته، المكان صريح واضح بل إنه بوصلة البحث عن كل العناصر التي لا يكتمل وجودها سوى به، أما السفر من لشبونة مثلاً إلى بورتو عند خوسيه ساراماغو يمر بطريق متعرجة غير مباشرة، لأن المكان هنا ليس بوصلة إنما تيه، بحيث تمر اللغة على كاستيلو لانكو وهو أمر يراه سخيفاً لأنها تقع على الحدود الإسبانية البرتغالية بينما تقع بورتو ولشبونة على الساحل الغربي للبرتغال!
نحن لا ننتقص من قيمة المجهول أو التيه في اللامكانية الساراماغوتية، بالعكس، يبدو التيه غاويا مكتوياً بلذة البحث عما لا يمكن العثور عليه، إنه تلغيز للجغرافيا، وفي هذا سحر لا يمكن أن يضاهيه سحر سوى تلغيز الزمن الوجودي للذات، دون إنكارها أو تنحيتها بقدر ترسيخ وجودها بالعامل المكاني وحده دون سواه.

جيولوجيا الأسطورة
أنا لا أكتب عن دمشق لأجل دمشق، إنما لأُمَجِّدَ الكتابة، أمُرُّ على دمشق في الخارطة فلا أراها، تضيع المسافة المرتدة من قفزة الصورة الذهنية إلى الصورة الموجزة، وتنحصر بين الكارتوغرافيا والكوروغرافيا، لأن السمات الهيكلية تجسم وتشي المكان، المكان ليس كتلة، والكتابة ليست أداة رصد، بحيث لا يمكنك مثلاً أن تفسر انفراط الرمان من دمعة نيزك في النيروز السوري، عندما تدرس الظاهرة الجيولوجية بعيداً عن الفلكلور الجيولوجي لخاصية الخصب، التي تسير ضمن هواجس نسوية تتخذ من الورد رقية، في حين تخاف عليه من جرح المناديل في التقويم السري لتفتح القمر!
أمرُّ على دمشق فلا أراها، لأن القصيدة عمياء والجغرافيا سافرة، أو كأن الجواهري تعمد ألا يقول ما أقصده فيما لم يقصده هنا:
وكان قلبي إلى لقياك باصرتي
حتى اتهمتُ عليك العين والحدقا

زهرة النار
يتعرق السم الآن، يتصبب من حفيف قنبلة متأهبة للانقضاض على زهرة النار، يتلوى وجع الجمر في هسيس اشتعالها تصاب المدينة باختناق ثلاثي الأبعاد، فتحترق دمشق !
إنه احتراق ذاتي، ولكنه لا يبدأ من الداخل إلا عضوياً، إنما يرتطم بمؤثر كهربائي ساكن يفجر طاقة مكبوتة، تتصادم الذرات لخلل ما فيحدث التفاعل النووي في عروق زهرة، لم تكن في حقيقتها سوى زهرة من نار !
هناك مدن قابلة للاشتعال، لا تحتاج إلى مواد حارقة، وقد لا يلزم لحرقها سوى التباس فهم بين الحب والحرب، يثير غبار الرماد فيرفع من درجة حرارته ويهب مرة واحدة، ثم يتقلص إلى غبار بركاني يحول زهرة النار مع الزمن إلى جثة إسمنتية متحجرة...
هناك من غرفة الحمم يتصاعد عمود من الانفجارات الحميمية، يصاب المكان على إثره بصدمة حرارية، يهلك الجميع وتبقى اللغة حية ترزق، كأنها الشهيدة الوحيدة بين تماثيل الموت، وكل ما أخشاه أن اللغة ليست أكثر من زهرة السعير !

لغة الجنائن ودم السم
هناك حيث يتسلق الياسمين الأعمدة والأشجار وينثال كدانية كولونيا من أصص الشرفات ثم يلتف كخلخال حول كاحل الساحات، فيمتزج بخشب الصندل وقشور البرتقال، ويستلقي في كأس نبيذ كجرح القمر..هناك تستحم السماء بزيت العطر، وتفترش أسرة الحب عرائش الريش المسجاة بشتلة الملكة: ملكة الزهور، وردة الشام الوطنية في عاصمة الياسمين، بحيث تغدو نزهة الأنام في محاسن الشام عند أبي البقاء البدري، جولة سياحية في رياض النسيم الياسميني العليل الذي(يحيي النفوس)، إنه لغة جنائية تحترف البستنة في أدب الرحلات.
وبين الجنان والجنائن تاريخ من الويلات والمجاعات والحروب، تُصيب الياسمين بنوبة اكتئاب، واضطراب في مزاج اللغة، بحيث ينفرط عقد النجوم، ولا يبقى من الوردة سوى دم السم يسري في جذع الخاطرة..مجدداً، إنما هي أرجوحة الجحيم !
آه يا دمشق، كيف لفصيلة الزيتون أن تنز دماً من جرح الياسمينة؟ هل كلنا في الهم شرق؟ هل نحن ورثة الجنات الضائعة؟ أو الجنات المخطوفة؟ هل نحن سائحون في مكان لا وجود له سوى في أخيلة كوائن ليست موجودة؟ مكان يتأرجح بين مجهول ساراماغو واللامجهول الدرويشي، حتى كأنه فالت من عقال الغيب، كعاصٍ سرمدي في مملكة الخطيئة !
لست هرقلية ولكنني أحس بوجع الغزاة، أحسن بإيماءة هرقل الأخيرة على طريق الحرير: «وداعا يا دمشق، لا لقاء بعده»....و إنه الوداع الأثير !

التباس
هناك مدن قابلة للاشتعال، لا تحتاج إلى مواد حارقة، وقد لا يلزم لحرقها سوى التباس فهم بين الحب والحرب، يثير غبار الرماد فيرفع من درجة حرارته ويهب مرة واحدة، ثم يتقلص إلى غبار بركاني يحول زهرة النار مع الزمن إلى جثة إسمنتية متحجرة.