الملحق الثقافي

الدرجة القصوى للشر

العنف في مظهره الحداثي

العنف في مظهره الحداثي

11 سبتمبر رقم ترسخ في الذاكرة البشرية، أصبحنا نميز بين ما قبل هذا التاريخ وما بعده، يشير جاك ديريدا إلى أن هذا التاريخ لا يشير فقط إلى حدث مؤسس، بل أيضا إلى حدث غير قابل للوصف، بحيث إننا لا نعرف عما نتكلم. هناك شيء ما وقع وهو بالتأكيد يتجاوز مجرد عدد الضحايا الذين سقطوا. يقول ديريدا: «إن شيئا ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، لكننا لا ندري ما هو». نعتقد أن أسوأ ما حدث هو ظهور شكل جديد من الصراع والشر الذي يصعب تسميته أو تحديد طبيعته، شكل يتجاوز حتى الفظاعات التي عرفناها عن الحروب الكلاسيكية.

يضعنا الإرهاب اليوم أمام باراديغم جديد للصراع إنه بمثابة اختلاف أساسي غير قابل للمعالجة. تاريخيا إذن كانت الحرب الهمجية هي أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان. ولكن هاكم الآن ما يميز أزمنتنا المعاصرة: الإرهاب هو الشر في درجته القصوى.Le terrorisme est l’archi violence إذا كانت الحرب هي بالضرورة قذرة، لأنها تحمل الموت لبني البشر وتقضي على الاستقرار والعمران، فإن الإرهاب ليس مجرد ممارسة قذرة، بل هو يضفي على القذارة طابعا أخلاقيا ويبررها من منطلق روحي أو طهراني. يظل مع ذلك ما يميز الإرهاب ليس فقط شكل التنظيم الذي يهيئ به صفوفه، بل الأثر أو الفكرة التي يحدثها وهي قتل أكبر عدد من الناس بأبشع صورة ممكنة، وبشكل يسمح بتداول هذا الحدث بطريقة واسعة في الواجهات الإعلامية، وبالتالي يكون هدف الإرهاب ليس فقط تنفيذ العملية في حد ذاتها بل إحداث نوع من الإهانة والتحقير ومرارة الخسارة.
في كل المعارك التي عرفها التاريخ كان هناك دائما مجال تتم فيه المعركة سواء كان ذلك في البحر، أو في الجو أو في اليابسة. كان للحرب أخلاقها القائمة على احترام هذا المجال وعدم تجاوزه، بل إن الانتصار كان يقتضي التحكم فيه. غير أن الإرهاب اليوم يقوم على النقيض من هذا الأمر، إنه الحرب الكلية التي تنطلق أساسا على إلغاء منطقة الأمان، فاستهداف القطارات والتجمعات السكنية والأماكن السياحية والفضاءات العامة.. دليل على أن الإرهاب ما هو إلا الرغبة في جعل التهديد بالموت الجماعي قائما في كل مكان.
إنه رفاهية الموت المجاني، لأنه غير قادر على أن يحقق أيا من مطالبه. ولهذا السبب أيضا يمكننا أن نعرفه كظاهرة صامتة لأنه ليس لديه ما يقوله للعالم. نقصد هنا أن المطالب التي تنادي بها هذه الجهات لا يمكن تباحثها سياسيا، لأنها أكبر من أي مفاوضات سياسية، إذ كيف يمكن أن نتباحث مطالب تتناقض مع الديمقراطية والحداثة وتكفرهما.

الحداثة والإرهاب
يبدو الإرهاب اليوم كرد فعل لا عقلاني ضد لا عقلانية الحداثة، فلا عقلانية الإرهاب تبرز ـ بالإضافة إلى الطابع الدموي الذي يواجه به العالم ـ في القراءة السطحية التي يقوم بها لتراث ضخم هو التراث الإسلامي عاملا على إفراغه من مضمونه الحي، ومحولا إياه إلى شعارات متصلبة غير قادرة على التعايش مع الحاضر. أما لا عقلانية الحداثة فلها تجليات مختلفة في السياسة والاقتصاد والبيئة، لكن أبرزها يظهر فيما وصفه النقد الفلسفي المعاصر بتحول العقل من طابعه الاستكشافي التساؤلي للعالم إلى مقولة تصنيفية ثابتة تحاول تنميط العالم في قوالب جاهزة قابلة للتداول تجاريا، أو بطريقة أخرى تحولت المقولة الأنوارية: كل شيء ينبغي أن يكون قابلا للتفكير، إلى مقولة ماركوتينغية وهي: كل شيء ينبغي أن يكون قابلا للبيع، هكذا تتضافر عدمية الإرهاب مع عدمية الحداثة في تشكيل وصنع مأساة الحاضر.
مع ذلك علينا أن نحذر من السقوط في مديح الإرهاب لأن كليانية الأصولية لا يمكنها أن تعالج كليانية الحداثة، والرفض الراديكالي الذي يتضمنه الإرهاب لا يساعد سوى على مفاقمة أزمة الحداثة، لأنه يزيد من تسارعها المفرط ومن رغبتها في تشديد الهيمنة والسيطرة على العالم، إن المجتمع المغلق الذي أنتجته الحداثة تتم معارضته بالمجتمع المغلق الذي أنتجته التقليدوية.
يستند الإرهاب على ثقافة خاصة به، وهذا من سخرية الأقدار طبعا، فهو يصدر للغرب ما يريد أن يتناساه ويطرده بعيدا عنه، إنه ثقافة الموت الشعائري، والعنف المقدس، وهي كلها أمور لا يمكن أن تكون مفهومة من طرف نظام حياة غربي قائم على الرفاهية واستبعاد الألم. إن الإرهاب هو إظهارية الشر نقصد أنه ليس مجرد اعتداء، أو معركة من أجل حسم قضية ما، بل إن القضية نفسها التي يجري عليها الصراع هي تصدير الألم والتذكير بالتناهي الإنساني. إن الإرهابي يقدم اليوم نفسه ككائن استشهادي مستعد للتضحية من أجل مبدأ ما حتى وإن كان هذا المبدأ لا تستسيغه الحداثة المعاصرة، ولكن يبدو أنه يستمرئ هذا الرفض، بل هو يستمد منه طاقة محركة تجعله أكثر إمعانا في التأكيد على حقه في رفض الحياة.
لقد عاد الإرهاب إذن إلى ما هو عميق في الثقافة الشرقية، وهو الموت الخلاصي La ort salvatrice لكنه في الآن ذاته حينما يوظف هذه الأمور ضمن سياق سياسي، ألا يكون الإرهاب بهذه الطريقة أيضا يلعب تلك اللعبة الغربية التي يكرهها على أي حال، ويريد أن يعلن حربه عليها. فالعمق الشرقي الروحي يتحول مع الإرهاب إلى مواضعات سياسية دنيوية، إذ لا يمكن أن نبحث بطريقة لا أخلاقية عن أساس أخلاقي لهذا العالم.
إن الاصطدام إذن هو بين عقيدتين شموليتين كل واحدة تريد أن تهيمن على الأخرى وتقصيها بدعوى امتلاك الحقيقة، فلا أحد يريد أن يقبل اختلاف الآخر. العقيدة الأولى هي عقيدة العولمة التي تريد فرض الرأسمالية كديانة أخيرة للإنسان، بحيث تختزل كينونته برمتها إلى مجرد سلعة قابلة للتثمين، أما العقيدة الثانية فهي عقيدة أسلمة العالم .. عولمة العالم أو أسلمته نطالب فقط بأنسنته أي أن نعيش كبشر وأن نقبل الاختلاف الحضاري لبعضنا البعض.

حلول
ماذا نملك كعلاج إزاء ظاهرة كهذه؟ الحل الأمني وقد تبينت محدوديته وعدم قدرته على وضع حد لهذه الظاهرة، من هنا جاء الحل التنموي الذي حاول أن توصي به الغرب حلفاءه خاصة في المنطقة العربية، ومعناه أن التطرف يصنعه بالأساس بؤس الحياة والشقاء الاقتصادي. ولكن هل نسينا فعلا أن أغلب العناصر التي تكون أنصار القاعدة هم أناس لهم إطارهم الاجتماعي المحترم، ويتمتعون في الغالب بمستوى تعليمي متطور. يكفي أن نذكر مثلا أن بن لادن كان من أغنى أغنياء العالم، وأن الأفراد الذين اصطدموا بالبرجين كانوا يتابعون دراساتهم في معاهد وجامعات عليا في أوروبا وأمريكا. لا نعتقد إذن أن الإرهاب هو حرب الفقراء، بل هو حرب رمزية قيمية يصبح فيها المال والثراء هما الفاحشة التي ينبغي إنكارها. ليس الإرهاب حرب تملك بل حرب وجود. إنها إذن حرب الاختلالات والانكسارات التي ولدتها الحداثة الغربية نفسها، من هنا بؤس الحداثة التي لن تستطيع هذه المرة احتواء الجماعات الإسلامية المتطرفة المكفرة لها كما احتوت في السابق المعسكر الاشتراكي مذيبة إياه في السيولة اللامتناهية للرأسمال. لكن وفي الآن ذاته بؤس الإرهاب أيضا الذي مهما ألحق بالغرب من خسائر مادية وبشرية فهو لن يتمكن مطلقا من الاعتراف به كطرف محاور. ولا من السماع للغته غير القابلة للمعالجة intraitable.
إلى جانب الحل التنموي والحل الأمني هناك حل آخر، وهو الحل التربوي. وهو حل يقتضي إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم بغرض تأسيس فهم مغاير للإسلام والرفع من درجة الوعي الديني للشباب بما يتلاءم والوضع الحضاري. نحن اليوم لا نملك بدائل نظرية للجهاز المفاهيمي الذي تردده الجماعات المتطرفة مثل الولاء والبراء والتعازير وحاكمية الله وتطبيق الشريعة وغيرها، نحن اليوم في أمس الحاجة إلى إسلام حداثي، ولكن كيف السبيل إلى ذلك إذا كان فقهاؤنا وأحيانا حتى مفكرينا يفتقدون للشجاعة النظرية التي تميز بها الفارابي والرازي وابن رشد.
هل يمكن للحداثة أن تحتوي هذا الصراع وتذيبه مستقبلا؟ ألا تقوم العولمة اليوم بثورة صامتة تحول فيها كل شيء: العلاقات الاجتماعية، رؤى العالم، الأخلاق، القيم والعادات... هل من الممكن أن ننتظر في المستقبل اختفاء هذه الجماعات المتطرفة تحت ثقل السيولة المذيبة للرأسمال ؟
لقد ولدت أزمة الحداثة هذا الحنين المضاد لما قبل الحداثة، والذي يتفاقم كلما أمعن الرأسمال في زيادة تناقضاته. إن المعركة ضد الإرهاب هي في حقيقة الأمر معركة الحداثة وأزمتها الداخلية، غير أنها المعركة الأخيرة التي لن تنتصر فيها الحداثة مادام أن مشروعها لا يتواصل إلا على حساب التخريب العدمي للكائن والطبيعة، كما لن ينتصر فيها الإرهاب كذلك لكونه يكرر الخطأ الكبير الذي سقطت فيه جميع الخطابات الكليانية وهو افتراض أنه تمت خارج معين يقع بعيدا عن دائرة الحداثة، والحال أن الحداثة هي الأفق الكوني الذي وصل إليه تاريخ البشر على هذه الأرض، نقصد أنه لا يمكن مراجعة الحداثة إلا بواسطة حداثة مضادة. لذلك لا يمكن الخروج منها مطلقا بغرض البحث عن نظام آخر بديل لها، أو عن مجتمع فردوسي مضاد لتناقضات المجتمعات الحديثة. وما دامت الأزمة الأخلاقية للحداثة والرأسمال ستتفاقم في المستقبل سواء من خلال المزيد من استغلال الدول الغنية للدول الفقيرة، أو ارتفاع معدل الفقر على الصعيد العالمي، وفشل الطبقة المتوسطة، واستمرار المشروع العلمي التقني المضاد لهوية الإنسان وقداسة الحياة.. فإن هذا الحنين العدمي لما قبل الحداثة من المنتظر أن يتفاقم بدوره في أشكال مختلفة يتخذ بعضها للأسف طابعا مأساويا دمويا، وقد يكون على الإنسان أن يتعلم ـ وان كان بمرارة كيف يعيش مع هذا التناقض وكيف يقبل بأن تكون ظاهرة الإرهاب رديفاً مضاداً للحداثة وملازماً لها في الآن ذاته.

الإرهاب وتفكيكية دريدا
في كتابه «ماذا حدث في 11 سبتمبر»، أجرى الفيلسوف جاك دريدا محاورة صحفية في 22 أكتوبر 2001 مع الصحفية جيوفانا بورادي ليتحدث فيها عن رؤيته وتحليله لأحداث 11 سبتمبر.
عن الانطباع السائد عن 11 سبتمبر باعتباره حدثا عظيما، يتساءل دريدا: ما هي ماهية الانطباع؟ وما هي ماهية الحدث؟ وفوق هذا وذاك، ما هي ماهية الحدث العظيم؟
أكد دريدا أن هذا الانطباع هو حدث في حد ذاته لا ينفصل عن لغة الخطاب التي تعولم من خلالها، وهى التي صاغته وأنتجته عبر آلة معلوماتية منظمة. وجهاز المعلومات هذا بطبيعة الحال جهاز سياسي وتقنى واقتصادي. فكم من جرائم قتل جماعي شبه فوري لم يتم تسجيلها وتأويلها لم تكن جديرة بخلق حدث عظيم ولم تعط الجميع انطباعا بأنها كوارث لا تمحى.
ويتساءل دريدا: ما المقصود بكلمة الحدث العظيم؟ هل المقصود بذلك أبعاد الأبراج أو الأراضي التي شن عليها الهجوم؟ لا أحد يستطيع أن يخط حدودا دقيقة لمثل هذه الأشياء المسماة بالأراضي القومية الأميركية أو بالمصالح الأميركية وإلى أين تصل هذه المصالح؟ وتلك مشكلة أخرى تجعل من الصعب معرفة متى وأين يكون هناك حدث؟
هل المقصود بالحدث العظيم عدد الضحايا؟ لا أحد أحصى عدد الضحايا بنفس الدقة في أماكن أخرى من العالم في حالات أخرى. بل إن الحقيقة التي تتعلق بأوروبا والولايات المتحدة وإعلامهما أن حالات القتل الجماعية التي حدثت خارج الأراضي الأميركية والأوربية كتلك التي حدثت في رواندا والعراق وفلسطين والتي قد يزيد عدد ضحاياها عن ضحايا الحادي عشر من سبتمبر لا تؤدى إلى مثل هذه الاضطرابات التي أحدثها 11 سبتمبر.
هل كان المقصود بذلك هو نوع السلاح المستعمل؟ أي الطائرات التي تدمر مباني مكتظة بالمدنيين!! ربما لا يحتاج ذلك مثالاً توضيحياً، فالحرب العالمية وقصف هيروشيما وناجازاكي ما زالا حاضرين في الأذهان.