الملحق الثقافي

الحرية في معادلة الأمن

هل تصبح الحريات خاضعة لمقتضيات الأمن؟

هل تصبح الحريات خاضعة لمقتضيات الأمن؟

وماذا بعد «الصاعقة» أو «القارعة» التي حلت بفرنسا والفرنسيين؟
لقد أطفئت أنوار برج إيفل الشهير لليلة أو يزيد قليلاً، غير أن علامة الاستفهام الأجدر بنا طرحها: هل استطاعت عاصفة الإرهاب الأسود في تلك الليلة أن تطفئ أنوار التنوير في فرنسا، لتسقط دولة «الحرية والمساواة والإخاء»، هذا الشعار الموروث عن عصر التنوير، الذي رفع لأول مرة إبان الثورة الفرنسية، وطالما تعرض للطعن، إلا أنه فرض نفسه في النهاية في ظل الجمهورية الثالثة، وأدرج في دستور عام 1958، وهو يمثل اليوم جزءاً من تراث فرنسا الوطني؟ علامة الاستفهام المتقدمة في حقيقة الأمر تتجاوز فرنسا إلى بقية القارة الأوربية، والجميع يتساءل نهاراً في قلق وليلاً في أرق: كم من الوقت سيمضي قبل أن تتصدع الليبرالية الأوروبية؟

يخشى الجميع أن يكون رد فعل فرنسا وبقية أوروبا هو سير في طريق البرابرة الجدد، كما يقول الفيلسوف الفرنسي البلغاري الأصل «تزيفتان تودروف»، ذلك أن السير في طريق البرابرة يجعلنا كالبرابرة أنفسهم، ويحقق الغرض الأعلى الذي يسعون إليه، أي جر العالم إلى دائرة الظلاميات وإعلان نهاية عصور التنوير... هل وقعت فرنسا في الفخ الداعشي؟

الإرهاب والحريات
بعد نحو ثماني وأربعين ساعة من ليلة «الجمعة الحزينة»، التي ضربت فرنسا، تحدث الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عن «الحرب» التي تعيشها فرنسا ضد الإرهاب، وفي هذا السياق أعلن فيما يشبه الزلزال الأدبي أن «علينا تطوير الدستور ليسمح لنا بسرعة التحرك» مضيفاً: «لقد طلبت من البرلمان إقرار قانون بتمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وستطبق على جميع الأراضي الفرنسية».
يعن لنا أن نتساءل بداية: هل ينكر أحد على الرئيس هولاند حماية بلادة وحدوده الوطنية؟
بالقطع للرجل في الحق ألف حق، غير أن التداعيات والتفاعلات التي تستتبع الإجراءات التي أعلنتها تكاد أن تعطى تحذيراً ومثيراً يتصل بشأن الحريات الأوروبية عامة، والفرنسية خاصة.... ماذا يعني هذا الكلام؟
فرضت حالة الطوارئ في فرنسا، ثلاث مرات أثناء الحرب الجزائرية، في الأعوام 1955 و1958، و1961، ومرة واحدة في نوفمبر 2005 بسبب أعمال الشغب، ومددت بطلب من الرئيس الفرنسي حينها، جاك شيراك، لمدة ثلاثة أشهر... لماذا يصف البعض قانون الطوارئ الفرنسي بأنه قانون سيئ السمعة؟
الجواب لأنه يضم نحو ست عشرة مادة مقيدة للحريات بشكل مثير للجدل، فهو يعطي المحافظين الذين يمثلون الدولة في مناطقهم سلطات إضافية، منها فرض منع التجوال العام أو الجزئي، وإنزال عقوبات السجن أو الغرامة المالية بكل مخالف سواء كان راشداً أو قاصراً.
مواد القانون كذلك تمنح المحافظ سلطة السماح لقوى الأمن بتفتيش المنازل في أي وقت من الليل أو النهار، ودون الحاجة إلى إذن قضائي خاص، وكذلك إبعاد من يريد من الأشخاص الذين يعتبرهم مصدر تهديد للأمن والسلامة العامة من مناطق إقامتهم وفرض الإقامة الجبرية في «مناطق أمنية» محددة، وطرد أجانب ومصادرة الأسلحة، بما فيها أسلحة الصيد، وإغلاق أماكن الاجتماعات العامة والمسارح وصالات السينما والملاهي، وفرض الرقابة على الوسائل الإعلامية.
ناهيك عن ذلك، فإن القانون يخول القضاء العسكري الحلول محل القوانين المدنية للنظر في الجنح أو الجرائم ما يمكن أن يشكل أداة ردعية إضافية في أيدي السلطات.
ما الذي يتبقى من مداخل التنوير الفرنسية حال سادت مثل هذه الروح الظلامية، التي تتطابق مع ديكتاتوريات العالم الثالث؟

التنويريون يعترضون
لعل أهم ما يميز فرنسا، وشعبها في واقع الأمر هو وجود جذور حقيقية للتنوير وللحريات، وكذا للديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد تكبد الفرنسيون عناء شديداً للوصول إليها، ومن ثم المحافظة عليها طوال ثلاثة قرون وأكثر، ولهذا ربما لم يقدر للرئيس الفرنسي الذهاب بعيداً، وعاد لاحقاً في تصريحاته محاولاً نفض حالة الخوف وقطع الطريق على دعاة الكراهية بين الأمم والشعوب، بين الحضارات والأديان.
غير أن هذا لم يحدث من فراغ بل من جراء ارتفاع أصوات تحذر من فكرة «عسكرة فرنسا» أو سيادة رؤية «جمهورية الخوف» حيث «الأخ الأكبر» الذي تحدث عنه الكاتب الشهير «جورج أورويل» في روايته «1984» هو المهيمن والمسيطر في الأجواء... ما الذي جرى على وجه الدقة؟
الثابت أنه بعد مواجهة أشد هجوم يقع على التراب الفرنسي منذ الحرب العالمية الثانية، تحول هولاند ومستشاروه بسرعة كبيرة لتركيز القوى بيد السلطة التنفيذية، منعاً لأي هجمات أخرى على البلاد وفق زعمهم، وفضلاً عن ذلك، اقترح هولاند إجراء تعديل على الدستور الفرنسي يستبطن انتقال فرنسا لما يسمى بعلم السياة بـ«الدولة الأمنية»، وهو تعديل يخول الدولة تعليق بعض الحقوق والحريات المدنية بشكل مستمر، ولكن هذا التعليق لا يرقى لمصادرة الحريات والحقوق التي يتم اتخاذها عند إعلان حالة الطوارئ الكاملة، وفقاً لأحكام الدستور، وهذا ما جرى بالفعل.... هل من قبول لهذا التجاوز «في نظر البعض»؟
«لا يمكننا أن نتصور صدور مثل هذه التدابير تحت قيادة حكومة اشتراكية».... هكذا تحدث «باسكال بوفيه» أستاذ القانون في جامعة باريس الغربية نانيتر لاديفانس.
في الوقت ذاته، يشير مراقبون لقانون الأمن القومي الفرنسي بأن ردة فعل الحكومة الفرنسية تقف في تناقض صارخ مع ردة فعلها في إعقاب مذبحة «شارليى إيبدو» في مطلع العام الجاري، فحينها أوصت حكومة هولاند بالحذر، وحثت على الهدوء، كما يقول «بوفيه»، ولكن الآن صرح الرئيس الفرنسي بأن الجمهورية في حالة حرب مع الإرهاب ، ويضيف «بوفيه»: «أن التحركات القانونية لهولاند جارت على المفاهيم التي ينص عليها دستور (شارل ديجول)، كما تنبع من الاعتقاد بأن السلطة التنفيذية يجب أن تكون قادرة على التصرف بشكل حازم وحاسم في ظل الأزمات».
هل كانت مثل هذه الأصوات التي علت في محاولة لوضع فرنسا من جديد على «جادة الطريق» وراء دعوات هولاند للفرنسيين بألا يستسلموا للخوف، ودافعاً لدفاعه عن وحدة الثقافات في مواجهة التطرفات، خلال كلمته التي ألقاها في اختتام منتدى القادة في اليونيسكو والذي ضم عدداً من رؤساء الدول والحكومات من جميع أرجاء العالم؟


الثقافي والعسكري
بعد ثلاثة أيام فقط من الحدث الأليم، الذي ضرب قلب وأطراف باريس، كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على موعد لإلقاء كلمة في مؤتمر «اليونسكو» المشار إليه سلفاً، وقد دُهشَ العالم الذي عقد مقاربة بين كلمة هولاند وبين تلك التي ألقاها الرئيس الأميركي «بوش الابن»، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي فيها قسم العالم تقسيماً «مانويا» بين مجتمع الأشرار، ومجتمع الأبرار، الذين معنا، والذين ضدنا، فسطاطي الحرب والسلام.
على العكس من ذلك تماماً، كان الأمر عند «هولاند» وريث التنوير وحفيد روسو وفوليتر، باسكال ومالبرانش، زولا وهوجو، وغيرهم من الفرنسيين الذين حملوا مشاعل التنوير في دروب الظلام... قال هولاند: «إنني حرصت على أن آتي إليكم في المؤتمر العالمي لأنكم تمثلون رمز وحدة ثقافات العالم، وهل هناك مكان، مثل مقر (اليونسكو)، وهي المؤسسة التي نشأت بناء على تصور عالمي ثقافي تمثل في جمع الإنسانية بأسرها من خلال العلم والتربية الثقافية، ووجدت في باريس المدينة التي تستضيفها؟».
لم تدفع مرارة اللحظة الآنية الرئيس الفرنسي لأحاديث الثأر أو الانتقام من الآخر، كما ذهب بوش، بل دفعته إلى مسار مخاطبة الضمير الإنساني والأخلاقي الذي يرفض «همجية الإرهاب» ويمج «سلوكيات الإرهابيين».
في هذا الصدد قال هولاند: «إن (اليونيسكو) هي على وجه اليقين الضمير الأخلاقي للإنسانية، فهي تقوم على تعزيز وتنوع الثقافات وهو التنوع الذي يستند إلى الفكرة القائلة إن الثقافة إنما تشد الناس إلى تاريخهم ووطنهم، كما إنه تنوع يناهض فرض النمط الثقافي الواحد (العقلية الأصولية المريضة والخطيرة)، ويعزز تعدد الآراء والمعتقدات ثم إنه تنوع يجعل من التعليم العنصر الأساسي لتحقيق تحرر البشرية».
في الكلمة ذاتها، ذكر الرئيس الفرنسي بأهمية اتفاقية «اليونسكو» بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وذلك بمناسبة مرور عشرة أعوام على إنشائها، وتناول بالتفصيل خطة العمل، التي تنوي فرنسا تنفيذها عقب عمليات التدمير التي لحقت بالممتلكات الثقافية في العراق وسوريا، معرباً عن أمله في إقامة صندوق دولي مخصص للممتلكات الثقافية المعرفية للخطر.
كانت رؤية هولاند رداً تنويرياً فرنسياً خالصاً، رداً يتصل بمجتمع بناء السلام وتحقيق التسامح في العالم، لا استجابة لضغوطات الإرهابيين لإشعال العالم، وهو الأمر الذي تبدى كذلك في رؤى أوربيين كثر، من فرنسيين وغيرهم.

القفز على الظلاميين
منذ بضعة أيام، كتبت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية الشهيرة تحت عنوان عريض «استجابة أوروبا لهجمات باريس ستكون مختلفة هذه المرة» موضحة المخاوف التي تنتاب الجميع من فكرة الانقلاب على الحريات في أوروبا عامة، بسبب الإرهاب الأسود، وما يستلزم ويستدعي مواجهته من إجراءات استثنائية.
غير أن خلاصة التحليل المطول، وما يثلج الصدور، هو أن المظاهرات الشعبية التي خرجت تضامناً مع فرنسا، ورسائل دعم القادة الأوروبيين، كانت مملوءة بالدعوات، حتى لو كانت مبطنة وغير صريحة، التي تحذر من السماح للإرهابيين بتأليب مواطني أوروبا بعضهم ضد البعض، أو الوقوع في فخ «كراهية الأصوليين»، وكذا التحذير من صحوة فكر القوميات الأحادية، التي أفرزت أوروبياً ذات يوم النازية والفاشية، لاسيما أن ثمن اتباع البلدان الأوروبية لسياسات مراقبة الحدود واحدة تلو الأخرى، سيكون معه من الصعب للغاية الحفاظ على وحدة وتماسك الشعوب الأوروبية.
ولعل نظرة سريعة على ما كتبته بعض الصحف الأوروبية توضح كيف أن الجميع قد تنبه لأبعاد إشكالية مواجهة الإرهاب، ما يلجم التحركات العسكرية والأمنية الاستثنائية.
خذ إليك على سبيل المثال ما كتبه «تيري ماير» محرر صحيفة «24 ساعة» الفرنسية في افتتاحية مطولة، حيث يتناول فيها جدوى الرد العسكري على الإرهاب فيقول: «ما الذي نحن قادرون على فعله للرد على البربرية أو على الأقل لمواجهتها؟ نحن في حرب يقول فرنسوا هولاند، ولكن بأي أدوات، وبأي إستراتيجية؟ وما هو الهدف؟ لقد أثبتت كل من أفغانستان، ثم العراق، ثم ليبيا، ثم سوريا، ومنذ خمسة عشر عاماً أن القوة العسكرية في العالم أجمع، وكل هذه القنابل، لا تنتج في النهاية سوى تصعيد لا نهاية له».
بعض الأقلام الأوربية في سويسرا، شككت بدورها عبر صحيفة «لاليبرتي» التي تصدر بالفرنسية في فريبورغ في سبل المعالجة التقليدية فكتبت تقول: «إن العدو هو داعش ويجب أن يبقى كذلك، لكن الهجمات التي يشنها التحالف الدولي، وبمشاركة فرنسا، لن تكون كافية لطرد هذا التنظيم من العراق وسوريا، وحده حل سياسي يؤدي إلى تخلي بشار الأسد عن السلطة في دمشق، سيسمح باقتلاع الشر من جذوره، على الأقل إلى حين عثوره على جرح آخر يوغل في دمائه».
الألمان بدورهم كانوا هناك واعين للمأزق الذي بدأ بأخطاء عديدة من الغرب، وبفرص ضائعة في الشرق، فصحيفة «أرنماو تسايتونغ» على سبيل المثال والتي تصدر باللغة الألمانية في منطقة «آراو» ذهبت إلى أن الغرب يدور في حلقة مفرغة «كلما زاد تورط الغرب عسكرياً، كلما أدى ذلك إلى تغذية وزيادة إرهاب الأصوليين الراديكاليين».
هل من استنتاج مماثل؟ هذا ما تورده صحيفة «تاغس أنتسايغر»، والتي تصدر بالألمانية في زيوريخ، والتي تؤكد أن الإرهاب الذي تمارسه داعش في أوروبا، ليس مشكلة عسكرية بل سياسية، وتذكر الصحيفة بأن «التدخل العسكري الأميركي في العراق بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويا للمفارقة هو الذي وضع أسس صعود نجوم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومن وجهة نظرها، فإن هذا مبرر آخر لكي نكون حذرين في استخدام وتطبيق أي إجراء حربي»... هل يعني ذلك أن أصوات الكراهية وتأجيج الصراع في الداخل الأوروبي قد اختفت مرة وإلى الأبد؟ قبل الجواب على هذا السؤال ربما يتعين علينا التوقف عند محطة أخرى، غير أوروبية وغير غربية لتبيان من يشعل نار الأصوليات حول العالم.

تحريض إسرائيلي
المحطة التي نحن بصدد الحديث عنها هي محطة الصحافة العبرية، الصادرة في إسرائيل، وقد لعبت دوراً واضحاً ومفضوحاً في تأليب الأوروبيين على الإسلام والمسلمين، والمؤكد أن لها في هذا المنهج باع طويل، وعندها اليوم مخاوف عريضة من حالة المقاطعة الأوروبية للمنتجات الإسرائيلية، لا سيما منتجات المستوطنات، وهناك أمر خفي آخر أكثر خطورة، وهو أن إسرائيل ربما ستعمد للعب على وتر الإرهاب في فرنسا، وتزايد العداء للسامية في عموم أوربا، لإحداث موجة جديدة من الهجرة اليهودية إلى الداخل الإسرائيلي، والمحوران يستحقان قراءة مطولة لاحقاً.
خذ إليك على سبيل المثال، وبتناول العناوين فقط لا متن المقالات ما كتبه «زلمان شوفال» في صحيفة «إسرائيل اليوم» بتاريخ 17 نوفمبر تحت عنوان «أوروبا ورياح الإسلام»، حيث يذهب إلى أن فرنسا والغرب سيعيشون على السيف «مثلنا» بعد موجات اللاجئين، ويضيف أن تحرك الشعوب أدى على مدار التاريخ إلى تدمير ثقافات وإمبراطوريات، وتحرك الشعوب الحالي من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا لا يشمل فقط اللاجئين بل أيضاً تعزيز كبير «لقوات التدمير الإسلامية» (كما يسميها بلهجة عنصرية تأجيجية)، الأمر الذي سيحدث نتيجة مشابهة إذا لم يتم وقفه... هل يخفى على أحد فكرة الربط بين الإسلام والمهاجرين المسلمين من جهة والإرهاب التدميري المحتمل من جهة ثانية؟.
قبله بأيام وعلى صدر الصحيفة الإسرائيلية عينها، كان «رؤوبين باركو» وبتاريخ 15 نوفمبر، يكتب عن «طريق الإسلام إلى روما»، وفي مقاله تحريض واضح وواسع للغرب للتخلي عن قيم التنوير والحريات، لمصلحة منظومة الأمن والعسكرة فيقول: «إن ربطة العنق الخانقة حول فرنسا والدول الغربية الأخرى تزداد شدة والإسلام الراديكالي يتغذى على (الانتصارات) ويجند مهاجرين من الدول العربية (الربيعية) ومسلمون غربيون يعودون من الشرق الأوسط كمهاجرين. ويجمل (رؤوبين باركو) المشهد بأن هذه هي: (الحرب العالمية الثالثة بين الإسلام الراديكالي والعالم الغربي، والتي تستوجب التعاون بين الديمقراطيات والتنازل المؤقت عن بعض قيم مستوى الحياة لمصلحة الحياة نفسها)».
تستحق هذه الجزئية من تلك الرؤية لفرنسا التنويرية، الوقوف طويلاً أمامها عربياً وإسلاميًا، لتبيان شكل العلاقة بين إسرائيل والغرب من جهة، وإسرائيل والعرب من ناحية أخرى، ولإيجاد أجوبة عميقة عن الصراع العربي الإسرائيلي، وهل هو صراع حدود أم إشكالية وجود دوجمائية لا حل لها؟ أم اختلافات على قضايا نسبية يمكن الحوار من حولها والتوصل إلى صيغ ترضي كافة الأطراف؟ ثم وهذا هو الأهم ما هي الرؤى العربية التي يجب أن تفعل تفعيلاً سريعاً وجاداً؟ وما هي الطروحات الإسلامية التي لابد لها من الوصول إلى العقل الأوروبي والغربي عامة كي لا يضحى فريسة سهلة للرؤى المنحولة؟

خطابات الكراهية
يبدو أن خطابات «داعش» للكراهية قد أوجدت لها ردود فعل أوربية موازية، ومضادة في الاتجاه كما تخبرنا قوانين الفيزياء، فالناطق باسم تنظيم داعش المدعو «أبو محمد العدناني» يصرح بالقول: إنهم يريدون أخذ باريس قبل السيطرة على هدفهم النهائي وهو روما التي يرونها قلب المسيحية. كما أن منفذ الإعدامات في صفوف داعش، «سليم بنغالي»، وهو فرنسي أيضاً يحرض على القتل، ويتحدث آخر عن أن الجيش الفرنسي لا يمتلك الشجاعة لمواجهتهم.
في هذا الإطار كان لا بد أن ينشأ رد فعل يميني متطرف يكاد بالفعل يستقطب نسبة غالبة من الأوروبيين، الساعين إلى إلقاء قيم وأخلاقيات وثقافة التنوير خلف ظهورهم في الحال والاستقبال لفترات طويلة، عقود ربما.
هل أتاك حديث رئيس تحرير صحيفة «ليبيرو» (LIBEREO) اليمينية الإيطالية، ورئيس تحريرها «بيلبيرتو»، الذي نشر في صدر جريدته نهار السبت التالي لانفجارات باريس، بعنوان يسب فيه كل المسلمين على خلفية تفجيرات باريس ، الأمر الذي دفع الصحافي الإيطالي «توماس نوتارياني» مدير صحيفة «بيس ريبورتر» لرفع دعوى قضائية ضد رئيس التحرير، بتهمة التحريض على الكراهية الدينية وإهانة الدين الإسلامي.
خطاب الكراهية والظلامية الأوربية يزداد ولا شك، فها هي «ماريان لوبان» المرشحة وفيرة الحظ لرئاسة فرنسا في 2017 والمتقدمة صفوف اليمين الفرنسي تطالب بحملات لتجريد حاملي الجنسيتين المشاركين في الحركات الإسلامية من الجنسية الفرنسية، ومنعهم من دخول الأراضي الفرنسية. بل وتسأل فرنسا أن تحدد، حاسمة، من هم حلفاؤها ومن هم أعداؤها، إنه خطاب بوش الأصولي نفسه، وعندها وبتحديد مسبق واضحة معالمه، أن الأعداء هم البلدان التي تنسج علاقات وثيقة مع ما تطلق عليه «الإسلام المتطرف»، والبلدان التي لا تزال مواقفها ملتبسة تجاه المؤسسات الإرهابية.
عدوى الكراهية، ومن أسف، باتت تنسحب على بعض الدول الأوروبية الاسكندنافية، التي كانت بعيدة إلى وقت قريب عن دائرة الصراع الأصولي، فقد رأينا «فسورن أسبرس»، أحد أبرز شخصيات اليمين المتطرف في الدنمارك، يعتبر أن ضرورة الفوز بالحرب على «داعش»، تبيح استخدام الأساليب كافة، حتى ولو كان الأمر على حساب المدنيين من النساء والأطفال.
خطر الكراهية في واقع الحال، بات يعبر الأطلسي ليصل إلى الجانب المقابل ففي كندا، التي استبشر الجميع فيها وعنها خيراً بعد وصول رئيس الوزراء الجديد «جاستن ترودو» البعيد عن دائرة الإسلاموفوبيا، تعرض «مسجد السلام» في مدينة «بيتربروغ» بمقاطعة أونتاريو لحريق أكدت الشرطة أنه «جريمة متعمدة» جريمة كراهية تأتي بعد تهديدات من قوى اليمين هناك للثأر مما جرى في فرنسا، كما تلقت بعض المساجد في الولايات المتحدة الأميركية تهديدات مماثلة... هل يعني ذلك أن خطاب الكراهية قد سحق خطاب التنوير؟

إرث المصالحة والتنوير
بعد أيام معدودات على حادثة باريس المدمية للقلوب، كتب الصحافي الفرنسي أنطوان ليريس، عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسالة للإرهابيين، الذين قتلوا زوجته الشابة في مسرح «باتاكلان»، وحرموا ابنه الصغير «ملفيل» ذا السبعة عشر شهراً من أن ينشأ نشأة طبيعية بين أبويه... كلمات الرسالة تؤكد أن هناك كثيراً من دعاة المصالحة وحماة التنوير في الداخل الفرنسي، مقابل المتصارعين الأصوليين من الداخل والخارج.
يكتب ليريس يقول: «لن أمنحكم حقدي.. لا لن أمنحكم هدية أن أحقد عليكم، لقد أردتم ذلك، ولكن الرد على الحقد بالغضب يعني الاستسلام للجهل الذي يجعلكم على ما أنتم عليه. تريدون أن أخاف، وأن أراقب من حولي بعين الريبة، وأن أضحي بحريتي من أجل أمني، لقد خسرتم، لأن هذا اللاعب، سيواصل لعبته».
لم يكن صوت أنطوان ليريس هو الصوت الوحيد الذي عبر عن الرفض التام لقولبة المشهد، ولسيادة الصور النمطية المروج لها عن الإسلام والمسلمين، لا سيما من قبل اليمين المتطرف، فقد ارتفع من قبله صوت البابا فرانسيس في حاضرة الفاتيكان، محذراً من أن لا ديانة في مأمن من خطر التطرف والانحرافات الأصولية». ورأى البابا الذي يترأس الكنيسة الكاثوليكية، التي يبلغ أتباعها نحو مليار وثلاثمائة مليون كاثوليكي حول العالم، والمؤثر بفاعلية في بقية مسيحي العالم أنه: «يتوجب توجيه النظر إلى القيم الإيجابية التي تعيشها وتطرحها الأديان»، وحسب البابا فرانسيس نفسه فإنه: «ينبغي على الأديان التعاون في عدد من القضايا، وعلى وجه الخصوص مقاومة التطرف، ومكافحة الإرهاب والفقر على حد سواء».
لم تكن رسالة «ليريس» أو دعوات البابا «فرانسيس» هباء منثوراً، بل جاء الحصاد التنويري الإيجابي سريعاً، في كندا الدولة المشاطئة لأوروبا أطلسياً، ففي الوقت الذي تم فيه حرق مسجد السلام في أونتاريو في كندا، فتحت بعض الكنائس أبوابها للمصلين لأداء الصلاة فيها، ومنها كنيسة القديس يوحنا الإنجيلية، التي دعت أيضاً إلى جمع الأموال لمساعدة المسلمين في إعادة إعمار مسجد السلام في أقرب وقت.
أما «بوني وليامز» مسؤول كنيسة سانت جونز، فقال «إن التبرع لإعادة إعمار المسجد وسيلة لإظهار الدعم والمحبة لله بين جميع أبناء المجتمع في بيتربروغ». وأضاف أن دعم المجتمع المسلم يجب أن يقدم من جميع أبناء المجتمع، ووضع رقم مكتب كنيسة سانت جوينز لجمع التبرعات.
والشاهد أن أرث التنوير في أوروبا اليوم هو الذي دفع مجلة «دير شبيجل الألمانية»، ذائعة الصيت؛ لأن تحذر من أن تهميش المسلمين في أوروبا وإقصائهم وعزلهم هو أمر يحقق أهداف داعش وأقرانها من الأصوليين، ويجعل من إمكانية تجنيدهم أمراً يسيراً، وعليه فإن إفشال مخططات الأصوليين يقتضى مزيداً من إدماج المسلمين لا سيما اللاجئين في المجتمعات الأوروبية، وإقامة الجسور، عوضاً عن الجدران، وفتح أبواب الحريات بدلا من إغلاق الحدود، وخيانة الإنسانية».

بين الحرية والأمن
كثير من الأسئلة تطرح نفسها بنفسها، وتطل برأسها من نافذة الأحداث، وفي مبتدأها وخبرها: هل باتت فرنسا أمام خيار ناجز، يستحق في الحال، بين الأمن أو الحرية؟ الشاهد أن كثيرين حول العالم قد اعتبروا من قبل أن هذا خيار زائف.
في مقدمة تلك الأقلام البروفيسور شيرازي ميرابيلي، رئيس المجلس الدستوري الإيطالي، والذي يضعنا أمام معضلة إنسانية تتصل بحوارنا الإشكالي هذا وعنده أنه: إذا كانت الحقوق الأساسية تمثل تراثاً حقوقياً للشخص، لا تقدمه له الدولة، بل يجب على أي نظام حقوقي أن يعترف به، ويضمنه كملازم لكرامة الإنسان، فكيف يمكن حد هذه الحقوق وتقييدها دون المس بكرامة الشخص عينه؟ علامة الاستفهام هنا تنسحب على حقوق الفرنسيين وعموم الأوروبيين، وما إذا كانت حادثة باريس تدعوهم كما أشار عالم النفس الألماني الأصل الأميركي الجنسية «إريك فروم» ذات مرة للتنازل عن بعض من حرياتهم مقابل البحث عن الأمن والأمان.
هل يمكن إذن للأوروبيين بعمومهم والفرنسيين بالتخصيص التساهل مع نشوء وارتقاء موجات من المد اليميني، التي تهيئ الأجواء لتولي حكومات استبدادية السلطة؟
الجواب يتوقف على قناعات الأوروبيين بما جرى، وهل هو فعل متطرف لجماعة شريرة، تريد أن تنشر «الذعر المعنوي» بين الآمنين أم أنها مؤامرة ذات أبعاد دينية من جهة وديموغرافية من جهة ثانية، لا سيما وأن هناك من يروج لفكرة هيمنة الإسلام والمسلمين على أوروبا ديموغرافياً، ودون إطلاق رصاصة واحدة، كما كان يشير إلى ذلك معمر القذافي في بعض أحاديثه غير العقلانية جملة وتفصيلاً؟
هل يمكن للمرء أن يصدق أن ثمانية أفراد بأسلحتهم الرشاشة أو بعض ذخائرهم الشخصية قد يقدر لهم أن يقودوا فرنسا في طريق مناف ومجاف «للتنوير والعقلانية والحداثة» بحجة محاربة الإرهاب؟
المعضلة الحقيقية التي يراها التنويريون والليبراليون حول العالم هي أن التدابير الاستثنائية غالباً ما تكون بمثابة تربة انزلاقية، والمفارقة العجيبة أنها قد لا تقود إلى صيانة الدستور بل إلى القضاء عليه، وإلى الإساءة إلى الحقوق الأساسية التي يضمنها ويحميها لئلا تحدث هذه النتيجة السلبية.


عن الشعار والتطبيق
اتخذت الثورة الفرنسية مبادئها من أفكار الفلاسفة: «جان جاك روسو» و«فولتير» و«مونتسكيه»، ورفعت عبارة: (الحرية - الإخاء - المساواة) كشعار لها.
وقد تعرضت هذه الشعرات في سياق التاريخ الفرنسي، والثورة نفسها، إلى موجات من التشويه والتقويض، تحت حملات الإرهاب والقمع التي مارسها «الثوار». وفي ذلك يعلق «روبرت دارنتون» أستاذ تاريخ أوروبا الحديث في جامعة «برنستون» في ذكرى احتفال فرنسا بمرور مائتي عام على قيام الثورة الفرنسية قائلاً: إذا كانت فرنسا تحتفل بمرور مائتي عام على سقوط الباستيل، وإزالة الإقطاع، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، فإن الوضع في فرنسا في الفترة التي قامت فيها الثورة لم يكن في حقيقة الأمر على كل ذلك القدر من السوء كما يعتقد الكثيرون. فالباستيل كان خاليًا تقريبًا من السجناء وقت الهجوم عليه يوم (14 يوليو 1789)، كما أن الإقامة فيه لم تكن سيئة تمامًا كما يتصور الناس، ولكن ذلك لم يمنع الثوار من أن يقتلوا مدير السجن لا لشيء إلا لأنه من النبلاء، ثم طافوا بعد ذلك بجثته في الشوارع. كذلك كان الإقطاع قد انتهى بالفعل وقت أن أعلنت الثورة إلغاءه أو لم يكن على الأقل موجودا بمثل تلك الدرجة الفاحشة.
ويضيف قائلاً: وإذا كانت الثورة قد أعلنت حقوق الإنسان والمواطن، فإنها لم تلبث أن أهدرت هذه الحقوق بما ارتكبته من جرائم ومذابح وموجات إرهاب اجتاحت فرنسا كلها بعد 5 سنوات فقط من إعلان تلك الحقوق لدرجة أن بعض المؤرخين البريطانيين مثل «ألفريد كوبان» كان يصف هذه الإعلانات (حقوق الإنسان والمواطن) بأنها مجرد أسطورة.

الجمهورية الخامسة
اعتمد الدستور الحالي لفرنسا الذي غالباً ما يشار إليه باسم دستور الجمهورية الخامسة المؤرخ 4 أكتوبر 1958. وقد عُدّل 17 مرة، كان آخرها في 23 يوليو 2008. وهذا هو الدستور الخامس عشر في التاريخ الدستوري الطويل لفرنسا، منذ الدستور الأول المؤرخ 3 سبتمبر 1791.
وتعلن ديباجة الدستور تعلّق الشعب الفرنسي بحقوق الإنسان ومبادئ السيادة الوطنية على النحو الذي يحدده إعلان عام 1789 وديباجة دستور عام 1946، وكذلك بالحقوق والواجبات على النحو المحدد في ميثاق البيئة لعام 2004. وتعرف فرنسا بكونها جمهورية موحدة، علمانية وديمقراطية واجتماعية، وتقوم على مبدأ «حكومة الشعب، من الشعب وللشعب»، وشعارات: الحرية، المساواة، الإخاء.
وتتوزع سلطة الدولة بين السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية حيث يمارس السلطة التشريعية برلمان من مجلسين يمثلان الجمعية الوطنية، ويتم انتخاب أعضائه عن طريق الاقتراع المباشر، ومجلس الشيوخ الذي يتم انتخاب أعضائه عن طريق الاقتراع غير المباشر.
وتناط السلطة التنفيذية بالرئيس والحكومة التي يرأسها رئيس الوزراء الذي يعينه الرئيس. أما السلطة القضائية فهي مستقلة، ويتألف النظام القضائي من المحاكم الجنائية والمدنية، بما في ذلك المحاكم التجارية كما يبثّ النظام الإداري في المنازعات بين الدولة والأفراد.
وينتمي النظام القانوني الفرنسي إلى تقاليد القانون المدني التي تبلورت عن القوانين النابليونية. وكانت القوانين الخمسة النابليونية الأصلية تتكون من القانون المدني، وقانون الإجراءات المدنية، والقانون التجاري، والقانون الجنائي، وقانون الإجراءات الجنائية.