الملحق الثقافي

هلْ هُو المنْفَى؟

الحضارة الحديثة لوحة للفنان مكرم حنين (أرشيفية)

الحضارة الحديثة لوحة للفنان مكرم حنين (أرشيفية)

لو قمنا بوضع حصيلة لما بقيَ مما أنجزه العرب، في القرنيْن الأخيريْن، لكانت ثقافة الفرديات هي خلاصةُ الحصيلة. كل ما عداها هبَاء. هذا ما أجبت به صديقاً، ونحن ننظرُ في مأساة زمننا. لا شك أن المثقفين النقديين، في أكثر من جهة في العالم، منغمرون في إحصاء حصيلة أوضاع السياسة والمجتمع والثقافة في بلدانهم. ولن أبالغ إن قلت بأن لغة اليأس من مصير العالم، هي كلمتهم الأولى. مع ذلك فإن ما أصبحْنا نعيشه، عربياً، يتجاوز حدَّ اليأس لدى غير العرب، في كل من الغرب والشرق الآسيوي. لقد أقمنا الجنائز تلو الجنائز. ولم يعدْ يلوح في الأفق سوى المزيد من الجنائز. أقولها بهدوء، فيما صديقي يتعجّب من هدوئي، ويلومني عليه. عيناه كابيتان، وفي صوته شجن المحزُون الذي أصبحت الكآبة جلده الثاني.
تكلمني نفسي وأكلّمها، كأنما هي آخَري الذي يُجادلني. لم تعد هذه الحالة استثناء. أتأمل زمناً، وأتأمل مصيراً. لا كلمات لي. ما المشكلُ في أن نكون اليوم، في حالة احتضار؟ وما المشكل إن نحن صرّحنا به؟ أصمت، ثم أنصرف للبحث عن علبة دواء لعلي أنشغل بشيء يبعدني عن الاستغراق في التأمل. أنشغلُ ببحث رديف للهو والعبَث. وفي اللحظة غير المنتظرة تعود الحالة. لقائي بالكاتب الصديق، الذي جالسته وتبادلت معه الحديث، تمَّ صدفة. لأن الكتاب والمثقفين لم يعودوا يلتقون فيما بينهم. قد يتبادلون تحية عابرة في تقاطع الطرقات، وقد يتمسّكون بالعداوة بينهم. وتظل الأخبار، والتعاليق على الأخبار، هي ما يسود الحياة اليومية.
لن أوضّح ما المقصود من الأخبار. كل واحد يعرف ما يخبرنا به الإعلام عبر الهواتف الذكية، قبل نشرات الأخبار في القنوات الإذاعية والتلفزية. تطاردك الأخبار وأنت في السوق، وأنت تنتظر دورك لدى حلاق، أو تستعد لركوب حافلة أو قطار. الأخبار. وبعدها (أو قبلها) البرامج الدينية، بلغات عربية وأجنبية. هذا هو الطوق الذي يحيط بالعرب اليوم. وفي القنوات الليبرالية مسلسلاتُ الغرام والجريمة تلهث وراء بعضها بعضاً، ومزيدٌ من الأغاني، حتى تتهيّأ، أيها المشاهد الكريم، لترويج السلع والمنتجات الاستهلاكية. يمكن أن تقضي يوماً كاملاً وأنت تنتقل من جنازة إلى جنازة، أو تعبُر من وهْم إلى وهْم.

2
ليس جميع العرب سلبيّين إلى هذا الحد، تجاه ما يحدث. هناك وهنا تعبيرات جماعية عن رفض هذا الذي يحدث، باسمنا وعلى أرضنا. رفضٌ تنقله وسائل الاتصال الاجتماعي على نحو مباشر. تجمعات بشرية بأعلام ولافتات وأبواق. رفض بصيغة أخرى في كتابات وأعمال فنية، نتعرف عليه في صحف، في معارض كتب، في أنشطة تعلن عن نفسها بين الحين والآخر. وفي تتبّع رفض كهذا نستنشقُ هواء الحرية الذي يغمر الصدر. هواءٌ ما نتشبث به، في أرض وأرض عربية.
هذا الرفض الاجتماعي أو الثقافي، الصادر عن المجتمع المدني أو عن فرديات، يخترق الدروب الضيقة التي تكاد تكون بلا مخرج. رفض يعْبر الطرق إلى أن يقف عند الجدار، جدار السلطة أو جدار المجتمع. هو رفض نبيل، جريء، متوقد. وهو، في الآن ذاته، رفض الضعفاء، الذين لا يملكون ما يسمح لهم باختراق الجدار أو يساعدهم عليه. ومهما كان ضعف هؤلاء الضعفاء فإن بذرة الرفض، التي يريدون لها أن تبقى متقدة في النفوس، هي منبعُ الهواء الذي نتنفسه في المسيرات الجنائزية. منبع سريٌّ لا يظهر للذين يعبرون الطرق الكبرى للإعلام. من شقوق غائرة يخرج، صافياً، نقياً، منعشاً. هواء في صباح اليأس المتكرر.
يباغتني تخيّل بعض هؤلاء الذين يستنشقون هواء الرفض. لا أضعُ على صدورهم نياشين تعوّدنا من قبل عليها، من قبيل وصفهم باليساريين، العلمانيين، الديمقراطيين. أتخيلهم كما يمكن أن تنقل شاشاتٌ صورَهم، أو كما تتركب صورُهم في مخيلتي. جماعات وأفراداً من المجتمع المدني. لا أمنع نفسي من مشاهدتهم، خارج ما كان مُلزماً من صفات للرافضين. أنظر إليهم وأنا أتخيّلني أمشي بمحاذاتهم. أحترم حدود فضائهم. وفي بعض الأحيان أسمع في داخلي صوتاً يردد ما يهتفون به، أو يعلق عليه أو يقارن بينه وبين ما كنا نهتف به ذات يوم من أيام السبعينيات والثمانينيات. بل إن أجمل وأقوى ما أحتفظ به من هتاف، هو ذاك الذي كنت سمعت المغاربة يلهجون به على إثر إعلان استقلال المغرب. ورغم أني كنت صغيراً، لا يتجاوز عمري ثماني سنوات، فإن ذاكرتي تحتفظ بصورة فرح شعبي لم أشاهد مثيلاً له فيما بعد.

3
بكيتُ متأثراً بشدة فرح المغاربة بالاستقلال، كما بكيتُ بالتأثر ذاته لفرح الجزائريين بالاستقلال، ولفرح الفلسطينيين بإعلان وثيقة الاستقلال في قاعة مغلقة. كانت صاعقة من داخلي تفجّر الدموع في العينين. دموع تجري بدون أيّ صوت. ولا أظن أحداً كان يراني. بكاء فرح كنت أنضمُّ به إلى فرح الآخرين. وكنت أحس أن فرح الناس فرحٌ بالحرية، فرحٌ بالمستقبل، فرحٌ بالمعجز والمستحيل. لم أكن أملك كلمات للتعبير عما كنت أحس به، لكنني حين تعلمتها لم أشعر في يوم أنني أخطأت في فرحي ولا أخطأت في إحساسي بمعنى فرح سواي. وأنا ما زلتُ أبارك ذلك الفرح، لأنه حقٌّ من حقوق الإنسان. وأظن أن المطالبة بالفرح لا تقل رمزيتها عن المطالبة بالحرية.
تخطيتُ في شبابي بكاء الرومانسيين وشكواهم، مثلما تخطيتُ طريقتهم في التعبير عن انفعالاتهم. هي الثقافة الحديثة تدلُّ على إحساس مختلف بالإنسان وما يتصل بحياته وموته. ثقافة نتعلمها بصبر مرح، لأنها ثقافة مفتوحة على المتعدد واللانهائي. أي أنها ثقافة تحرر الفرد من المغلق، كيفما كانت طبيعته، أكان دينياً، أم سياسياً، أم أخلاقياً. الثقافة الحديثة تبدأ مع السؤال والنقد. ومنهما تتضح الشعاب وتمتد إلى حيث حدودُ الثقافة الحديثة هي اللاحدود. وبغير الصبر المرح نعجزُ عن وضع القدمين على عتبتها. لذلك أعتبر الثقافة الحديثة نعمة كبرى، ننعم بها عندما نقبلها بتناقضاتها.
بهذا المعنى يسمح لي خطابي أن أمزج بين البوح والتأمل، بين التذكر والملاحظة، بين صوت الذات وصوت المعرفة. ما يبدو فيه متناقضاً هو من صميم خصيصة الخطاب الحديث. وعلى هذا النحو أتحرر من المغلق، الذي أرهق الرؤية واعتقلها في دائرة من القيم الكابحة لذاتية الفرد والجماعة. وفي ضوء الثقافة الحديثة نفسها ألازم قراءة ما يحدث باسمنا في كل أرض عربية. ليست ملازمة الثقافة الحديثة علامة على عناد لم يعد له معنى في زمن إسلامي، بل إنها مقاومة ثقافية تخترق الحدود تلو الحدود.
من بين الحدود التي يمكن أن نحاول على الدوام اختراقها هو حدّ الدلالة اللغوية للكلمات. الخروج من المعنى الأحادي إلى المعنى المتعدد في مقدمة الاختراق. حيث يمكن للعب بالكلمات ومع الكلمات، تركيباً وصرفاً ومعجماً، أن يفاجئنا بما لا نتوقعه في دلالتها، لكنه لعب جديٌّ ومسؤول، لا يعبث ولا يدمر. هو طريقة في استكشاف مجهول الدلالة للذهاب إلى أقصاها، في الجهات المتخفية، التي لا ندركها إلا برصد فضاءاتها الممكنة، التي تمنحها اللغة ذاتها للكلمات.

4
كيف يمكن أن نرى اليوم إلى ثقافة الفرديات، في عالمنا العربي الحديث؟ يملك هذا السؤال (أو أيّ سؤال قريب منه) طاقة للتنبيه على وضعية الشدة التي تستبد بالثقافة العربية الحديثة. لقد فشلت المؤسسة العربية في إعطاء معنى متحرر للاستقلالات، كما فشلت في بناء دولة مواطنة، وتنكرت للمعرفة والعلم، وحاربت الحرية والإبداع. جعلت المؤسسة من الاستقلال رخصة لثراء الفئة الحاكمة واستغلال خيرات الشعب، واختزلت الدولة في شخصية الملك أو الرئيس، وحصرت المعرفة والعلم في المعلوم، وحرمت الإبداع من الحرية.
منذ اللحظة الأولى من نشوء الدولة الوطنية، وقع اصطدام بين هذه الفرديات وبين مؤسسة الدولة. اصطدام عرف المد والجزر. وهو ما سمح، على الأقل، لبعض الفرديات أن تنتج وتعمل في بلدانها، فيما شريحة واسعة من هذه الفرديات التجأتْ إلى المنفى، خارج البلد، لتطوير كفاءاتها العلمية أو لتوفير الحرية والحماية لعملها وإنتاجها، وفي مقدمته الأعمال الأدبية والفكرية والفنية.
نحن اليوم أمام واقع جديد، صادم بحدة وصلابة سيادة ثقافة الانغلاق على كل من المؤسسة والمجتمع. انغلاق ديني أو سياسي أو أخلاقي. ذلك ما يتفق مثقفون نقديون على سريانه في جسَد مجتمع اختزل سبل الحياة في صيغة واحدة، هي الحرص على النجاة في الآخرة. لن أقول إن التجربة الدينية هروب من الحياة. إنها أنقى من الانغمار في قيم مجتمع رأسمالي، وتحتفظ لصاحبها بألق ما هو إنساني. لكن اختزال سبل الحياة في الحرص على النجاة في الآخرة لا يترك مكاناً لعيش تجربة الحياة. وما عملت حركة الثقافة الحديثة، ثقافة الفرديات، على نشره، خلال قرنين، هو تجربة الحياة. سمَينا تلك الحركة بأسماء النهضة والتحديث والحداثة. حركة شجّعت على الدخول إلى مرحلة مختلفة من الرؤية إلى الحياة والموت، في آن.

5
بالثقافة الحديثة أصبحنا ننظرُ إلى العالم من حولنا بمنظور الحرية، بما هي أمّ قيم الحداثة. وبقدر ما تمثل الحرية طريقة في الحياة المفتوحة على الذات وعلى الآخر فإنها تشكل قطيعة مع قيم الاستعباد والخضوع. إنها القطيعة التي تجسدت في التباعُد الذي حصل بين المثقفين في الغرب ومجتمعهم، وهي ذاتها التي جعلت المثقفين العرب الحديثين يعيشون أنواعاً من التباعد بينهم وبين المجتمع العربي. كتابات عديدة سجّل فيها كتاب عرب حديثون ما عانوْه من أجل الاستمرار في مغامرتهم الفكرية والإبداعية، وكتابات تشهد على نقد بعضهم العنيف للمجتمع وقيم الاستبداد والخضوع السائدة في مؤسساته وبين أبنائه.
نحن، اليوم، في زمن آخر. زمن إسلامي أصبحت رؤية المجتمع مختزلة في الحرص على النجاة في الآخرة. معيار أحادي هو الموجّه للحلم والخيال في آن. أصبحت كلمات القطيعة والتباعد بين المثقف والمجتمع بدون معنى. لأن الفقيه هو الذي أخذ مكانة المثقف. الفقيه يحدد اليوم مجال المسموح والممنوع، من خلال الحلال والحرام، في جميع مظاهر الحياة. وفي هذه الوضعية الأحادية، التي أصبحت سائدة للحياة والموت، ينبثق السؤال عن ثقافة الفرديات.
مرة أخرى أؤكد على أن الثقافة في عالم اليوم مهددة بتبعيتها لقيم الاستهلاك. وهو ما يخلصنا من الرؤية الثنائية التي كنا بها نقابل بين ثقافة العالم العربي وعالم الغرب. بل إن هذا التأكيد يؤدي إلى أسئلة جذرية عن مصير الثقافة في عالم أصبحت العولمة مرجعيته في رسم الوضعية البشرية. لكن السؤال عن ثقافة الفرديات، في العالم العربي، يعني بدءاً أن مجتمعنا لم يمرّ بعد بمرحلة تقاسم قيمة الحرية بين أبنائه. ما عاشه مجتمعُنا من تنوير ظل محدوداً في الصحافة التي تتعرض للرقابة، وفي التعليم الذي حاصر قيمة الحرية ووضعها في خانة المحرم. رقابة على الأدب والعلوم الإنسانية. وهو ما أنتجته الفرديات الثقافية وعملت على نشره. أما التعليم، الذي تشرف عليه الدولة وتوجهه، فإنه وضع حدوداً أخلاقية ودينية وسياسية تمنع من الاقتراب من الحرية التي يعلمها الأدب كما تعلمها العلوم الإنسانية.

6
تأملُ وضع كهذا لا يفارق المثقفين النقديين اليوم. مهما تجنّبوه في زاوية من الحياة اليومية أو الثقافية، بحثاً عن وسيلة يمنعون بها عن أنفسهم اليأس من زمن ومن ثقافة، يعود من الشقوق اللانهائية للثقافة الحديثة ولفكرتها. ومن مظاهر التأمل تراجع مثقفين عن الاستمرار في الكتابة، أو انزواؤهم مكتئبين في ركن من البيوت. صمت متعاظم يحتاج إلى من ينصتُ إليه، في جماعيته، وفي توزعه بين البلاد العربية.
أخصّ هذه الوضعية بالمثقفين النقديين. لا خلط ولا التباس. الذين يمارسون حياتهم الثقافية بدون عناء، بدون قلق، بدون يأس، ينفصلون عن المثقفين النقديين. أيْ أن أولئك الذين يزاولون عملهم الثقافي، وهم يلبّون طلب المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، في أعمال لا أثر لزمن المعرفة فيها ولا أثر للسؤال. هؤلاء يملؤون الحياة الثقافية بضوضاء التبضّع والترفيه. وهم يعرفون أنهم لا علاقة لهم بالثقافة الحديثة ولا بالحرية ولا برؤية نقدية لزمنهم. وسواء أكانوا متوفرين في سوق الاستهلاك الثقافي أم لا يتوفرون فإن عملهم يفتقد المعنى.
ما أشعر بضرورة التصريح به وتقاسم التأمل فيه مع نفسي وغيري هو هذا السؤال عن كيف يمكن الرؤية اليوم إلى ثقافة الفرديات. فالدولة العربية لم تعن قط ببناء مؤسسات ثقافية ذات استراتيجية تحررية. ما تتوقف عنده، بين وآخر، هو وضع مؤسسات ظرفية، ذات صلاحيات مبتورة، لا تتعلم من العالم ولا تتفاعل معه إلا في حدود ما يستجيب لحاجيات سياساتها الرسمية. وهي اليوم تسلم أمرها للفقيه، الذي يخلُص في تطبيق الواجب السياسي بلغة فقهية وحسب ثقافة فقهية، متمسكة بحدود المسموح والممنوع.
بهذا يتضح كيف أن ثقافة الفرديات متعارضة مع ثقافة المؤسسة الرسمية وشبه الرسمية. إنها الثقافة التي تطلبت جهوداً وأزمنة، من أجل أن يصبح لها كيانٌ ضمن الثقافة الحديثة في العالم، وتجد من يستقبلها في العالم العربي. العوائق التي وجدتها هذه الثقافة لبلوغ هدفها تعددت وتنوعت عبر مراحل من زمننا الحديث. منها ما كانت طبيعة هذه الثقافة نفسها هي مصدر العائق، ومنها ما كانت الدولة أو المؤسسات التي تنوب عنها، أو الغرب. لكنها تبدو اليوم حمقاء، تائهة، تصرخ في شوارع البرد والكآبة.

7
هل هو المنفى؟ سؤال عن وضعية ثقافة الفرديات ووظيفة ما أنتجته من أدب وفنون وفكر في مجتمع تسيطر عليه رؤية دينية أحادية للحياة والموت، تتكاثر فيها أسواق الاستهلاك، بما فيها الثقافية الاستهلاكية، تعمم قيمَ العولمة، ويطغى نشر ثقافة الجمهور الواسع، عبر المسلسلات التلفزيونية والأغاني والمسابقات والتقنيات الجديدة للتواصل الاجتماعي. لم تلتق من قبلُ جميع هذه العوامل كما تلتقي اليوم دفعة واحدة. تلتقي وتتفاعلُ في بناء فضاء مغلق، لا يتسرب إليه ضوء مما كان، وتمّ إنتاجه ونشره. هناك كان، وهناك يبقى خارج هذا الفضاء المعتم، وبداخله نفوس مطمئنة ليوم الميعاد.
من العسير التخلص من هذا السؤال عن مصير ثقافة كانت تعد بالحرية، فإذا بها اليوم مهجورة. وأخشى في الوقت نفسه على السؤال من الابتذال. أي من الرضوخ للتعبير السهل، أو الانسياق وراء الانفعال الساذج، أو الانزلاق وراء اللامعنى. حين هجم عليَّ هذا السؤال توقفت عنده أكثر من مرة. حاولت أن أستبعده، تشبثاً بلغة الإيجاب. لكن التغافل عنه لا يفيد سوى الخيانة، خيانة السؤال وخيانة المعنى في آن. سؤالٌ قاس على كل مثقف عاش غنى لحظات مشرقة، من ظهور تجارب إبداعية في مواكب حافلة بالحركية النقدية، أو صدور أعمال فكرية يقظة بجرأتها الحادة، وإقدامها على إعلان نقد قيم الاستعباد والخضوع، في الخطاب الديني كما في الخطاب السياسي.
قساوة السؤال من قساوة انكشاف الحقيقة. فهذا المثقف النقدي لم يخطئ عندما اختار ثقافة الحرية وغامر في المشي بقدمين ثابتتين نحوها. لم يكن يهاب الطريق ووحوش الطريق. تعلم من ثقافته القديمة والحديثة، جنباً إلى جنب، أن الحرية هي السبيل الممكن للقطيعة مع ثقافة الاستعباد والخضوع. وهو اليوم في خلاء. هل ما وصفَه بلحظات مشرقة للثقافة النقدية أو ثقافة الفرديات وهمٌ؟ أم أن شعوره بغنى تلك اللحظات كاذب؟ أم أن كل ذلك من فعل الزمن الذي لا يعترف بتبدّله؟

8
كنت اهتديتُ إلى أن المثقف الحديث هو الذي يقف على حدود الخطر. وطرح السؤال من أقسى أشكال الوقوف على هذه الحدود. فهو يأتي من القلق ويذهب باتجاه القلق. لأن الضوضاء، التي تعلو جلبتُها في المحافل، تمنع من سماع صوت كل شيء، ما عدا صوت الدخيلة التي تتشبثُ بقلقها ولا تترك النشيد وحده يجري في شوارع البرد والكآبة. لا يتخلى المثقف النقدي عن مكانه، الذي هو مكان الإقامة على حدود الخطر. مفتوح العينين، لا بطلاً ولا شهيداً. كذلك هي تسميتُه مثقفاً حديثاً. كان اختارها عن طواعية، وهو لها وفيٌّ ليلاً ونهاراً. قبل أن تتبدل الأزمنة أو يحس بها تتبدل.
«العهود كلها قذرة»، أسمع أنتونان أرطو يقول. شطحة أنصت إليها وأنا أبحث عن معنى هذا الذي يحدث، باسمنا على هذه الأرض العربية. ولا أنساق وراءها، رغم أني أنصت إلى شطحة مثيلة كتبها هيجل في نهاية حياته، مؤداها أن العالم سيبقى حسب ما كان عليه. كما لو كان يشطب على ما كتبه عن التاريخ بما هو مسار تقدم الوعي الإنساني بالحرية، وعن تحققها في الدولة التي تبلغ فيها مرتبة الموضوعية.
أدرك بأني أقف على حدود الخطر، ولا أكذَب المنفى. أقف وجهاً لوجه معه في زمن كسيح. أنظر إليه. بهذه النظرة أراني واقفاً على أرض، أستقبل ما أرى. وأكرر. لا ندمَ على أن تطرح السؤال. لا خوف من أن تصرح بما ترى لنفسك ولسواك. في السؤال قوة الرؤية، وفيه إرادة البحث عن اتجاه مختلف. تلك هي المقاومة التي ترقى بالإنسان إلى إنسانيته، وتمنحه القدرة على تحريك القدمين، استمراراً في المشي. لا تخش ما أنتَ فيه. سمعك مليء بأصداء النشيد، تردده مع راحلين وقادمين. والليلة تبدأ مرة أخرى. حرية، حرية.

فشل.. مكرّر
المؤسسة العربية فشلت في إعطاء معنى متحرر للاستقلالات، كما فشلت في بناء دولة مواطنة، وتنكرت للمعرفة والعلم، وحاربت الحرية والإبداع. جعلت المؤسسة من الاستقلال رخصة لثراء الفئة الحاكمة واستغلال خيرات الشعب، واختزلت الدولة في شخصية الرئيس، وحصرت المعرفة والعلم في المعلوم، وحرمت الإبداع من الحرية.

أمّ قيم الحداثة
بالثقافة الحديثة أصبحنا ننظرُ إلى العالم من حولنا بمنظور الحرية، بما هي أمّ قيم الحداثة. وبقدر ما تمثل الحرية طريقة في الحياة المفتوحة على الذات وعلى الآخر فإنها تشكل قطيعة مع قيم الاستعباد والخضوع. إنها القطيعة التي تجسدت في التباعُد الذي حصل بين المثقفين في الغرب ومجتمعهم، وهي ذاتها التي جعلت المثقفين العرب الحديثين يعيشون أنواعاً من التباعد بينهم وبين المجتمع العربي.