الملحق الثقافي

تعابير إماراتية: تحولات الإنسان وتفاعلاته

صورة لمجسم نادي الضباط لـ «لمياء قرقاش»

صورة لمجسم نادي الضباط لـ «لمياء قرقاش»

تذهب الأعمال الفنية المعروضة في الدورة الرابعة من معرض «تعابير إماراتية» إلى عمق التحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المجتمع الإماراتي، في توظيف جمالي للفكرة التي يقوم عليها المعرض، والذي يحمل عنوان «ميادين الفنون».
إيمان محمد
تتماهى في المعرض رؤى وتصورات 15 فناناً إماراتياً من جيل تمكن من التنقل بخفة بين ألوان مختلفة من الفنون التطبيقية والفنون البصرية، وهي أعمال تلفت النظر في المشهد التشكيلي المعاصر في الإمارات، إذ تنشط فنون التصوير الفوتوغرافي والفيديو آرت، بما فيها الأعمال الرقمية والأعمال التركيبية متعددة الخامات لتسجل ذاكرة مجتمعية متقلبة وظواهر إنسانية فارقة، ولا يغيب عن هذا التنوع تصميم الأزياء من أثواب وحقائب وإكسسوارات، وأيضاً تصميم الأثاث والمنحوتات الضخمة.
والمعرض الذي تنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة مرة كل عامين في منارة السعديات بالتزامن مع «فن أبوظبي» منصة الفن الحديث والمعاصر، يخضع كل مرة لفكرة مبتكرة ينفذها قيم فني، حيث يتشارك مع مجموعة فنانين لخلق فضاء فني معبر، هذا العام عملت ميساء القاسمي مديرة البرامج في مشروع متحف جوجنهايم أبوظبي، مع ريم فضة القيم الفني لفنون الشرق الأوسط في مشروع متحف جوجنهايم أبوظبي، ومنيرة الصايغ مسؤولة البرامج في متحف جوجنهايم أبوظبي، على بلورة فكرة وظيفية الفنون وقابلية استخدامها وتطبيقها والتفاعل معها بالتشارك مع مجموعة الفنانين.

تفاعل اجتماعي
وتعتقد ميساء القاسمي «أن من شأن الأعمال الموجهة لتحقيق التفاعل الاجتماعي أن تنتج علاقات ثقافية ملموسة تعزز وتدعم هوياتها كأعمال فنية». وربما نرى ذلك متحققاً في قطعة «تمويه» لزينب الهاشمي المصنوعة من الخشب ووبر الجمل، وهي أقرب ما تكون محاولة للقبض على ما تبقى من ثقافة الصحراء التي زالت معظم رموزها، فالتموجات الهرمية للمنحوته تحاكي التلال الرملية في الصحراء وفي الوقت نفسه تمثل سنام الجمل الذي كان محور حياة البدوي، وعند الجلوس على المنحوتة سيتذكر الجالس إحساس الرمل، وظهر الجمل غير المريح، في دعوة تفاعلية مع العمل الفني.
أما «الكابينة» لخالد الشعفار، فتمثل نموذجاً خلاقاً للبحث الثقافي الاجتماعي المفضي لإبداع من نوع مختلف، فالكابينة المتخذة شكلاً دائرياً مصنوعة من قشرة خشب الساج الشبيهة بالخشب المستخدم في صناعة السفن القديمة، وأرضها مفروشة بسجادة رملية الملمس، فيما تغطي سقفها حلقات زجاجية ملونة تعكس تدرجات لانهائية من اللون الأزرق، وعلى الداخل إلى الكابينة أن يخلع حذائه ليتماهي مع السفينة التي لم تبحر أبداً!
وفي الحقيقة، يستدعي الشعفار في هذا العمل ذاكرة مدينة أبوظبي عبر استدعاء الحكايات المتعلقة بالسفينة المهجورة قرب نادي أبوظبي للرياضات البحرية، التي ظلت لوقت طويل غامضة المصدر، وفي سبيل عمله على استكشاف تاريخها وجد الشعفار صورة للمغفور له الشيخ زايد يطل منها لمشاهدة بعض الفعاليات على الكورنيش، واكتشف لاحقاً أن السفينة قد أهدت إلى الشيخ زايد من دولة الكويت، وأنها لم تبحر أبداً إذ تحولت إلى مطعم شهير في العاصمة. وهكذا تم بناء عمل فني تفاعلي يستدعي الذاكرة ويولد مشاعر حسية متنوعة، واستطاع الشعفار أن يطور رمز العقال، الغطاء التقليدي لرأس الرجل في المنطقة، إلى انعكاسات لألوان البحر من سقف الكابينة، وهو المشهد الذي يراه من يقف على ظهر السفينة.

امتدادات العمل الفني
وربما تكون ملصقات الفنان رامي فاروق هي الأقدر على خلق التفاعلية بين العمل الفني والمتلقي، فعمله ببساطة عبارة عن ملصق من حجم 10 في 7 سم دونت عليه صفات إيجابية باللغتين العربية والانجليزية (هادئ/‏ حنون/‏ واثق/‏ مواظب) وعلى الزائر أن يأخذها معه، وله أن يلصقها أين ما يشاء أو يعطيها لمن يريد؛ فخطوة المتلقي التالية هي في الحقيقة امتداد لهذا العمل الفني. ويتقارب مع هذه الفكرة عمل الفنان خالد المزينة، الذي طبع أعداداً كثيرة من رسومات مختلفة لتصميم زوايا مختلفة من مبني المجمع الثقافي في أبوظبي على ورق من حجم 59 في 84 سم، وترك للمتلقي أن يأخذها معه وكأنه يذكر أن البناء الإيقوني في العاصمة للجميع.
أما الفنان سالم القاسمي، فيتيح للمتلقي تكوين عمله الفني بنفسه، إذ يوفر له منصة كمبيوترية وشاشة عرض مع جهاز استشعار، وللزائر أن يكوّن الحروف التي يريد ويشكلها وفق ما يريد، إذ يتجاوز الفنان بذلك الدعوة التفاعلية ليجعل من المتلقي صانعاً للفن، فكل زائر ينتج عملاً فنياً مختلفاً دون تدخل من الفنان، إلا أن الفنانة عفراء الظاهري تختبر نوعاً مختلفاً من التفاعل مع المتلقين والفنانين على حد سواء، إذ تختار من يشارك معها في الرسم أو الأداء الفني في مساحة أطلقت عليها اسم «آرت ويك» فيما يشبه الاستوديو أو المرسم المفتوح، حيث يتيح ذلك ارتجال أعمال فنية آنيا وتنفيذها مباشرة أمام الجمهور.
وفي رصدها لهشاشة العلاقات الاجتماعية وسط الفورة التكنولوجية العارمة، تحاكي هند بن دميثان المجلس التقليدي الذي كان يجمع أفراد العائلة أو الأصدقاء؛ فعلى المساند والمطارح المطرزة تنعكس صور لأيدٍ مشغولة بالطباعة على أجهزة الهاتف المحمول، وللزائر أن يرتاح على هذه المساند، بشرط أن ينشغل بهاتفه وليس بمن معه، في مشهد ساخر من تأثير الهواتف الذكية على العلاقات الاجتماعية، خاصة أنها اختارت للعمل اسم «وهذه هي الجَمعة».
وقد تكون «سلسلة العودة إلى الطبيعة» للفنانة سمية السويدي غير منسجمة مع الفكرة العامة للمعرض، فهي تعرض أزياء وحقائب وساعات يد بتصاميم تمزج التراث بالمعاصرة، إلا أنها تستند في بحثها الفني هذا على نقوش مأخوذة من كتب السير الذاتية القديمة وأوراق صحف عتيقة، في محاولة لتجسيد فكرة أن الناس مرجعهم إلى حيث أتوا؛ التراب أو الطبيعة.

تطوير الحالة الفنية
شكلت الأعمال التي تم تكليف بعض الفنانين بتنفيذها في المعرض، لفتة نوعية لزخم الحياة الاجتماعية بين الجنسيات المتعددة التي تقطن المدينة، إذ كُلف خمسة فنانين بتقديم أعمال مستوحاة من الأندية الاجتماعية والمؤسسات الثقافية المنتشرة في المدينة، التي تمثل فضاءً خصباً للتفاعل الاجتماعي الناضج والمبكر خاصة في حالة المركز الاجتماعي الهندي، الذي تأسس قبل قيام الدولة، فكانت تقام فيه الحفلات الفنية والمعارض وحفلات الزفاف وغيرها من المناسبات التي تجمع شخصيات رسمية ومجتمعية وفنية، فهي بمثابة ميادين للفنون توظف فيها الجماليات لتحقيق غايات مختلفة.
وقع اختيار قيمات المعرض على مجموعة مؤسسات مجتمعية حيوية، تضم النادي السوداني والنادي الأردني، والمجمع الثقافي، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ونادي ضباط القوات المسلحة والمسرح الوطني، إلى جانب المركز الهندي.
وحسب ريم فضة، فإن «البحث في الهويات التاريخية والمعاصرة لهذه النوادي الاجتماعية يتيح خلفية لتأمل المجتمع والمدينة بوجه عام. ومن خلال تحويل قيود الفصل التنظيمي والمفاهيمي إلى عمل تجريبي متنوع، فإن هذا الجيل من الفنانين الإماراتيين يعمل على تطوير حالة فنية شاملة ذات بعد اجتماعي وثقافي».
وبهذا المعنى، تشكل سلسلة الصور الفوتوغرافية للمياء قرقاش شريطاً من الذاكرة المجمدة لهذه الأماكن، التي توحي بالفراغ والهجران، خاصة أن الصور تخلو من البشر، وكأنها ترصد اللحظة التي تخلى فيها الناس عن أماكنهم التي كانت حية بهم، مباني «ليست براقة»، كما تقول، لكنها ذات سمات مهمة ومؤثرة. الصور تظهر الطابع الإنساني للمكان المهجور رغم زخم الذاكرة بالعديد من الأنشطة القوية. وقد يظن المتلقي أن المقعد الخشبي في مقابل الصور المعروضة قد خرج من أحد هذه الأماكن، خاصة أنه مزخرف بنقوش إسلامية بسيطة، إلا أن المقعد هو منحوته فنية للفنانة مريم السويدي، يتماهى مع الطابع العام لتلك المباني غير أنها مازجت فيه بين الخشب والإسمنت وأطلقت عليه اسم «مقعد الثمان نقاط».
وفي محاولتها للاقتراب من أناس لا تعرفهم، ترصد الفنانة علياء لوتاه آثار الزمن و الذاكرة المتلاشية على مجموعة وجوه رسمتها من صور محفوظة في أرشيف نادي ضباط القوات المسلحة، إنها تصورات تقريبية لأفراد يربط بينهم الفراغ وعدم اليقين، وملامح تبدو غير واضحة وغير مميزة. لا يمكن قراءة هذه الصور بعيداً عن السياق الذي أعيد إظهاره إلى الوجود بهذا الشكل، فقد اختارت لوتاه الوجوه من بين كم هائل من الصور للجنود، بعضها كان شخصي والآخر من صور جماعية، وتركت كل صورة انطباعاً شخصياً لديها حاولت أن تقدمه بأكثر ما يمكن من التقريب.

فنانون وحوارات
يشارك في معرض تعابير إماراتية كل من الفنانين:
عمار العطار، عفراء الظاهري، زينب الهاشمي، فرح القاسمي، سالم القاسمي، مريم السويدي، سمية السويدي، هند بن دميثان، رامي فاروق، لمياء قرقاش، علياء لوتاه، غاية بن مسمار، خالد مزينة، ناصر نصرالله، خالد الشعفار.
ويستمر المعرض حتى شهر مارس المقبل في منارة السعديات في أبوظبي، وستعقد سلسلة من الحوارات النقاشية العامة في حضور الفنانين، إلى جانب ورش عمل فنية مفتوحة للجمهور من مختلف الأعمار. ومن المتوقع أن يصدر كتاب يوثق مفهوم المعرض ويبحث في الأدوار التي تلعبها النوادي الاجتماعية في عكس التنوع الثقافي وترك البصمة الجمالية.