الملحق الثقافي

جيل دولوز: الفلسفة لن تموت

في الرّابع من نوفمبر 1995، ألقى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز نفسه من نافذة شقّته في الدّائرة السّابعة عشرة في باريس، مُنْهياً بذلك عذاب سنوات طويلة من المرض، وقد علّق جاك دريدا على ذلك الغياب الفاجع، والأليم قائلًا: «جيل دولوز مفكّر بالدّرجة الأولى، مفكّر الحدث، وقد ظلّ ثابتاً في موقفه هذا، من البداية حتّى النّهاية (...) منذ البداية لم تكن كتبه تعني بالنسبة لي فقط تحريضاً قويّاً على التّفكير، وإنّما كانت أيضاً دالّة على تقارب تجاربنا». أمّا فراسوا رانيو فقال: «الفيلسوف الكبير هو ذاك الذي يقنع قرّاءه، والمستمعين إليه، بأن يعيشوا، مستقبلًا، حياة فلسفيّة. وجيل دولوز يقنعهم بذلك. وليس مهمّاً أن يتوصّل جميعهم إلى هذه النّتيجة. يكفي أن يتلمّس الذين يقرأون له، أو يستمعون إليه أن مثل تلك الحياة مفتوحة بالنسبة لهم».

ولد جيل دولوز في باريس في الثّامن من شهر يناير 1925. وفي فترة شبابه، وهو يدرّسُ الفلسفة في جامعة السّوربون، تعرّف على كتّاب وفلاسفة سيكون لهم تأثير على مساره الفكريّ، والفلسفي. من بين هؤلاء: جان هيبولت، ميشال بيتور، ميشال تورنييه، وفرانسوا شاتليه الذي سيخصّص له في ما بعد كتاباً يعرف بفلسفته العقلانيّة، والتي علّق عليها فرانسوا إيفالد قائلاً: «يقول فرانسوا شاتليه بأنه عقلانيّ. والعقل عنده ضرورة قبل كلّ شيء: مرور من القوّة إلى الفعل الذي يمنع الفوضى، ويبعد شبح اليأس، ويسمح بعلاقات إنسانيّة لا تترك أحداً ضحيّة للسّلبيّة، لكن تسمح له بأن يجدّد قوّته. لهذا السّبب في العلاقة مع الآخر، يكون العقل لياقة وطيبة: لياقة لأنه شرط المساواة الحقيقيّة مع الآخرين، وطيبة لأنه يمتلك القدرة التي تساعد الإنسان على للخروج من نفق اليأس، ويهبه فرصة تجديد القوّة التي فيه».
وفي مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، عمل جيل دولوز أستاذاً للفلسفة في المعاهد الثانويّة، ثمّ أستاذاً مساعداً في جامعة «السّوربون»، ثمّ باحثاً في «مركز البحوث والدراسات الاجتماعيّة» الذي ظلّ فيه حتى عام 1964. وفي عام 1962 تعرّف على ميشال فوكو الذي قال عنه، بعد أن أصدر مؤلّفيه: «الاختلاف والتّكرار ومنطق المعنى» بأنّ القرن العشرين سيكون «قرناً دولوزيّاً (نسبة إلى دولوز).

تفسيرات خاطئة
انطلاقاً من الستينيّات من القرن الماضي، لمع اسم دولوز في مجال الفلسفة، وذلك بعد أن أصدر كتاباً عن نيتشه مثيراً للجدل، وفيه كتب يقول: «نحن، قرّاء نيتشه، علينا أن نتجنّب أربعة تفاسير خاطئة محتملة:
= حول إرادة القوّة (الاعتقاد بأن إرادة القوّة تعني «الرّغبة في الهيمنة»، أو«الرّغبة في القوّة».
= حول الضّعفاء والأقوياء (الاعتقاد بأن الأكثر«قوّة» في نظام اجتماعي هم «أقوياء» بالضّرورة.
= بشأن العود الأبدي (الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق بفكرة قديمة، مستعارة من قدماء اليونانييّن، ومن الهنود، ومن البابليين الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق بدورة، أو بعودة «الشيء ذاته».
= بشأن الأعمال الأخيرة (الاعتقاد بأن تلك الأعمال مبالغ فيها، أو هي مجرّدة من القيمة بسبب الجنون).

تهديدات
في عام 1969، تعرّف جيل دولوز على فيليكس غيتاري، ومعا سيعملان على مدى سنوات. وعن ذلك علّق قائلا:«فيليكس غيتاري وأنا لم نتعاون مثلما يتعاون شخصان. كنّا بالأحرى مثل جدولين يلتقيان ليكوّنا معا جدولًا ثالثاً الذي هو نحن!». مع فيليكس غيتاري، أنجز دولوز العديد من الأبحاث، ومعه ألّف كتباً مهمة، مثل «نقيض أوديب» الذي يرى ميشال فوكو أنه يقاوم تهديدات خطيرة على مستوى الفكر، وتتمثّل هذه التّهديدات في نسّاك السياسة، وفي المناضلين المقطّبين والكئيبين، وفي إرهابييّ النّظريّات، والذين يريدون المحافظة على النّظام الصّرف للسياسة، وللخطاب السياسي وبيروقراطييّ الثورة، وموظّفي الحقيقة، كما تتمثّل التهديدات في تقنيّي الرغبة المثيرين للشّفقة، أي علماء النفس، وعلماء السيميولوجيا الذين يسجّلون كلّ إشارة، وكلّ ظاهرة مرضيّة، والذين يريدون أن يقلّصوا التنظيم المتعدّد، بهدف إخضاعه للقانون الثنائي للتركيبة ولما هو ناقص أو منعدم. وأما العدوّ الثالث الأساسي والاستراتيجي فهو الفاشيّة، لكن ليست فاشية موسيليني أو هيتلر وحدهما، والتي عرفت كيف تحشد الجماهير، وكيف تستغلّ رغباتها الظّاهرة والمخفيّة، وإنّما الفاشيّة الكامنة فينا جميعاً، والتي تداهم فكرنا، وسلوكيّاتنا اليوميّة، الفاشيّة التي تجعلنا نحبّ السّلطة، وأن نرغب في ذات الشيء الذي يهيمن علينا، ويستغلّنا.
وفي عام 1977، أصدر جيل دولوز كتاباً آخر عن سبينوزا قال عنه: «حول سبينوزا عملت بجدّيّة بحسب مقتضيات تاريخ الفلسفة، غير أنه هو الذي جعلني أشعر كما لو أنّ هناك تيّاراً هوائيّا يدفع هذا أو ذاك من الذين يقرؤون كتاباً من كتبه من الخلف بمكنسة سحريّة، ثمّ يجبره على امتطائها. لا أظنّ أنّنا شرعنا في فهم سبينوزا، وأنا لست أكثر من الآخرين في هذا المجال». ويعرّف جيل دولوز سبينوزا على النّحو التّالي: «بإمكان الفيلسوف أن يقيم في دول متعدّدة بحسب طريقة ناسك متوحّد، أو شبح، أو عابر سبيل، أو مؤجّر في فنادق صغيرة مؤثّثة، لذا علينا ألاّ نتخيّل سبينوزا قاطعاً الصّلة بالوسط اليهوديّ المغلق افتراضيّاً لينتسب إلى الأوساط اللّبيراليّة المتفتّحة افتراضيّاً (...) ذلك أنه أينما حلّ، وأينما ذهب هو لا يطالب، ودائماً بقدر معيّن من الحظّ في الحصول على ما يريد، بأن يتمّ التّعامل معه، ومع أهدافه ورغباته المخالفة للمألوف بشيء من التسامح، وهو يحكم على هذا التّسامح انطلاقاً من درجة الديمقراطيّة، ومن درجة الحقيقة التي يمكن لهذا المجتمع أو ذاك أن يتحمّلها، أو عكس ذلك، انطلاقاً من الخطر كما الذي يهدّد الإنسانيّة جمعاء». كما خصّص دولوز كتاباً لـ لايبتنز، وهيوم. وهدفه من ذلك تقديم إيضاحات، وقراءات جديدة ومعمّقة للفلاسفة الذين أثّروا في الفكر الإنساني في فترات مختلفة من التّاريخ. ومقدّماً تفسيره الخاص للفلسفة، قال دولوز في أحد الحوارات التي أجريت معه: «الفلسفة تعني دائماً استكشاف مفاهيم جديدة، وأنا لم أشعر أبدا بأيّ نوع من القلق بخصوص تجاوز الميتافيزيقا، وموت الفلسفة، وأعتقد أن للفلسفة وظيفة تظلّ دائماً فاعلة في الحاضر، وهي تتمثّل في ابتداع مفاهيم، ولا أحد يمكنه أن يقوم بذلك مكانها».
ويواصل: «الفلسفة ليست إبلاغيّة، وتأمّليّة، ولا استبطانيّة، وإنّما هي خلاّقة، بل ثوريّة بطبيعتها، لأنها لا تنقطع أبداً عن ابتكار مفاهيم جديدة (...) المفهوم هو الذي يمنع الفكرة من أن تكون مجرّد رأي، ونقاش، وثرثرة».... وقبل وفاته بعامين، تحاور جيل دولوز مع ديديه إيريبون حول قضايا فلسفيّة، وأيضاً حول بعض الشّخصيّات الفكريّة. وفي ذلك الحوار تحدث عن الكتابة قائلا: «أنا لا أكتب ضدّ شخص، أو ضدّ شيء ما. بالنسبة لي، الكتابة حركة إيجابيّة مطلقاً، أي أنّها تهتمّ بما نحن نعشقه، ولا تحاول أن تحارب ما نحن نكرهه، الكتابة الحقيقية هي تلك التي تضع الوشاية في أسفل وأحقر مستويات الكتابة، صحيح أن الكتابة تنطوي على أنّ هناك شيئاً ما ليس على ما يرام في المسألة التي نحن نرغب في معالجتها، وأننا لسنا راضين، باستطاعتي في مثل هذه الحالة أن أقول: أنا أكتب ضدّ الفكرة الجاهزة، ونحن نكتب دائماً وأبداً ضدّ الأفكار الجاهزة».
وتحدث دولوز عن سارتر قائلاً: «كان سارتر كلّ شيء بالنسبة لي. وهو يختصّ بشيء استثنائيّ. خلال فترة الاحتلال النّازيّ لباريس، كان موقف سارتر طريقة للعيش في المجال الفكريّ. والذين لاموه على أنه سمح للمخرجين بإخراج المسرحيّات التي كتبها في تلك الفترة، لم يقرؤوا تلك المسرحيّات. مسرحيّة «الذّباب» مثلاً تشبه موسيقى فاردي التي كانت تعزف أمام النمساويّين.. لقد كان الإيطاليّون حين يسمعونها يصيحون: «برافو»، لأنهم يدركون جيّداً أنّها تعبّر عن موقف مقاومة. وكان ذلك منسجماً مع وضعيّة سارتر. وكان كتاب «الوجود والعدم» بمثابة القنبلة بالنسبة لي. وليس لأنه مثل مسرحيّة «الذّباب» التي تعبّر بشكل مباشر تقريباً عن فعل المقاومة، بل لأنه كان مبهراً، وجذّاباً. لقد كان كتاباً ضخماً، متضمّناً أفكاراً جديدة. ويا لهول الصّدمة!.. قرأت «الوجود والعدم» حال صدوره. أتذكّر أنني ذهبت مع ميشال ترونييه لشرائه، ثمّ قمنا بالتهامه للتّوّ. لقد أبهر سارتر كلّ أبناء جيلي. كان يكتب روايات، ومسرحيّات. الجميع كانوا يقلّدونه. وكثيرون كانوا يغارون منه. أمّا أنا فقد كنت شديد الانبهار به. وأعتقد أنه يمتلك شيئاً جديداً لا يمكن يفعل فيه الزّمن.. إنه جديد دائماً وأبداً».

من الربيع إلى الصحراء
وتحدث دولوز في الحوار نفسه عن ثورة ربيع 68 الطلاّبيّة على النّحو التّالي: «كانت تلك الفترة غنيّة جداً بالنسبة لي، وإذا ما أنا تناولت حياتي بالدرس، فإنه باستطاعتي أن أقول بأن هناك فترة فقيرة جدّاً، ألا وهي فترة الحرب العالميّة الثانية، وعقب انتهاء تلك الحرب، حدث انفجار هائل على المستوى الثقافي، والأدبي، ثمّ كانت هناك صحراء سنوات الخمسين. ثم من جديد، جاءت فترة قويّة، وكان ذلك خلال الستينيات (موجة السينما الجديدة، والرواية الجديدة..). أما في الفلسفة فكان هناك ميشال فوكو، ولاكان، خلال تلك الفترة حدثت حركة هائلة على مستويات متعدّدة... أما الآن فقد عدنا إلى الصّحراء مرة أخرى، غير أن هذا لا يتفاعل مع اتجاه واحد، لذا علينا أن نميّز حالتين، فبالنسبة لأولئك الذين أنجزوا جزءاً كبيراً من عملهم، يمكن القول إنّ ليس هناك مشكل بالنسبة لهم، إذ إن في إمكانهم أن يواصلوا الكتابة، وأن يتجاوزوا الصّحراء، أمّا بالنسبة لمن هم أقلّ سنّا، فإنّ الأمر لا يعدو أن يكون كارثة حقيقيّة، فالولادة والوصول أمران صعبان في زمن الأزمات، والفراغ».
أما عن ماركس فقد قال دولوز: لم أنتسب البتّة إلى الحزب الشيوعي، ولم أكن ماركسيّاً قط قبل سنوات الستين، وما منعني من أن أكون ماركسيّاً هو ما كان يقوم به الشيوعيّون لمثقفيهم، ثمّ عليّ أن أضيف أني لم أكن ماركسيّاً، لأنني في الحقيقة لم أكن أعرف ماركس في تلك الفترة. وقد قرأت ماركس في نفس الوقت الذي قرأت فيه نيتشه. وقد وجدته عبقريّاً. وأعتقد أن المفاهيم التي ابتكرها ماركس لا تزال حيّة ومناسبة. في كتاباته هناك نقد جذريّ. وثمّة كتب لم أبدُ فيها متأثراً بماركس كثيراً. واليوم بإمكاني أن أقول بأنني أشعر أنني ماركسيّ تماماً (...)، وأنا لا أفهم أولئك الذين يقولون بأنه مات. ثمّة أعمال يتحتّم القيام بها الآن: علينا أن نحلّل وضع السّوق العالميّة، وتحوّلاتها. وإذا ما نحن سعينا إلى القيام بمثل هذا العمل، فإنّه يتوجّب علينا عندئذ أن نرتكز على ماركس بالأساس».

الفاشية الكامنة فينا
العدوّ الثالث الأساسي والاستراتيجي هو الفاشيّة. لكن ليست فاشية موسوليني أو هتلر وحدهما، والتي عرفت كيف تحشد الجماهير، وكيف تستغلّ رغباتها الظّاهرة والمخفيّة، وإنّما الفاشيّة الكامنة فينا جميعاً، والتي تداهم فكرنا، وسلوكيّاتنا اليوميّة. الفاشيّة التي تجعلنا نحبّ السّلطة، وأن نرغب في ذات الشيء الذي يهيمن علينا، ويستغلّنا.

سارتر.. المقاوم
يقول جيل دولوز عن سارتر:
كان سارتر كل شيء بالنسبة لي. وهو يختصّ بشيء استثنائي. خلال فترة الاحتلال النّازيّ لباريس، كان موقف سارتر طريقة للعيش في المجال الفكريّ. والذين لاموه على أنه سمح للمخرجين بإخراج المسرحيّات التي كتبها في تلك الفترة، لم يقرأوا تلك المسرحيّات. مسرحيّة «الذّباب» مثلاً تشبه موسيقى فاردي التي كانت تعزف أمام النمساويّين.. لقد كان الإيطاليّون حين يسمعونها يصيحون: «برافو» لأنهم يدركون جيّداً أنّها تعبّر عن موقف مقاومة. وكان ذلك منسجماً مع وضعيّة سارتر.