الملحق الثقافي

عندما يتحول عسل المحبة إلى دم الكراهية..

انجلينا جولي في كواليس الفيلم (من المصدر)

انجلينا جولي في كواليس الفيلم (من المصدر)

بعد ظهورها كنجمة طاغية تجمع بين الأنوثة والجاذبية والمكر والجرأة في أفلام تجارية عادية وأقل من عادية في أغلب الأحيان، ومع حضور خاطف وغير متواصل في بعض الأفلام الفنية المستقلة، تخوض الممثلة الشهيرة أنجلينا جولي أولى تجاربها الإخراجية من خلال فيلم حمل عنوانا مثقلًاً بإيحاءاته ودلالاته الشعرية والقاسية أيضا وهو: "في أرض الدم والعسل"، مستلهمة جانبا من القصص الفردية والوقائع الحقيقية للحرب البشعة التي شنها الصرب على سكان البوسنة والهرسك المسلمين في بداية التسعينات من القرن الماضي والتي مزقت منطقة البلقان، وحولتها من أرض للتسامح واندماج الأعراق والإثنيات والأديان المختلفة، إلى ساحة ملوثة بالآلام والدموع والدماء النازفة حتى يومنا هذا.

أتى اختيار انجلينا جولي لهذا الموضوع الشائك والمعقّد على أكثر من صعيد وجهة محيرا ومربكا لمتابعي مسيرتها الفنية، حيث توقع الكثير منهم أن تتصدى جولي في أولى أعمالها الإخراجية لفيلم عائلي خفيف وعاطفي وقليل الكلفة المادية والإنتاجية، ولكن المتابعين الآخرين للمهمات الإنسانية التي تقوم بها جولي في مناطق الحروب والفقر والتوتر الطائفي مثل باكستان وأفغانستان ولبنان وأفريقيا وغيرها من المناطق التي تعيش فوق بركان اقتصادي وعقائدي قابل للانفجار في أية لحظة، يشعر أن اختيارها لموضوع حرب البوسنة يأتي في سياق مهمتها الإنسانية الصرفة لتسليط الضوء على القصص المأساوية والمتوارية التي خلفتها حروب عبثية ومجنونة ما زال يدفع ثمنها البسطاء والمهمشون، وينجو منها المتحكمون الكبار فيها، الذين يشعلون الحرائق من بعيد ولا يهتزّ لهم طرف ولا يستيقظ لديهم باعث من رحمة أو ضمير.

نشوة وانكسار
جولي نفسها وفي تعليق لها على سرّ ودافعية كتابتها وإخراجها لفيلم (في أرض الدم والعسل)، تقول بأنها حققت الفيلم دفاعا عن الحب في أكثر صوره نقاء ونبذا للأحقاد المتوارثة، كما أن غريزة الأمومة دفعتها أيضا لخوض هذه المغامرة السينمائية كي تظل المرأة جميلة على الدوام وحامية لعوطفها ومعبرة عن موهبتها.
وهو الأمر الذي بدا واضحا في ثنايا الفيلم من حيث اختيارها للمرأة كشخصية محورية ومحركة لكل مفاصل القصة التي تتأسس عليها الحبكة الروائية والمسارات السردية صعودا وهبوطا ونشوة وانكسارا، وخيبة وانتشاء، انطلاقا من علاقة حب صريحة وجارفة تجمع قبيل نشوب حرب البوسنة بقليل بين الشابة البوسنية المسلمة ( آيلا) ــ تقوم بدورها الممثلة زانا ماريانوفيتش، وبين الجندي الصربي دانييل ــ يقوم بدوره الممثل جوران كوستيتش ــ ، حيث يبدأ المشهد التأسيسي للفيلم في شقة صغيرة تجمع بطلة الفيلم مع شقيقتها ليلى ــ الممثلة فينيسيا جلوديو ــ وطفل ليلى الرضيع الذي يخلق رابطا عاطفيا في المكان يتعدى مفردات الحنان والأمومة ليكون أشبه بالرباط العائلي المقدس لثلاثة أرواح مسالمة وطيبة، وعندما تخرج آيلا وتودع شقيقتها وطفلها، نشعر أن خروجها للموعد العاطفي مع صديقها دانييل سوف تترتب عليه تبعات وأصداء وتصدعات لن تنجو منها الشخصيات الرئيسية للمكان، والذي لن يعود هو أيضا ذات المكان ولا ذات الفضاء العامر بالهدوء والتسامح وبالمحبة التي لا لون ولا عرق ولا دين يمزقها أو يصيبها في مقتل.

ميراث العنف
يلتقي العاشقان في مقهى ليلي حالم ومضاء بالموسيقا والنعومة التي لا تمتد طويلا بعد انفجار هائل ومدو يتحول فيه المشهد إلى السواد الداكن كبداية لفصل جديد من العنف والعنصرية والتطهير العرقي، ورغم أن آيلا ودانييل ينجوان من الحادث البشع في المقهى، إلا أن المسارات القادمة للفيلم ستقودهما إلى متاهات نفسية وروحية مدوّخة تتنقل من المستوى الفردي أو الذاتي، إلى مستويات أعقد وأوسع تشمل المفاهيم المعتمة في التاريخ البشري بأكمله ونقصد بهذه المفاهيم الحقد والانتقام وميراث العنف والتفسير الأناني للأيديولوجيا القومية والعصبية.
إنها المفاهيم المروعة ذاتها التي تستيقظ مثل وحش نائم في لحظة تاريخية عمياء وهشة، تماما كما حدث بعد سقوط جدار برلين وبزوغ البيروسترويكا التي قصمت ظهر الدب الروسي الكبير، وظهرت على إثرها الانقسامات القومية المدمرة بين الكروات والصرب والبوسنيين في جمهورية يوغسلافيا السابقة.
في اللقطات التالية للمشهد التأسيسي للفيلم نرى جنود الجيش الصربي وهم يمارسون تطهيرا عرقيا بشعا ضد أهالي البوسنة والهرسك المسلمين والذين لم يعتادوا على هذه الكمية من العنف والمذابح التي طالتهم، والتي سكت عنها الإعلام العالمي لمدة ثلاث سنوات متواصلة، وكانت مليئة بالقصص الإنسانية المأساوية التي فاض بها أرشيف العار في التاريخ المعاصر، ففي إحدى المشاهد المؤثرة التي امتلأ بها الفيلم نرى الجنود الصرب وهم يقودون الشباب من أهالي البوسنة إلى المذابح الجماعية وساحات الإعدام المشتركة، بينما يتركون المسنين في العراء ووسط الشتاءات القارسة كي يهيموا على وجوههم دون ملجأ أو طعام، أما الفتيات الجميلات فيتم اقتيادهن إلى معسكرات الجنود للعمل كخادمات وبغايا إذا لزم الأمر، إذعانا في الاستعباد الجنسي والتشفّي والانتقام من (الأتراك) كما يصف الصرب مسلمي يوغسلافيا السابقة، وساهمت عمليات الاغتصاب التي مارسها الجنود الصرب في تلك الفترة العصيبة إلى إدراجها ضمن جرائم الحرب في القانون الدولي الجديد، وتقود المصادفة إلى التقاء (آيلا) المسلمة بعشيقها الصربي دانييل في أحد هذه المعتقلات الرهيبة، ونكتشف أن دانييل أصبح قائدا عسكريا مهما في الجيش الصربي، وبات يتلقى الأوامر مباشرة من والده الجنرال الدموي نيبويزا الممتلئ حقدا على مسلمي البوسنة إثر إشكالات اجتماعية قديمة ومطمورة في ذاكرته الشخصية.

نقطة اللاعودة
يسعى دانييل جاهدا إلى حماية آيلا من تحرشات الجنود، ويقرر أن يبقيها كرسامة شخصية له نظرا لموهبتها الفنية ومن خلال لقاءاتهما السرية تتشكل الذكريات المستعادة والرغبات المتصادمة بين الحب والارتياب، وبين العاطفة الفردية والنزعة القومية، وفي إحدى حواراتهما المؤثرة نستمع لدانييل وهو يقول لآيلا: “ليتك ولدت في عائلة صربية”، ثم يقول: “وضعنا معقد للغاية، لست قادرا على قتل أناس عشت بينهم وصادقتهم، وأخاف في ذات اللحظة أن تخونيني وأن تنتقمي مني في نهاية المطاف”.
ومع تعدد مهماته العسكرية واضطراره للسفر إلى مناطق بعيدة، يقرر دانييل أن يساعد عشيقته على الهرب من المعسكر خصوصا بعد أن يعرف والده أنه على علاقة مع فتاة مسلمة يستضيفها في مخدعه، وعندما تنجح آيلا في الهروب، تكتشف أن أختها قد انضمت لجيوب المقاومة البوسنية بعد أن قتل الصرب طفلها الصغير وهجروها من منزلها، ما اضطرها للبحث عن وسيلة للانتقام من هؤلاء القتلة المتوحشين، وتنضم آيلا بدورها للمجموعات المقاومة، وتقرر العودة مجددا إلى المعسكر كي تحقق أمنية شقيقتها وتعويضها نفسيا على الأقل من تبعات الجرائم الفظيعة للصرب.
ينتهي الفيلم على مشهد عبثي وصادم في نفس الوقت، لأن الحب والحرب لا يمكن أن يجتمعا أبدا، ولأن النداء الذاتي لا يمكن أن ينفصل عن محيط عاصف وجارف يأخذ هذه الذات النقية إلى نقطة اللاّعودة، وإلى جهنم الأحقاد وسعير المواريث المرة التي لا تبقي ولا تذر.
استطاعت أنجلينا جولي في باكورة أعمالها السينمائية أن تنقل لنا من خلال النص والصورة بشاعة الحروب من جانبيها الظاهري والخفي في ذات الوقت، واستطاعت أن تصيغ بكاميراتها شكل وملامح التجاذبات والتقلبات النفسية للشخوص، التي يتحول فيها عسل المحبة إلى دم الكراهية، وأن تقدم قراءة متمعّنة وموغلة في الأحداث المتشابكة لحرب البوسنة، وأن توازن بين اللقطات والمشاهد الحميمية للحب، وبين اللقطات الشرسة في مشهدية الحرب المثخنة بتفاصيل وحالات وردات فعل أقل ما يمكن أن توصف بها هي أنها تنتمي كليا لجنون العنف والانتقام وفي أكثر حالات هذا العنف تطرفا وانسلاخا من الفطرة الإنسانية القائمة على المشاركة والألفة والتسامح الفكري.
الفيلم استطاع أيضا أن يقدم وثيقة بصرية فاضحة تدين كل صنّاع الفتن والحروب والانقسامات الطائفية في العالم، ذلك أن حرية الإنسان وكرامته لا يمكن لهما أن تكونا مجرد أضحيات رخيصة تقدم ومن دون ذنب على مذبح المصالح الاقتصادية والسياسية الضيقة. إنها صرخة الصورة التي لا يمكن لأية لغة أن تحتويها أو أن تسكتها للأبد.