الملحق الثقافي

مغامرة التجريد..

من أعمال الفنان التشكيلي الإماراتي محمد القصاب (الصور من المصدر)

من أعمال الفنان التشكيلي الإماراتي محمد القصاب (الصور من المصدر)

يؤلف التشكيلي الإماراتي محمد القصاب لوحاته التجريدية متكئاً على جملة من الأواصر الجامعة بين شغفه الذاتي وما يحيط به من معطيات بيئية تنطلق في عمومها، من وجود تراثي ممزوج بالعاطفة والحنين الزمنيين، ما يحمله على تحري الكثير مما تتضمنه عجائن اللون من أسرار وطاقات كامنة تقوى على دفعه في السبيل لتدشين فيض من علائق ومحاورات بصرية تقع ضمن لوحات جديرة باحتلال موقعها الفريد في نطاق الحركة التشكيلية الإماراتية المعاصرة، بما لهذه اللوحات من خصوصية بادية، تتعلق بأسلوب إنتاجها والقدرة الواضحة على إحالة الأشكال من الواقع إلى الفن، خلال مجاراة ممارساتية تحفل بالخبرة وتتشبث باليقين، ولا تتوانى عن المضي في طرق تكون المبادرة خلالها لبصيرة الفنان النافذة والمتجهة إلى حيث يوجد المعنى، وتتحقق عذوبة الكشف وجلاء الرؤية.

يقيم القصاب مشروعه التشكيلي الممتد لأكثر من ثلاثين عاماً متجهاً بوعي وإصرار من المحاكاة التحليلية لبعض مشاهد الحياة اليومية نحو الاقتضاب والاختزال والتكثيف لونياً وبصرياً، بما يمنح لوحاته صورها الإجمالية المميزة قياساً بما يتم إنتاجه من قبل فنانين آخرين وأنداد لديهم كذلك عوالمهم ومفرداتهم المحتفظة لذاتها بمساحات من التمايز والاستقلالية الأسلوبية والانتقائية، وهو في اشتغاله الإبداعي يقرأ بفطنة ومهارة واضحتين كثيراً من المكونات التي كان الواقع المنصرم قد تشكل منها سالفاً، كتلك المعالم المكانية، والشخوص، والأدوات على تنوعها، وبما قد تأتى لها من حضور أساسي ضمن الحياة الذاهبة نحو الماضي المتباعد بلا إياب.

البحث عن الذات الفنية
لقد عني الفنان في بداياته التشكيلية بتقديم تصوراته البصرية حول الواقع صابغاً لوحاته بصبغة تحليلية واضحة، لا تركن عند حدود الواقع بواقعيته المعتادة والمتعارف عليها، ولكنها استطاعت أن تمنح ذلك الواقع صفات أخرى تشكيلية في المقام الأول وبصورة خالصة، من خلال أسلوب فني يقوم بصفة رئيسية على تحويل الأشكال العضوية وما دونها، لمجموعات متجاورة من المسطحات اللونية التي تُقر إجمالاً بولع الفنان في ذلك الوقت المبكر من مشروعه البصري، بالبحث عن امتلاكه لذات إبداعية مغايرة للسائد في الأرجاء المحيطة، وهو ما حدث بالفعل، إذ سرعان ما أمكنه العثور عليها، والعمل على تطويرها والارتقاء بها، والتخلص في نفس الوقت من بعض التأثيرات والتقاطعات القليلة مع مشاريع فنية أخرى سابقة عليه.
إن عثور الفنان على ذاته الفنية الخالصة يتضح لنا، من خلال المتابعة الدقيقة لمجموع ما أنتجه من لوحات لاحقة أمكن لنا أن نراها وقد تخلصت بقدر كبير من براثن الإفصاح الشكلي والرسم الصريح لتصل في تطور لافت إلى عالم التجريد، بكل ما له من آفاق ودهاليز تتطلب قدراً كبيراً من الدراية والحنكة للخوض في مساربها، وهو ما تأتى للفنان عبر جهود مضنية وتواصل محموم نجح في إقامته مع فضاء اللوحة وبياضها، ذلك الذي يقف صارماً ومتحدياً أمام منتجي الفن ومبدعيه، على تفاوت مستوياتهم وأساليبهم وطقوسهم المعتمدة في الولوج نحو إقامة الفعل التشكيلي وتعضيد وجوده.
ولعل الإفادة الحقيقية التي أمكن للقصاب أن يجنيها من مجموعة اللوحات التي أنتجها إبان بداياته الفنية وانطلاقته في عالم التشكيل، إنما ترتبط بشكل كبير ببحثه التحليلي في صوغ الأشكال وطرائق ظهورها، بما يتوافق مع توجهه نحو تنميط لوحاته بنمط بصري يستلهم شكلانية الأشياء ويضعها - وفق رؤية محددة - في حيز من تجاورات لونية مكنته فيما بعد من العثور على وحدات ومفردات عديدة مجردة، هي من ألفت في عمومها أبجديته الإبداعية ولغته التشكيلية القائمة على تفكيك ما يستطيع له تخيره من مشاهد الواقع وزواياه وتفاصيله، ومن ثم إعادة تركيبها لا كما تبدو عليه في واقعها ذاك الذي بدا ماضياً، ولكن كما يتوق الفنان لرؤيتها عليه عاطفياً وذهنياً، لتتواكب بذلك مع خلاصة تصوره عن مشهد ما، أو تخير يتقصد هو نفسه تناوله وطرحه، وفقاً لأسلوبه الفني والكيفية التي بها ينجز أعماله، التي تبدأ لديه كدفقة شعورية، وحنين يرغب في الدفع بهما إلى حيز الرؤية عبر وسيط لوني متجاوب.
ليظل المحرض الرئيسي للفنان في اتجاه شحذه ودفعه بكل القوة، نحو إنتاج أعماله الإبداعية مرهوناً بتعبئته النفسية وحالته الشعورية، التي يمكن رصد وجودها عبر ضربات الفرشاة وحركة الألوان فوق المسطح البصري، حيث تُطل علينا وتتبدى ضمن عوالم التجريد بوصفها - ودون غيرها- المفاتيح الضرورية لتكشف بواطن اللوحة وأعماقها، فحركة الفرشاة عبر المسطحات البصرية وحتى الهيئات التي تتخذها مساحات اللون والتواترات الحادثة إنما هي نتاجات مرئية تتأتي بأثر انفعال ما، قد يدفع اللون مثلاً لأن ينطلق حراً وعفوياً، وقد يكبحه نتيجة للانصياع لرغبة ذهنية أو تفكر، مما لا شك فيه يستطيع القارئ المختص للنتاجات الفنية من تحري وجود ذلك، والإقرار بكنهه وطبيعته على نحو ما قد يصادف الحقيقة أو يقارب وجودها. فالفرشاة المنطلقة يمكن لها أن تتحرك من مناطق العتمة إلى النور، كما يمكنها التحرك كذلك بين مناطق صاعدة وأخرى دونية وهابطة، مؤلفة في مسيرها جملة من مسطحات رئيسية تتوالد في جوفها تلقائياً ربما أو عن قصد مسطحات أخرى تأتي في مقام تابع، وهكذا تتنامى اللوحة حتى يقنع الفنان بتشكلها وكذلك بمجاراتها لمضامينه ودلالته، حيث يحدد بالضبط متى ينبغي له التوقف عن الاشتغال على المسطح، ليضع توقيعه على اللوحة منضماً لصفوف التلقي وزمرة جمهور الفن.
متواليات بصرية
إن لوحات محمد القصاب تقوم من الناحية التشكيلية الصرفة على إنتاج علائق بين المسارات الخطية المتجهة غالباً ضمن أنساق حركية بسيطة قد تأتي في الاتجاهين الرأسي والأفقي، إضافة إلى ميله أحياناً لحشد خطوط وإشارات ومسطحات لونية أخرى منكسرة المسارات ومنحنية لتتبدى عبر جسد اللوحات المكتسية غالباً بفضاء لوني عام يستحوذ في ثناياه على معالجات وتشكيلات متنوعة تستهدف بطريقة أو بأخرى مواكبة تلك المعاني المراد اقتناصها من قبل الفنان في سعيه الجاد والمستمر لإتمام مغامرته التجريدية الرصينة والراسخة، اعتماداً على وسائله التلوينية فحسب.
حيث تتراوح المعالجة اللونية للوحات الفنان غالباً بين وجودين أساسيين ربما يهيمن أحدهما على الآخر أو قد يحتويه ويتضمنه في ثناياه، ويمكن نعت هذين الوجودين المفترضين مجازاً بوجود كلي وآخر بيني، يبدو الوجود الكلي منهما أحياناً في خلفية اللوحة التي قد يصبغها الفنان بلون عمومي يفرض هيمنته على عالم اللوحة ومحتوياتها، وقد يغيب هذا الوجود الكلي عن الخلفية متحولاً إلى صدارة المرئيات، فنراه وقد غطى مجموعة الألوان الأخرى التي تختفي أقسام ومساحات كبيرة منها بالتبعية تحت صبغة محددة يختارها الفنان من مجموعة لأخرى، لتشكل الأجواء العامة لعدد من اللوحات المنتجة وفق فكرة أو إحساس معين، ومع هذا فإنه يمكن لنا أن نرى خلال مجموعات أخرى من لوحات الفنان تلاحماً قائماً بين هذين الوجودين الآنفين، ليظهرا معاً في جسد لوني واحد دون فواصل شكلية أو لونية تقوم بينهما، ما يتيح بطبيعة الحال لهذا الجسد اللوني فرصة حقيقية لأن يطغى ويهيمن على نسيج المسطح التصويري ويكسبه صفته ومظهره وطبعه.
والقصاب الذي تنتثر معاني ودلالات لوحاته في جوف العلائق اللونية المتكونة ضمن مسطحات بصرية ذات أبعاد خارجية مستطيلة أو مربعة غالباً، إنما يختار درجات ألوانه المدرجة في عدد من لوحاته ليستعيض بها – من خلال عقله الباطن ربما أو عاطفته الجياشة - عن تلك المعالجات المباشرة والمعتادة لحضور الضوء، حيث تتيح مجموعة العلائق القائمة بين درجات الألوان القاتمة والفاتحة، وكذلك الحضور الواضح أحياناً للدرجات اللونية النارية أو الساخنة، فوق مسطح لوني داكن حضوراً بديلاً ورصيناً للضوء وومضات جد نورانية من خصائصها أن تمنح اللوحة سطوعها وإشراقها الناجمين عن اعتماد التباين والحرص على الاختيار الدقيق لتلك المجموعات اللونية المتسقة والمتوافقة في نطاق فلسفة الفنان ورؤيته البصرية الخاصة.
أما عن الأماكن وبالأحرى الإشارات المكانية في أعمال الفنان فهي من العناصر الأكثر بزوغاً في كثير من اللوحات، والتي نستطيع أن نتلمس وجودها عبر تلك المجموعات المتألفة في الأساس والقائمة على نسج عالمها بالاعتماد على ما ينتج من تقاطعات المسارات اللونية الأفقية والرأسية ذات الأحجام والقياسات المتنوعة لتصنع مكونات بصرية تؤشر بشكل ما إلى روح العمائر التراثية أو المعاصرة، حيث يكون الفارق المقنن بينهما غالباً هو ما يظهره الفنان من وحدات ورموز زخرفية تراثية قد يتعمد إظهارها في ثنايا اللوحات لإكسابها بذلك بعداً مكانياً ومجتمعياً إلى جانب بعدها الزمني، وهي جملة من الأبعاد التي تعكس المكنون العاطفي المختزن في دخيلة الفنان وتكوينه المرتبط بأزمنة ماضية تحمل عبقها وذكرياتها وأصالتها، التي يطوف حولها ليلتقط مادة مشروعه التشكيلي وتفاصيله الراكزة.
وعلى الرغم من قلة الوحدات والمفردات وحتى الحلول التشكيلية التي يعتمد عليها الفنان في إنتاج أعماله وشغل فضاءاتها، إلا أن لوحاته قد استطاعت في مجملها أن تقيم نوعاً من التناغم البصري الناجم عن استخدامه لتلك المفردات والمسارات اللونية التي يعتمدها عبر علاقات بصرية تمتاز فيما بينها بالمغايرة والتنوع على مستوى ترديد الألوان والوحدات، وكذلك على مستوى إنتاج الفضاءات اللونية الكلية، إلى جانب ما يتبدى من فضاءات لونية تمتاز بهيئتها البينية الناتجة من تقاطع مجموعة المسارات والخطوط مع بعضها البعض أو تتابعها وتواليها خلال الحيز البصري الحاوي، ما يتطلب من الفنان دوماً ابتكار مجموعات لونية واتساقات يمكن لها أن تؤلف بين تلك المسارات الشكلية، دون أن تكرر ذاتها أو تتشابه أو تتقاطع حتى مع غيرها، رغبة في التجديد والابتكار والاستمرار إلى حيث يصعب التصور وتطل الدهشة، وهو ما يمكن اعتباره أحد الرهانات الصعبة والتحديات الكبرى التي وجب على الفنان أن يجهز نفسه دوماً لمجابهتها، كلما هم بإنتاج جديد.
إن لوحات محمد القصاب على هذا النحو تبدو شبيهة بالقدر الأكبر بصفحات ومتواليات بصرية تقع ضمن كتاب راصد لكُنه الوجود، وتقول الكثير من خلال طرحها لجوهر الأشياء اعتماداً على وسائط بسيطة وومضات لونية شديدة التكثيف ومحددة المآل تتوالى في مسيرها الصائب لاقتناص المعاني والدلالات العميقة ذات الأثر، وهي لوحات تتخلص من شكل الواقع لتقع تحت هيمنة روح ذلك الواقع، التي تجد سبيلها للظهور إلى حيز الوجود، عبر لغة بصرية تمتاز بالرقي ومخاطبة الوجدان، حيث تتجاوز آليات المشاهدة النمطية لترتقي نحو دغدغة البصيرة والشعور.
لقد أصر الفنان طوال عقود ثلاثة وعدة سنوات إضافية على أن يكون لوجوده في سياق التشكيل الإماراتي مقامه الخاص ورسوخه المستحق، دون أن يقنع بأقل من ذلك، واتجه في مغامرته الحقيقية والناجزة لإنتاج لوحات فنية خالصة، لا تنحدر بحال من الأحوال لوضعيات السلع الاستهلاكية واشتراطاتها المُنحية جانباً لأصالة الفن ورسالته ومصداقية مضامينه، فكان لمشروعه ما كان من تقدير دفع العديد من المتاحف التخصصية والمؤسسات لاقتناء أعماله الفنية الجديرة.