الملحق الثقافي

بلاغة الحرية...

ما أشبه السياسة بالمسرح الكبير، وما أشبه حقل التواصل السياسي المصري بخشبة المسرح التي تقف عليها القوى السياسية بأحزابها وجماعاتها وكياناتها لتعزف خطاباتها أمام جماهير محتشدة، تجتمع في قاعة رحبة، رحابة الوطن. من الطبيعي أن تتغير المقطوعات المعزوفة من حين إلى آخر، وأن يتغير العازفون، بل يمكن أن تتغير نوعية الجمهور أنفسهم، وشكل علاقتهم بالعازفين، لكن خشبة المسرح وحدود الوطن يظلا ثابتين عادة. ويحلل كتاب «بلاغة الحرية: معارك الخطاب السياسي في زمن الثورة» للدكتور عماد عبد اللطيف الصادر عن دار التنوير، القاهرة - بيروت- تونس، 2012 تحليلاً عميقًا للخطابات الثلاثة الكبرى التي استحدثتها الثورة على ساحة التواصل السياسي؛ الأول هو «خطاب الميادين» الاحتجاجي والثوري. والثاني هو «خطاب الشاشات»؛ الذي حاول إجهاض الثورة وتحجيم تأثيرها. أما الثالث فهو «خطاب الصناديق» الدعائي الحشدي، الذي كانت الغلبة فيه للقوى الإسلامية على حساب العديد من القوى الثورية.
ويدرس المؤلِّف عدداً كبيراً من النصوص المؤثرة في مسار الثورة المصرية، تشمل لافتات الميدان وهتافاته ونكاته وأغانيه وتسمياته. إضافة إلى خطب الرئيس السباق حسني مبارك والرئيس المصري الحالي محمد مرسي وبيانات المجلس العسكري. كما يحلل تغطية التلفزيون المصري لأحداث الثورة على مدار الفترة الانتقالية، ويخصص قسمًا كاملاً من كتابه لدراسة خطاب الدعاية الانتخابية في الانتخابات النيابية والرئاسية التي شهدتها مصر بعد الثورة، محللاً بالتفصيل أساليب الإقناع والتأثير التي استخدمها المرشحون لحصد أصوات الناخبين.
وفي مقدمته للكتاب يلقي المؤلف نظرة سريعة على هذا المسرح الكبير، بعازفيه ومعزوفاته، وجمهوره ومتفرجيه، ونقارن بين حاله قبل ثورة يناير وحاله بعدها.

ديكور النقد الذاتي
قبل الثورة كان النظام الحاكم يحتل المساحة الأكبر من خشبة التواصل السياسي؛ بتلفزيونه الحكومي، والقنوات الخاصة التابعة له وإذاعاته وصحفه «القومية»، وجيش كبير من «الخبراء» والمتابعين. كان هذا الجمع الغفير من العازفين يعزف تقريباً سيمفونية واحدة؛ تتغنى بالرخاء والديمقراطية والأمن والاستقرار، وتنشد مقطوعات متواصلة في مدح الرئيس الأب والرئيس الابن، الذي بدا وصوله إلى الحكم - كما ظهر في بعض التصريحات - أمراً قدرياً، لا مفر منه ولا مهرب.
بالطبع كانت هناك تنويعات على هذه السيمفونية بآلات مختلفة وأصوات ونغمات متباينة؛ فلم تخل ساحة المسرح من ديكور النقد الذاتي، متمثلا في مقالات وعبارات وحوارات تلفزيونية ينتقد أصحابها هذا المسؤول التنفيذي أو ذاك، ويستصرخون الرئيس - المايسترو بأن يصحح – كعادته - الأوضاع البسيطة الخاطئة!. وكان المايسترو يحاول السيطرة على كل تجليات الخطاب الذي يقدمه هؤلاء العازفون، ولا يتوانى عن إقصاء أي عازف يخرج على النوتة الموسيقية الموضوعة. أما المخلصون من العازفين؛ بخاصة رؤساء تحرير الصحف و»مفكري» اللقاءات الحوارية في التلفزيون، فلم يحظوا فقط بتصفيق التابعين وصفير استحسانهم، بل ببعض من إيراد الحفلة التي دفع ثمنها المصريون مسبقاً.
على هامش هذه السيمفونية الرئاسية، التي احتل عازفوها مساحة كبيرة على خشبة مسرح التواصل السياسي، كانت هناك أغنيات أخرى أقل ضجيجاً لكنها أكثر عمقًا وأصالة ونبلا. كان منشدو هذه الأغنيات يشكلون ضمير الوطن، وروحه النقية. وكانوا يشكلون مجموعات متنوعة من صحفيين وكتاب شرفاء، ومعارضين سياسيين حقيقيين، وقضاة وأساتذة معنيين بهموم المجتمع، وعمال واعين، وغيرهم من الشرائح المجتمعية التي شاركت في إنشاد خطاب التغيير، إضافة بالطبع إلى كتلة ضخمة من الشباب الذي جمع بين الوعي وإرادة التغيير والإدارة الكفء للطاقات، كما ظهر على نحو جلي في أنشطة حركتي كفاية و6 إبريل.

خطاب التغيير
على خشبة مسرح التواصل السياسي خضع خطاب التغيير لأشكال عديدة من التضييق، ومحاولة إسكاته وتهميشه، أو صرف الجمهور عنه. لكن هذا الخطاب استطاع اجتذاب شريحة ضخمة من جمهور المصريين، الذين ملُّوا من الجلوس متفرجين على المسرحية الركيكة التي كان النظام البائد يحاول بواسطتها تمرير سيناريو التوريث. ولأن خطاب التغيير كان يراهن على إيمان المواطن البسيط به، والمساهمة فيه، سرعان ما وصل المجتمع إلى لحظة فاصلة في تاريخه، حين أصبح أغلب المصريين يشاركون في إنتاج خطاب التغيير، في ساحة التواصل السياسي. فقد كان المصريون العاديون يُنتجون خطاب التغيير ويتلقونه في (الأتوبيسات) العامة ومنتديات الإنترنت وصفحات الجرائد وزوايا المقاهي وفضاء (الفيس بوك) وجدران الحوائط وداخل (الميكروباصات) وقاعات الجامعة وساحات المظاهرات واستوديوهات التلفزيون وورش المصانع. ووصل الإحساس برداءة واقع السلطة القائمة ورداءة خطابها إلى حد التساؤل عن إمكانية الثورة، ثم الإلحاح على ضرورتها، ثم الدعوة إليها، وتأنيب الشعب على عدم القيام بها، ومحاولة تفسير عدم حدوثها.
بحلول أواخر عام 2010 أصبحت أغنية الثورة هي الصوت الأقوى الذي تنشده الجماهير على خشبة المسرح السياسي في مصر، وخفتت سيمفونية الاستقرار والاستمرار. ومع حلول الخامس والعشرين من يناير فاضت مصر بخطاب الثورة، الذي احتل ساحة ميادينها وشوارعها وبيوتها بلافتاته وأغنياته وهتافاته وشعاراته وتسمياته وصوره. ولم يكن باستطاعة النظام البائد إلا أن يقاوم خطابياً حتى الرمق الأخير. وشنت الآلة الإعلامية لنظام مبارك حرباً شعواء على الثوار وخطاباتهم، وكانت شاشات التلفزيون الحكومي والتلفزيونات الخاصة المتحالفة معها المنصة الرئيسة للهجوم على الثورة. وأصبحت حرب الشاشات بين القنوات الداعمة للثورة وتلك المناهضة لها واحدة من أبرز الحروب الخطابية التي شهدتها الثورة. غير أن المعركة لم تستمر طويلا، وسرعان ما هيمن خطاب الميدان على خطاب الشاشات.
حين نجح خطاب الميدان بفعليه الرمزي والمادي في إسقاط رأس نظام مبارك، تشكل مشهد جديد، بعد أن توارى معظم عازفي النظام القديم بشكل جزئي، وتوقف عزف سيمفونية التوريث، وتبلورت قواعد جديدة لإنتاج الخطاب وتوزيعه واستهلاكه، فصعد على الخشبة عازفون جدد، قاموا بعزف خطابات جديدة. لكن التغير الأبرز كان يمس الجمهور؛ أي المواطنين العاديين على مختلف انتماءاتهم وخصائصهم، الذين ساهموا بقوة في إنتاج خطاب الثورة/ الميدان.
على مدار ال18 يوماً الخالدة (من 25 يناير حتى 11 فبراير) أنتج المصريون خطاباً ثورياً شديد الفعالية، وبدا للحظة أن الحدود الفاصلة بين خشبة المسرح وقاعة الجمهور قد أوشكت على الزوال، وأن الجميع أصبحوا منتجين ومتلقين للخطاب في الوقت نفسه. ولوهلة مضيئة تحول مسرح التواصل السياسي نفسه إلى ميدان كبير. وعلى الرغم من اتساع الميدان ليصبح بحجم الوطن، وتزايد أعداد منشدي خطاب التغيير لتربو على عشرات الملايين، فإن أغنية الثورة كانت واحدة (عيش، حرية، عدالة اجتماعية). وكان تناغم الأداء والإنشاد مثيراً للدهشة والإعجاب معاً. لقد وضع المصريون في هذه الأيام خطاباتهم جميعاً في بوتقة واحدة، صهرتها الوطنية الخالصة، وأنضجتها روح التكاتف والتخلي عن الأغراض الخاصة أو المطالب الفئوية. وحافظ على تماسكها وعي جمعي ثاقب بمصالح البلاد، ثم أذاعتها حناجر ملايين المصريين، نساءً ورجالا؛ أقباطاً ومسلمين، شباباً وشيوخاً، إسلاميين وليبراليين، يساريين ويمينيين. بالإضافة إلى الغالبية الأكبر من المواطنين ممن يدركون أنفسهم بوصفهم مصريين لهم الحق في حياة كريمة، قبل أيّ شيء.
وحين سقط رأس النظام، انفض الميدان. ولأن آفة الإنسان العجلة، سرعان ما بدأ التصارع على جني ثمار ثورة لم تكن قد نضجت بعد. وكان خطاب الميدان هو الخاسر الأساسي؛ إذ سرعان ما تحولت ساحة التواصل السياسي من ميدان شاسع بحجم الوطن، يُنشد فيه الجميع أغنية الثورة، إلى مسرح يضيق بضيق حجم المصالح الفردية أو الفئوية، يعزف فيه البعض سيمفونيته، ويحاول إجبار الآخرين على الإنصات والترديد. لقد اكتظت خشبة المسرح بعازفين، كل منهم يعزف سيمفونيته، بلغته الخاصة، ويحاول أن يزيح مَنْ حوله من مركز الصدارة استعداداً للقفز على منصة المايسترو. لم يعد أحد ينصت لأحد. ربما وجد تناغمٌ بين عازفَين أو أكثر - مثل التناغم بين الإخوان والسلفيين في مواجهة الليبراليين - لكن ما خيَّم على القاعة بالفعل لم يكن إلا الضجيج.
لقد دخلت مصر في حالة حرب خطابية شعواء بين شركاء الثورة، على خلفية الانتماءات الفكرية والأيديولوجية أو على خلفية الاختلاف حول سيناريوهات المرحلة الانتقالية بين البدء بالدستور أو الانتخابات، أو على خلفية التنافس على مقاعد مجلسي الشعب والشورى أو منصب رئيس الجمهورية، وغيرها. في حين كان خطاب الثورة المضادة يوسع مساحة نفوذه بعد أن استرد توازنه بعد ضربة إسقاط رأس النظام، واستردت الشاشات دورها في تزييف وعي المصريين بالثورة، معتمدة تقريباً على الأدوات والسياسات بل والشخصيات نفسها التي اعتمد عليها نظام مبارك. كان مسار (الانتخابات أولاً) قد فرض نفسه لمصلحة تحالف القوتين الأكثر تنظيماً وسيطرة - العسكر والإخوان - فقد أصبح المسرح السياسي مشغولا بخطاب آخر جديد يمكن تسميته بخطاب الصناديق.

الخطابات الثلاثة الكبرى
يمكن بذلك التمييز بين ثلاثة خطابات كبرى، الأول هو «خطاب الميادين» الاحتجاجي والثوري. والثاني هو خطاب الثورة المضادة، الذي يمكن تسميته «خطاب الشاشات»، بسبب الدور الهائل الذي مارسه الإعلام - المرئي خاصة - في إنتاجه وترويجه. أما الثالث فهو «خطاب الصناديق» الدعائي الحشدي، الذي ظهر على ساحة الخطاب العام في فترة مبكرة، بعد أسابيع من إسقاط رأس النظام. فحين اختار المجلس العسكري أن يتبنى سيناريو «الانتخابات أولاً»، كان حلفاؤه الأساسيون هم الإسلاميون؛ الذين اتخذوا من ثنائيات مثل «الإسلاميين وغير الإسلاميين» (وغير المسلمين أيضاً)، و»الجنة والنار»، و»أنصار الشريعة وأعدائها»، فخاً لاصطياد أصوات المصريين؛ وهو فخ وجد في عبارة «غزوة الصناديق»- التي قالها محمد حسين يعقوب أحد وعاظ الفضائيات- أيقونته الأساسية. وعلى مدار شهور طويلة استمر هذا الخطاب في الهيمنة؛ لكنه وصل إلى ذروته في الانتخابات النيـابية في نوفمــبر وديسمبر 2011، وفي الانتخابات الرئاسية في إبريل ومايو ويونيو 2012.
احتلت هذه الخطابات الكبرى الثلاثة ساحة مسرح التواصل السياسي المصري أثناء الفترة الانتقالية، ودخلت في علاقات صراع وتواطؤ وتحالف عديدة. وسوف يُخصَّص هذا الكتاب بأكمله لرسم خريطة هذه العلاقات، ونقل صورة حية لمسرح الخطاب السياسي، الذي شغلته. وقد اخترت، يقول مؤلف الكتاب عماد عبد اللطيف، أن أخصَّ كل خطاب بقسم من أقسام الكتاب، على الرغم من وضوح الوشائج القوية التي توجد فيما بينها.

أقسام الكتاب
ينقسم هذا الكتاب، إذن، إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول يدرس «خطاب الميادين»، ويتضمن أربعة فصول حول خطاب الثورة/ الميدان. يقدم الفصل الأول تحليلا لهتافات الثورة ولافتاتها، وتسمياتها، وأيقوناتها، وفكاهاتها، وأغانيها، ورسومها الجدارية، ويرصد بعض أهم خصائص بلاغة الميادين. أما الفصل الثاني فيناقش التحول الذي طرأ على قدرة المواطن العادي في عصر الاتصال الإلكتروني على مقاومة الكلام المزيَّف والمضلل، بواسطة إنتاج كلام مضاد، يكشف الزيف ويقاوم التضليل؛ وهو تحول كان حاسماً في إنتاج خطاب الثورة، الذي اعتمد على وسائط الاتصال الاجتماعي مثل (الفيس بوك) و(تويتر) في الحشد للثورة والدعوة لمواصلتها. في حين يدرس الفصل الثالث تجليات الصراع بين خطاب الميدان وخطاب البرلمان وخطاب المجلس العسكري في لحظة فارقة من لحظات الثورة المصرية هي أحداث مجلس الوزراء وشارع محمد محمود في الفترة من نوفمبر 2011 إلى نهاية يناير 2012. ويركز على تحليل كلام القوى الثلاث، ودوره في تأسيس شرعية كلِّ قوة منها في هذا المنعطف من منعطفات الثورة المصرية. وأخيراً يدرس الفصل الرابع أثر الخطاب في صياغة الدستور المصري بعد الثورة، ويركز على أهمية الخطاب التفسيري والشارح للدستور في صياغة بنوده، وفي تفسيره وتأويله في الوقت ذاته.
القسم الثاني من الكتاب يتناول «خطاب الشاشات»؛ ويركز على خطاب السلطة المقاومة للثورة، والتي اعتمدت بشكل أساسي على وسائل الإعلام - المرئية خاصة - في محاولتها إجهاض الثورة. يبدأ هذا القسم بمدخل حول ملامح ما يسميه المؤلف «بلاغة الاستعباد»؛ التي ازدهرت في عصر الرؤساء (الآلهة) مثل: معمر القذافي وحسني مبارك وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح، ثم يقدم مدخلا تاريخياً إلى دراسة الخطب السياسية لمبارك على مدار سنوات حكمه. ويقدم الفصل الأول تحليلا تفصيلياً لخطب مبارك الثلاث التي ألقاها في الفترة من 28 يناير 2010 إلى 10 فبراير 2011، مركزًا على إجابة تساؤل حول قدرة الخطب الرئاسية على إجهاض الثورات والآليات الخطابية لتحقيق ذلك. إذ حاول التلفزيون المصري الرسمي وأد الثورة في مهدها، واستخدم لتحقيق ذلك عدَّة ضخمة من الأساليب الخطابية. ويتناول الفصل الثاني المعنون بـ «الميدان في التلفزيون: التأثير السياسي للتمثيلات المرئية»، بعض هذه الأساليب؛ خاصة طرق تمثيل ميادين الثورة في التلفزيون المصري، وبالتحديد ميدان التحرير. كما يرصد الفصل تكرار استخدام هذه الطرق نفسها في تغطية التلفزيون المصري لأحداث الاحتجاج الشعبي العارم الذي أعقب تبرئة المحكمة لمساعدي العادلي ونجلي الرئيس حسني مبارك في أوائل مايو 2012. وعلى نحو مماثل، أما الفصل الثالث المعنون بـ «تلفزيون أنس الفقي: سياسات قديمة ووجوه جديدة» فيدرس بعض الآليات التي وُظِّفت لتشويه الثورة والثوار أثناء الفترة الانتقالية، بعد أن وُضِعَا بين مطرقة المجلس العسكري وسندان الأحزاب الدينية. وأخيراً يرصد الفصل الدور الذي لعبته بعض الإذاعات الحكومية في عملية تشويه الثورة؛ ويتخذ من إذاعة القرآن الكريم نموذجاً.
يقدم الفصل الرابع تحليلاً بلاغياً لجلسة النطق بالحكم في قضية محاكمة مبارك، التي شغلت الرأي العام لفترة طويلة، وكان من نتائجها اندلاع مظاهرات ضخمة في أرجاء مصر. أما الفصل الخامس فيتناول كيف تحدث رؤساء مصر منذ ثورة يوليو عن الفتن الطائفية التي شغلت قدراً كبيراً من الخطاب العام أثناء الفترة الانتقالية. وأخيراً يتعرض الفصل السادس لظاهرة الارتجال الزائف في الخطابة السياسية؛ ودورها في تزييف وعي الجماهير بقدرات الخطيب السياسي، وبدرجة مصداقيته، ويختتمه المؤلف بتحليل موجز لكيفية استخدام ثنائية الارتجال والقراءة من النص في الدعاية الانتخابية لمرشَّحَي الرئاسة المصرية في الجولة الثانية، الدكتور محمد مرسي والفريق أحمد شفيق.
يعالج القسم الثالث خطاب الصناديق؛ أي خطاب الحشد والدعاية والترويج الذي صاحب الانتخابات النيابية، والحملات الانتخابية الرئاسية التي استمرت طوال الفترة الانتقالية تقريباً. وينقسم إلى جزأين: الأول يعالج قضية الاستغلال السياسي للخطاب الديني في مصر بعد الثورة، والثاني يتناول بالتفصيل الخطاب السياسي لمرشحي الرئاسة المصرية، وحروب الكلام التي نشأت بينهم سواء في شكل مناظرات رئاسية أو في شكل حروب كلامية ملتهبة، وملامح الخطاب السياسي لأول رئيس منتخب.
يبدأ هذا القسم بمدخل حول سمات خطاب الصناديق كما تجلت في الفترة الانتقالية. ثم يتناول الفصل الأول تحليلا للأساليب التي تُستخدم في حشد المصريين للتصويت لصالح مرشح أو حزب أو جماعة ما. أما الفصل الثاني فيدور حول أهم ظواهر خطاب الصناديق، وهي ظاهرة الصعود الهائل للخطاب الديني في ساحة السياسة المصرية، واستغلاله بضراوة أداةً للحشد الانتخابي. يناقش هذا الفصل الدوافع التي تحفز السياسيين في العالم العربي على المزج بين الخطاب السياسي والخطاب الديني، والآثار التي تترتب عليه. ويواصل معالجة القضية نفسها تطبيقاً على الحالة المصرية في الانتخابات النيابية؛ ويحاول أن يشرح كيف يُستغل الخطاب الديني في الحشد الانتخابي في مصر، وأن يُفسر كيف يحدث هذا الاستغلال، وأن يرصد الآثار المترتبة عليه.
الفصلان (الثالث والرابع) يحلل أحدهما حالة فردية لاستخدام الخطاب الديني في الحشد الانتخابي؛ هي تحريم بعض الفقهاء انتخاب مرشحين من خارج معسكر الإسلاميين. في حين يُعالج الآخر طرق الإخفاء الأيديولوجي كما تجلت في تسميات الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي تأسست بعد الثورة. وينتهي هذا الجزء بفصل خامس يدرس بالتفصيل دور استطلاعات الرأي في صياغة توجهات الناخبين نحو المرشحين في انتخابات الرئاسة المصرية.
يشتمل الجزء الثاني من هذا القسم على مجموعة من الفصول التي عالجت خطاب مرشحي الانتخابات الرئاسية. تبدأ بفصل يقدم عدداً من الملاحظات على خطابات المرشحين «المحتملين» للانتخابات الرئاسية، بعد انقضاء شهور عدة من بدء حملاتهم الانتخابية. كما يرصد السمات المميزة لخطاب كل مرشح من هؤلاء المرشحين، مع التركيز على معجمه السياسي، ونبرات صوته، وإشاراته الحركية، وطبيعة الجمهور الذي يستهدفه في خطابه، ونوع الحجج الشائعة في كلامه، إضافة إلى تقييم عام لقدراته التأثيرية والإقناعية.
لقد شهدت الانتخابات الرئاسية المصرية أول مناظرة رئاسية في التاريخ العربي المعاصر بين السيد عمرو موسى والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. ونظراً لرمزية هذا الحدث في حقل التواصل السياسي العربي فقد أفردت لها فصلاً؛ درستُ فيه التكتيكات الخطابية التي استخدمها المتناظران في مهاجمة الطرف الآخر. لقد نتج عن المناظرة تراجع في شعبية المرشحين معاً؛ وقد حاولت تفسير هذا التراجع من خلال تحليل خطابيهما أثناء المناظرة. وينتهي هذا القسم بفصل حول الخطب السياسية لأول رئيس مصري منتخب بعد الثورة؛ الرئيس الدكتور محمد مرسي. أتتبع فيه خصائص خطابه السياسي، والتحولات التي طرأت عليه؛ سواء في معجمه أو أساليب إقناعه، أو أدائه، وأحلل أهم الخطب التي ألقاها في الشهر الأول من توليه السلطة.
وقبل أن يُغلق هذا الكتاب دفتيه، يختتم تطوافه في خطابات الثورة بخاتمة موجزة حول أهم النتائج التي يمكن أن نستخلصها من دراسة الخطاب السياسي في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ مصر المعاصر.