تقارير

شراكة «داعش» و«ترامب».. وتأجيج الإسلاموفوبيا!

أمضي أسبوعاً في أميركا للمشاركة في مؤتمر اتحاد الطلبة الكويتيين السنوي الثاني والثلاثون، فرع الولايات المتحدة في مدينة سان دييجو الجميلة قرب حدود المكسيك. وقبل وصولي للولايات المتحدة وأثناء وجودي، صدمتني التصريحات المستفزة والمعادية للمسلمين من قبل المترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري الملياردير المثير للجدل دونالد ترامب، حيث يستمر منذ الصيف الماضي في تصدر استطلاعات الرأي، ويتقدم على المترشحين الأربعة عشر لانتخابات الرئاسة الأميركية. وهذا ملفت لمرشح لا ينتمي للمؤسسة الحزبية في الحزب الجمهوري، ولم ينتخب أو يُعين في أي منصب رسمي سواء على المستوى الفيدرالي أو حتى على مستوى الولاية! ما يشكل تهديداً وإحراجاً للمؤسسة الحزبية الأميركية التي يخرج من عباءتها عادة النواب والشيوخ والرؤساء!
وبسبب تصدر ترامب استطلاعات الرأي تحظى تصريحاته بتغطية ومتابعة إعلامية وشعبية واسعة وتُجرى معه لقاءات صحفية وتلفزيونية ويمنح وقتاً أطول في وسائل الإعلام لترويج أفكاره، وأخطرها تصريحاته العدائية والمستفزة للجميع وخاصة للإسلام والمسلمين، وهو يطلقها للتكسب السياسي وتسجيل نقاط سياسية، بهدف استقطاب أصوات الناخبين لينتزع بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة في النهاية.
ولا يعنينا كثيراً تهجم ترامب وأسلوبه الفج ضد خصومه ومنافسيه المرشحين للرئاسة في الحزب الجمهوري، حيث يُشخصن العداء معهم ويصفهم بصفات لا تليق برجل سياسة. وقد استعدى شرائح كبيرة في المجتمع الأميركي بمن فيهم خصومه والمكسيكيون والنساء والمهاجرون واللاجئون وطبعاً المسلمون. وهدد ببناء سور فاصل بين أميركا والمكسيك، وطرد 12 مليون مقيم بطريقة غير شرعية!
ولكن الأكثر استفزازاً وعنصرية غير مسبوقة تجاه مواطنين أميركيين كان استغلال اعتداء «داعش» الإرهابي في باريس ومقتل 130 شخصاً هناك ليتجرأ ترامب وينخرط في تهجم غير مسبوق ضد المسلمين الأميركيين الذين يصل عددهم 8 ملايين مسلم أميركي (أكثر من اليهود الأميركيين) باقتراحه إنشاء قاعدة بيانات لتسجيل ومراقبة ومتابعة الأميركيين المسلمين! وهذا الاقتراح العنصري يذكر بتسجيل ألمانيا النازية في عهد هتلر لملايين اليهود في أووربا ومنحهم بطاقة تعريف قبل حرقهم.. وبعد أن تعرض اقتراح ترامب لموجة انتقادات لاذعة من الأميركيين، وحتى من منافسيه الجمهوريين والديمقراطيين وطبعاً من المنظمات الإسلامية، تراجع عن فكرته العنصرية المرفوضة هذه، ونفى في تغريدة اقتراحه إنشاء قاعدة بيانات للمسلمين! وطبعاً هذا كذب، ويدحض ادعاءه مقطع له على «يوتيوب»، شاهدته شخصياً، حيث يطالب بقاعدة بيانات للمسلمين بدعوى «محاربة التطرف الإسلامي وإيجاد رقابة لحماية أميركا»!
لاحقاً عاد ترامب مجدداً بعد أيام من تراجعه عن مقترح إنشاء قاعدة بيانات للمسلمين الأميركيين للمطالبة بمراقبة المساجد في الولايات المتحدة، وهذا استفزاز آخر للمسلمين وتأجيج للعداء ضد الإسلام في الولايات المتحدة، وخاصة أن العديد من المساجد والمراكز الإسلامية في الولايات المتحدة كانت قد تعرضت لاعتداءات بعد هجمات باريس.
أما آخر هرطقات ومظاهر عنصرية ترامب ضد العرب والمسلمين فكان ادعاؤه، من دون أي دليل، بعد أكثر من 14 عاماً على تفجير تنظيم «القاعدة» لبرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في اعتداءات 11 سبتمبر 2001، أنه قد شاهد وسمع عن احتفال آلاف العرب والمسلمين في «نيوجيرسي» المطلة على نهر «هدسون» ومانهاتن، برؤية سقوط برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك! وقد تصدى لهرطقات وتجني ترامب العديد من المعلقين والمحللين الأميركيين من غير المسلمين، وحتى ضمن منافسيه في الحزب الجمهوري. وقد شاهدت شخصياً تصريحه، وكيف أن مذيعاً أحرجه عندما سأله: وهل شاهدتهم شخصياً يحتفلون بسقوط البرجين؟ ولكنه تهرب من الإجابة!
مؤسف كيف تُوظف اعتداءات «داعش» والتنظيمات الإرهابية التي تدعي الانتماء للإسلام من قبل سياسيين لتأجيج الصراع الديني وصراع الحضارات، وللتكسب السياسي وتكريس صورة نمطية معادية للإسلام، في موجة «إسلاموفوبيا» تضع 1,7 مليار مسلم، أي ما يعادل ربع البشرية هم من يعتنقون الدين الإسلامي، في دائرة الشبهة.
غير مقبول استمرار تهجم ترامب على الإسلام بهذه الطريقة العنصرية المقيتة. ولو تهجم على أي أقلية دينية أو عرقية كما يتهجم على المسلمين لكان أجبر على الاعتذار واضطر للانسحاب من سباق الرئاسة، ولكتبت المقالات وسلخه المعلقون والمحللون والمرشحون.. ولكن الإسلام والمسلمين في أميركا لا بواكي لهم! إذ كيف يجرؤ بن كارسون المترشح المنافس لترامب في الحزب الجمهوري على أن يقول في الصيف الماضي إنه يجب ألا ينتخب رئيس مسلم في أميركا، بينما الدستور الأميركي لا يمنع ذلك! وقد مر تصريحه العنصري دون ردود توقفه عند حده! وكيف وإلى متى يُسمح لعنصرية ترامب أن تتفوق على نفسها باقتراحاته الممجوجة بإنشاء قاعدة بيانات لتسجيل وتعقب المسلمين الأميركيين، ومراقبة المساجد في أميركا؟! إن هذه عنصرية متطرفة ومرفوضة تخالف القيم والمبادئ الغربية، وتنافي الدساتير وأبرزها الدستور الأميركي الذي يدعي الجميع التمسك به!
والمفارقة المؤلمة في كل ذلك أن الأغلبية الساحقة من المسلمين تنبذ وترفض ما يقوم به «داعش» من سلوك عنيف واعتداءات. وقد وصلنا للتغريد بوسم (#داعش_لا_تمثلني كمسلم)! وللتذكير بأن أكثر ضحايا «داعش» هم من المسلمين، ومع ذلك يستغل بعض الساسة في الغرب إرهاب «داعش»- شريك ترامب وغيره، للتكسب السياسي وتعميق «الإسلاموفوبيا». والمؤلم أن في الوقت الذي تكفر فيه «داعش» معظم المسلمين، يتعامل الغرب معنا بعنصرية ويتهمنا بأننا «دواعش»!

*د. عبدالله خليفة الشايجي*
رئيس قسم العلوم السياسية - جامعة الكويت