ثقافة

خالد البنا.. فُسَيْفِسَاء بصرية بامتداد ذاكرتنا الشعبية

خالد البنا لا يفضل استخدام «الحرير» ويميل لـ«القطن»، وتحديداً قطعة قماش تُعرف بين النساء قديماً باسم «شربت» (تصوير: أفضل شام)

خالد البنا لا يفضل استخدام «الحرير» ويميل لـ«القطن»، وتحديداً قطعة قماش تُعرف بين النساء قديماً باسم «شربت» (تصوير: أفضل شام)

نوف الموسى (دبي)

في الثمانينيات، وبموازاة صدى صوت البواخر البعيدة، يقف خالد البنا ليرسم نفسه من خلال تلك الحركة العشوائية للألوان وللأسماء وللأماكن، يرتب مرورها بين عينيه بأبجديات الأكبر والأصغر، وربما بالأبيض والأسود، الذي بدأ من خلالهما سيرته المشحونة بالذاكرة الشعبية.
10 سنوات متتالية، وهو يحفر في اللون الأسود، يجرده من اللغة البصرية ويعيد فيه حياة التكوينات، عبر اكتشاف التدرجات، وممارسة السؤال الصعب في اللون، وهو التحدي في إظهار الجماليات، وخلق لوحة فنية من لون واحد.
عندما بدأ الولوج في عالم الألوان في عام 2009، جاءت أوصاف لوحاته جامحة مشحونة مزدهرة، مشكلةً شعوراً ممتلئاً بالزهو، توجّها أخيراً عبر معرض «Disappearing tense»، ويتقارب العنوان في ترجمته لـ«العربية» إلى الاحتفاء بتلاشي حيز التوتر. وقد شهد الجمهور المعرض في «كوادرو فاين آرت غاليري» بمدينة دبي، واهتم بالبحث عن تفاصيل ما يود قوله الفنان الإماراتي البنا دونما مقدمات، الذي أكد عمق علاقته بالعمل الفني، وصعوبة مجاراته لعمليات البيع وتعلّم فن التخلي، خاصةً أن اللوحة تشغل فضاءات ضخمة من روح الفنان. دخول البنّا إلى عالم الأحبار لم يكن سهلاً كما يتصور البعض، لأنها تمثل مرحلة الترويض الأكبر للون عبر الانتقال من نقطة سيطرته إلى مقدرة الفنان على جعله يستسلم بصورة طوعية. يصف البنا ذلك بإحداث التوازن لمفهوم خلق الكتل اللونية، التي من شأنها أن تعزز مقومات الذاكرة البصرية. ما حدث في معرضه الأخير، هو تعامل مباشر مع المخزون المحلي ولغة البيئة المحيطة، واستمرار لدفق الطاقة اللامتناهية من خلال رؤية الأقمشة المستخدمة في اللوحة الفنية، تلك التي تعكس الملبوسات التقليدية لنساء الإمارات، وتوحي للمشاهد بسيناريوهات عامة تسرد قصص أُناس المكان، بأصوات الأمهات والجدات والفتيات الصغار. وعملياً ما استطاع الفنان خالد تشكيله في العمل الفني، هو الحوار السرمدي بين المكوّن في اللوحة وروح المتلقي.
«البحث».. ميزة تفرد بها عمل الفنان خالد البنا، فهو يذهب للخياطين، ويجمع بقايا القطع المستخدمة، ينتبه جداً لأشكال الأقمشة، ويهمه التماهي بين قطعة وأخرى، لا يفضل عادة استخدام «الحرير»، ويميل لـ«القطن»، وتحديداً قطعة قماش تُعرف بين النساء قديماً باسم «شربت».
يقول خالد عن ذلك: «الخامات الموجودة في اللوحة أقرب إلى اللمحة العضوية بطبيعتها الأولية، لم أضف عليها ألواناً معينة. وفيما يتعلق بالمادة اللامعة على القطعة، فهي مرتبطة بذكرى لديّ، عندما ذهبت إلى أحد الأعراس في الماضي، كنت أرى أنه يتم رمي هذه المادة اللامعة على الحضور، تماماً كما في الثقافة الهندية خلال احتفالاتهم برمي الألوان على بعضهم بعضاً».
يتأسس العمل على اللوحة عبر طبقات، وتداخل لطاقة الفنان خالد، فأحياناً يضع الطبقة الأولى على اللوحة، وينتظر قرابة الـ 6 أشهر لينهي العمل، وأحياناً أخرى ينهي الأعمال في أقل من أسبوع.
وفي هذا المحور، يؤكد الفنان خالد أن المسألة متعلقة بالاشتغال على الفكر والمجهود الإبداعي الضمني لدى الفنان نفسه، فالمخرجات الفنية عبارة عن تجربة تراكمية، فالأخير بحد ذاتها أيقونة مفصلية. وباعتباره مهندساً معمارياً، يرى الفنان خالد أن الجمال هو موضوعه الآني واللحظي، فهو عاشق للفكرة الجميلة، فهي ملهمته طوال الوقت، ومتعته القصوى تكمن في العيش بمحيط يزخر بالجمال، منوهاً بأن البيئة بالنسبة للفنان، تجسد مفترق طرق في كيفية التعبير عن الجمال، بتناقضاته كافة، واصفاً عمله على الأقمشة في بيئة فنية إيطالية، بالمختلفة كلياً عن الإماراتية، وسيظل القاسم المشترك هو نشوة التجربة الإنسانية المشتركة.

المر عن المعرض: تجربة مختلفة
اعتبر الأديب والمقتني محمد المر، أن تجربة الفنان خالد البنا جاءت في المعرض، مختلفة جداً، عما اعتدنا رؤيته من أعمال قدمها في السابق، مبيناً أنها تقودنا نحو ذاكرتنا الشعبية، من خلال فسيفساء بصرية تشبه الفسيفساء البيزنطية، المكتظة بالحاسة الشعبية وأجوائها اللونية، حيث تعامل معها بشكل بديع، وقدمها للمتذوق في سياق جديد.