الإمارات

فاروق حسني: تحية كبيرة للإمارات على جهدها الثقافي المميز



حوار - سلمان كاصد:

فاروق حسني الوزير المثقف والفنان التشكيلي البارع، صفتان كلتاهما تتناغم في شخصيته الآسرة ومداه الواسع وأفقه المفتوح نحو عوالم من الثقافات التي يحملها· واضح وصريح، ممتع في حديثه، ينسج من الكلام قلائد، غير بعيد عن فكرته التي يريد أن يوصلها·
له رؤاه للثقافة في مصر وللثقافة العربية، يطمح أن تتلاقح الثقافة العربية لتعود إلى سالف عهدها مؤثرة أكثر مما هي متأثرة، على كاهله عبء ثقافة متميزة، تضم في تاريخها وحاضرها أسماء كبيرة كانت ولا تزال لها الوقع المميز في خارطة الثقافة والإبداع العربي، يعتز بتاريخ مصر وتراثه ويعمل جاهداً على أن يبقى هذا التراث كنوزاً بيد الشعب المصري كونه إرثه الذي لا ينضب·
فاروق عبدالعزيز حسني وزير الثقافة المصري ولد في الإسكندرية ودرس الديكور في جامعتها فحصل على البكالوريوس في الفنون وهو واحد من أهم فناني مصر في العصر الحديث حيث تثير لوحاته التساؤلات الكبيرة كما أنها تواجه إقبالاً كبيراً في أوروبا وبخاصة روما·
ولأن الحديث معه ممتع إلى غايات البهجة فقد أسرنا أنه إذا أقام معرضاً لأعماله التشكيلية في القاهرة فإن خطوط السير يعتورها الإرباك بسبب الازدحام الشديد الذي يخلقه محبوه والمتطلعون إلى اكتشاف ما سيقدمه الفنان أولاً والوزير ثانياً حتى أنه في آخر معرض له حاول جاهداً أن لا يعلن بل لا يحدد يوماً معيناً لافتتاحه كي لا يسبب حرجاً في مرور المركبات في شوارع القاهرة المؤدية إلى قاعة العرض·
يحكم الجدل والمنطق حديثه حتى أنه في النهاية يقودنا إلى استنتاجات خطيرة ومربكة في شعريتها ومقابلاتها وتضاداتها· كل ذلك يتجسد في حوارنا معه:
الوزير الفنان
؟قيل عنك بأنك المثقف الشامل، ماذا يعني لك هذا الوصف فهل هو فعلاً يطابق ثقافة الوزير المبدع في الفن التشكيلي ؟
؟؟ الثقافة الشاملة، أعتقد أنها مسألة نسبية، لأننا عندما نقول المثقف الشامل فإن هذا يعني المسؤولية الكبيرة التي يواجهها الإنسان بكل طاقتها وتعدديتها، وعندما نتحدث عن النسبية في الثقافة فإننا نتحدث عن الاستيعاب الذي يتفاوت من شخصية لأخرى· أي أننا نتحدث عن الإمكانية الاستقبالية للمعرفة والتي يتمتع بها المتلقي، فهل المتلقي يتلقى نوعاً من أنواع فروع الثقافة التي يحبها ؟ وهل لديه اكتشاف متنوع لفروع الثقافة العامة وتضاريس الثقافة العالمية ؟ لأن الثقافة هي محصلة عظيمة جداً من الإنتاج الإنساني عبر عصور متعددة ومختلفة ومتواترة وربما نجد هذا المنتج محصوراً في مجتمع خاص بالمتلقي كمثقف أو في مجتمعات كثيرة من الصعب حصرها كون ثقافاتها لا متناهية· إنني أرى أن كلمة المثقف الشامل كلمة مسؤولة ومن يتحملها عليه مسؤولية كبيرة ولا أعتقد أن أحداً في الوجود وصل إلى كلمة المثقف الشامل بمعناها الحقيقي·
؟ كيف يمكن أن نفهم مؤثرات الثقافة المصرية في الثقافة العربية الآن· بعد مجد من التأثيرات الكبرى التي قادها التنويريون المصريون الكبار ؟
؟؟ أنا شخصياً اسمي هذه الفترة بفترة (التحاريق) وهي كلمة أطلقت على نهر النيل عندما ينحسر ليولد فترة التحاريق·
ولذا فإن هذا الانحسار الثقافي يعد مؤقتاً أما الانحسار الكبير فليس في مصر بل نجده في العالم برمته، اجمعه، ولنستعرض معاً كل الرموز الكبيرة والمؤثرة في العالم· هل عندك الآن سارتر، أو برناردشو· أعتقد أنها موجات دولية في الثقافة وهي أشبه بالمناخ الذي تفاجأ به، ولكن ليس هذا معناه أننا متشائمون إذ لم أتشاءم طوال حياتي لأنني مؤمن تماماً أن الشمس ستشرق دائماً وبخاصة شمس الثقافة التي يضطلع بها الشباب المبدعون الذين يقدمون وسيقدمون المزيد من العطاءات في الفكر والإبداع·
أضرب لك مثالاً بسيطاً، عندما جئت إلى الوزارة قلت لابد للرموز أن تختفي وعلينا أن نبحث عن رموز جديدة وهي تتمثل في أشخاص لا يزالون في مقتبل العمر لذا على الدولة - كما فهمتها وأفهمها الآن أيضاً - أن تساعدهم كي يصبحوا رموزاً كبيرة· والمشروع قادم وهناك مجالات عديدة نفتح الأبواب جميعها لنفعل دور الثقافة في المجتمع المصري الذي يزخر بالعطاء والإبداع الدائمين وأنني على ثقة بأن ما سيقدمه الشباب المثقف سوف يجد صداه بشكل مؤثر في الشارع العربي والثقافة العربية·
المجتمع والثقافة
؟ ولكن كما أفهم أن الثقافة منتج اجتماعي وأن وزارة الثقافة منظم لهذا المنتج، وحتى هذا الدور يبدو أن الكثير من وزارات الثقافة لا تجيده، ما سبب القطيعة إذاً بين المثقف أو المبدع والتنظيمات المؤسساتية ؟
؟؟ حسناً·· هنا دخلنا في جدلية العلاقة بين المجتمع والثقافة·· المجتمع كما تعرف له اختياراته وعندما نتكلم عن المجتمع بشكله العام يجب أن نتكلم عن مسؤولية الدولة· إذ أنها كمؤسسة تمثل هذا المجتمع عليها أن ترفع من قيمته الذهنية بأن توفر له المعلومة الثقافية التي يحتاجها، ولو تحدثنا عن علاقة ثقافة الدولة بأجهزة الدولة فإنني أجد أن مهمتها لا تقوم على تعطيل الثقافة بل رفدها بكل ما تملك·
الإنسان نهم لاستيعاب الثقافة وهذا نوع من أنواع التوحد بالذات الذي يجبر الفرد على المزيد من المعرفة والتي من مهمة الدولة أن تغذي هذا النمط من الأفراد·
الغريب في الأمر أن هناك من يقول أنا ضد المؤسسة، واعتقد أن هذا يعد قصوراً منه لأن فنه وإبداعه يمتلكان قصوراً وبالتالي تراه يخاصم الدولة، والحقيقة أقولها بصدق في مصر ليس هناك أي نية - من ناحيتي شخصياً - أو لنقل لم تطلب مني الدولة في مصر أن أمنع هذا أو أحجب ذاك، وعندما أقول كلامي هذا على الملأ فهو الصدق الكامل· وأنا بشكل شخصي لم أبد أي نوع من العداء لأي مثقف حتى عندما يكون التضاد من الطرف الآخر فإنه لا يجد لدي عداوة أبداً· إذ أنني أفهم تماماً أن مسؤولية وزير الثقافة هي خدمة المجتمع في ميدان الإبداع والثقافة وتنميتهما بالشكل الصحيح·
تلاقح ثقافات العالم
؟ كيف تصف حركة الثقافة في الإمارات وتحول العاصمة أبوظبي إلى بؤرة تلاقح ثقافات العالم ومن المؤمل أن تحلق كي تصبح عاصمة للثقافة العربية ؟
؟؟ أولاً·· كلنا نحيي توجه دولة الإمارات العربية المتحدة لإقامة البنية الأساسية للثقافة وطالما هناك بنية أساسية للثقافة تقام على أرض الإمارات فإن هناك نوايا صادقة وطيبة تسهم فيها قيادتها التي تطمح الى المزيد من أجل تفعيل دورها في العالم العربي وثقافة العالم·
وأنا أرجو وأتمنى للشعب الإماراتي أن يستفيد من هذه البنية الكبيرة التي تشيد بإصرار والتي لها تأثير تربوي واضح على مجتمع الإمارات حيث على الجميع أن يبدع وأن يظهر إمكانياته من كتاب وشعراء وتشكيليين ليتناغموا مع طروحات الدولة في تفعيل دور الثقافة· أي بوضوح أن الدولة تمتلك بعزم الرغبة في الاهتمام بالكيان الثقافي·
وعليه فإنني أجد أن هناك دولاً عربية تمتلك إرثاً ثقافياً كبيراً مثل مصر ولبنان والعراق عليها أن تساهم في إغناء الثقافة هنا بما يشكل وحده متكاملة تخدم الجميع لكي نساهم جميعاً في إنعاش الحركة الثقافية التي تنهض بقوة على أرض الإمارات· وما دامت هناك نية صادقة فإني أجد من خلالها أن تكون أبوظبي عاصمة للثقافة·
؟ كيف تصف أعمالك التشكيلية والتي ربما يهاجمها البعض لسبب أو لآخر· هل هو موقف خاص أم هو موقف نقدي يمكن مناقشته ؟
؟؟ أقول لك·· أنا منذ فترة طويلة بل وحتى منذ المدرسة والدراسة في الجامعة أجد هناك من يخلق خلافاً معي·· لا أعرف كنه هذه الخلافات· هل هي بسبب آرائي أو طريقة تعاملي مع العالم· أنا بصدق أتعامل بعفوية شديدة يجوز بل ربما انها تضايق الآخرين·· لا أدري ؟
إنني أمتلك حرية مطلقة في تفكيري وفي أدائي ولكن في حدود الأصول وأما في فني فأنا حر أيضاً وأخرج ما يعتمل في داخلي وربما أجد أن هذا الاعتمال يعجب الآخرين فيقتنون أعمالي، أما من له رأي آخر فلا أقف ضده، بل له الحرية المطلقة مثلما هي لي·
أقول لك·· بعد رجوعي من باريس وتواجدي في القاهرة أقمت معرضاً واتهموني بالشخبطة وهناك من قال إنه إما فنان عظيم أو هو أفاق في الفن، لقد واجهت هجوماً ساحقاً ولكن لم يحدث أن تراجعت· أنا رسام، وأنا مطروح ليس فقط في العالم العربي بل في أكبر المتاحف في العالم، وكتب عني نقاد كبار وكثيرون ولذا فإن من يقف ضد ما انتجه من فن تشكيلي عليهم أن يقرأوا ما كتبه النقاد عني·
لنأخذ منير كنعان ورمسيس يونان وخديجة رياض إنهم تشكيليون رواد قدموا فناً تجريدياً مهماً وأنا جزء من هؤلاء في طروحاتهم ولكن ربما أو يجوز لكوني وزيراً فإن هذا يأخذ كثيراً من فني·
سأروي لك حكاية·· عندما عرضت أعمالي التشكيلية في (الكاروسيل دي لوف) في باريس· كان هناك ناقد فرنسي مشهور جداً اسمه (نورد ساني) وكان ما بيننا صديق له ولي، فعرض عليه أن يزور معرضي التشكيلي فرفض بحجة انه لا يزور معرضاً لوزير، الا أنه وبسبب إلحاح صديقي جاء إلى المعرض زائراً، فخرج بنتيجة مفادها بحسب قوله: كنت أحسب أنه وزير فوجدته فناناً، حينها كتب دهشته في أنه يجد سياسياً محترفاً الفن التشكيلي· وباختصار شديد أنا كوزير اعتبر نفسي هاوياً أما في الفن فإنني محترف·