دنيا

التربية الوطنية.. مسؤولية مشتركة تضمن الاستقرار

النشاطات اللاصفية تسهم في تعميق مفهوم المواطنة بطريقة غير مباشرة (أرشيفية)

النشاطات اللاصفية تسهم في تعميق مفهوم المواطنة بطريقة غير مباشرة (أرشيفية)

خورشيد حرفوش (القاهرة)

يخطئ من يظن أن التربية الوطنية بمفاهيمها ومضامينها التربوية، وغرس وتنمية مشاعر الولاء والانتماء للوطن، يمكن أن تؤجل حتى يتجاوز الطفل سنوات طفولته، ويبلغ سن النضج والرشد. فوجدان الإنسان ووعيه، بحسب تأكيدات علماء الطفولة والتربية، تبدأ لبناتها الأولى في التكون والنمو مبكراً خلال المرحلة الأولى من طفولته، وذلك بفعل وتأثير عوامل بيئية واجتماعية وثقافية عديدة تحيط بالطفل، وتساعد على بلورة تفكيره واتجاهاته.

جرعةٌ مكثفة
ولتوصيل هذه المفاهيم والعلاقات المتداخلة إلى وجدان الطفل، يقول الدكتور محمد عبد العليم، استشاري الطب النفسي والصحة النفسية، إن التربية الوطنية جزءٌ من التربية العامة، وأنه لا يمكن الفصل بينهما بشكلٍ كبير، فبينما تركز التربية والتعليم عامةً على إكساب الطالب «المواطن» صفات وسلوكات ومهارات يتم تحديدها عن طريق المسؤولين والمختصين في مجال التربية والتعليم باعتبارها تعكس البعد الثقافي والاجتماعي للأمة وللمجتمع، فإن التربية الوطنية هي جرعةٌ مكثفة أو تأهيلٌ أكثر تحديداً وتركيزاً على الصفات والسلوكات والمهارات التي تمكنه من القيام بأدواره ومسؤولياته ذات الأبعاد الأكثر عمومية، أي تلك الأدوار والمسؤوليات التي يتحملها بجانب غيره من المواطنين في المجتمع. وتنشئة الفرد بأسلوب منظم على مجموعة من المعارف والمسلكيات والقيم التي تجعله أكثر خدمة على خدمة مجتمعه وتطويره والدفاع عنه.
ويضيف أن التربية الوطنية هي ذلك الجزء من المناهج المدرسية الذي يسعى لغرس القيم والمبادئ والاتجاهات الحسنة في نفوس الطلاب والطالبات، وتوجيههم إلى السلوكات الاجتماعية والثقافية المحلية والعالمية الحسنة، وتزويدهم بالمهارات الحياتية اللازمة، ليصبحوا مواطنين صالحين يحبون وطنهم ويعتزون بالانتماء إليه، ويتحلون في سلوكهم وتصرفاتهم بالأخلاق الطيبة، ويشاركون بفعالية في القضايا الوطنية التي تعود عليهم وعلى وطنهم بالخير والنماء.

أهداف سامية
وحول الهدف من التربية الوطنية، يقول عبد العليم: «يجمع التربويون على أن الهدف العام للتربية الوطنية يتمثل في إعداد المواطن الصالح أو الإنسان الصالح الذي يعرف حقوقه ويؤدي واجباته تجاه مجتمعه. وقد تعرض كثير من التربويين إلى ذكر أهداف تفصيلية للتربية الوطنية من منطلقات متعددة تأخذ في عين الاعتبار خصوصية كل مجتمع من حيث العقيدة التي يؤمن بها والفلسفة التي ينطلق منها، والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها. فإن الأهداف العامة للتربية للمواطنة تتشابه إلى حد كبير في كثير من الدول، حيث تتفق على قائمة من القيم».
ويوضح «الولاء والانتماء من المفاهيم التي يتم ترديدها كثيراً في المحافل السياسية والثقافية والتربوية، وأضحت أحد الضرورات الأساسية في عالمنا المعاصر نظراً لما تتضمنه الكلمتان من معانٍ ودلالات عظيمة تمثل أساساً للفطرة السليمة التي تنظر إليهما بقدسية واحترام»، مشيراً إلى أن «تلك المفاهيم يكتسبها الإنسان من تلقاء ذاته ولا تملى عليه إلا أن الضرورة تحتم غرسها وتعزيزها في نفس كل مواطن ليمارس حقوقه المشروعة متحلياً بأخلاقيات المواطنة والسلوكات السليمة».

مسؤولية تضامنية
وتقول الأخصائية الاجتماعية سليمة أبويوسف، إن التربية الوطنية مسؤولية تضامنية بين فئات المجتمع بدءاً من الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام المختلفة، فهي جزء من مهمة ورسالة عظيمة لا تكتمل عناصرها إلا بتعاون وتضافر الجهود في مختلف القطاعات بهدف تعزيز وتنمية ارتباط المواطن ومشاركته الإيجابية في تنمية المجتمع، وبناء الوطن الذي لا يقبل بوجود التخلف النفسي أو الذهني في نفوس أبنائه. كما لا يجب إغفال الدور الذي تلعبه الأسرة في غرس السلوكات السليمة في نفوس أفرادها، وتنمية شعورهم بالفخر والاعتزاز لانتمائهم لهذه الأسرة، وتوسيع دائرة الانتماء لتشمل كل جزء من الوطن.
وتتابع أن التنشئة الاجتماعية للأبناء على أساس سليم، يتعلم فيه الصغار مبادئ العطاء والبذل، وتحمل المسؤولية، والإيثار من أجل الجماعة، والوطن، وفهم الحقوق والواجبات، وقيم احترام الغير، والملكية العامة، وحرية الآخرين. وكذلك الإعلام الذي يعد وسيلة رئيسة وفاعلة ومؤثرة، يجب أن تسهم في غرس المفاهيم السليمة عن طريق البرامج الهادفة، التي تصب في خانة الولاء والانتماء للوطن، الذي يدرك حاجته إلى هذا الجيل الذي يعي حقوقه ومتطلباته وتطلعاته في الاستقرار والوحدة والتنمية والنهوض الحضاري الشامل.

دور محوري
يلفت الخبير التربوي عدنان عباس، إلى الدور الذي تسهم به المؤسسات التربوية في تعميق الشعور الوطني، إلى جانب القطاعات الحيوية الأخرى في ترسيخ معاني الانتماء والولاء الوطني لدى النشء والشباب والقائمة على تقوية الأواصر الأخوية ومواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وتحرير الأجيال من العصبيات، وتدعيم قيم التسامح والسلام والمحبة، وصولاً إلى خريطة حضارية واحدة للوطن الذي يظل أكبر من الانتماءات الضيقة.
ويقول عباس: «المقررات الدراسية تعزز مفهوماً واسعاً يتجاوز الأفكار المعرفية وحدودها الدراسية الضيقة إلى مكونات المواطنة الأساسية قد تكون أساساً في تكوين الاتجاهات والقيم ومجالات المعرفة والمهارات المجتمعية والوجدانية». ويتابع أن أهم عنصر مؤثر في المؤسسات التعليمية، هو المعلم؛ لأنه منوط به أمران مترابطان، وهما التعليم والتربية. لذا فدور المعلم يتمثل في تنمية البعد المعرفي لدى طلابه، وتعليمهم التفكير الناقد، والتحليل، وكيفية اتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وغيرها من مهارات، حيث إن المواطن الذي يتمتع بقدرات كهذه يستطيع تمييز الأمور ويكون أكثر عقلانية ومنطقية فيما يقول ويفعل، ويقتضي ذلك تدريب المعلم على كيفية بلورة المفاهيم المجردة والاتجاهات الإيجابية وربطها بالموضوعات المتاحة سواء من المقررات الدراسية أو القضايا والمشكلات المجتمعية، وتمكينه الطلاب من ممارسة حقوقهم والالتزام بمسؤولياتهم. كما أنه حرص المعلم على ترجمة خبراته الإيجابية وتحويلها إلى ممارسة فعلية في المواقف التعليمية المختلفة وأن يكون سلوكه مطابقاً لأفكاره التي يبثها في عقول التلاميذ.
ويقول إن للمعلم دور كبير في تأكيد مفهوم المواطنة ببعدها المهاري من خلال الممارسات اليومية لطلابه؛ لذلك لا بد من تأكيد آليات ترتقي بمستوى أدائه، من خلال تنمية مهاراته وقدراته وأسلوبه التعليمي حتى يستطيع استثمار المواقف اليومية في تنمية المواطنة لدى الطلاب.

ضرورة حتمية
يؤكد خبير التنمية البشرية الدكتور السيد ناصر، أن إثراء المعرفة والثقافة الوطنية لدى النشء ضرورة حتمية في تنمية روح المواطنة وتعزيز الانتماء للوطن، ما يجعل المتعلم واعيًا للأبعاد المختلفة، ولما هو مطلوب منه كعضو فاعل في هذا الوطن الكبير.
كما أن تشجيع المتعلمين على بناء المعرفة الشاملة للتنوع والاختلاف التي تتميز به الدولة، ومحاولة فهم هذا التنوع، حيث تبدو الرغبة في القضاء على التمييز العنصري، وفي إبراز العمق والأصالة في الهوية المحلية من خلال تطوير مستوى التعاون والعمل الجماعي بين الأفراد، واحترام قيم الآخرين، وتقدير فنونهم، وتأكيد أهمية الثقافة المحلية في توحيد الأمة.