عربي ودولي

زيارة البابا تواضروس للقدس قد تثير جدلا في مصر

في خطوة غير مسبوقة، من قبل رأس الكنيسة الأرثوذكسية بمصر البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أعلنت الكنيسة في بيان صباح أمس الخميس، أنه سيرأس وفدًا كنسيًا يتألف من ثلاثة أساقفة وكاهن وشماس للسفر إلى القدس يوم السبت القادم، للصلاة على مطرانها الراحل الأنبا إبراهام مطران القدس والكرسي الأورشليمي والخليج، الذي توفي أمس الأربعاء.


فتلك الخطوة يتوقع أن تثير الكثير من الجدل السياسي ليس حول توقيتها الحالي فحسب، وإنما أيضًا مدلولاتها المستقبلية على قرارات الكنيسة بحظر سفر المسيحيين للقدس إلا بعد إزالة الاحتلال وعودتها للسيادة العربية.


فالمجمع المقدس أعلى سلطة كنسية، كان قد اتخذا قرارًا في 26 مارس 1980 منع بموجبه سفر المسيحيين للحج للأراضي المقدسة التزامًا بمقاطعة قطاعات واسعة من الشعب المصري لزيارة فلسطين عقب اتفاقية كامب ديفيد، وفى أعقاب رفض البابا شنودة الراحل السفر إلى جوار الرئيس السادات في نهاية السبعينيات، الأمر الذى كان بداية الخلاف بين البابا والرئيس والذي انتهى بإبعاد البابا إلى دير وادي النطرون في سبتمبر1979، كما أن سلفه البابا كيرلس السادس الذي كان له موقف مماثل، حيث رفض زيارة القدس عام 1967 بعد وقوعها في يد الاحتلال الإسرائيلي.


والزيارة الوحيدة كانت في يناير 1992 حينما أرسلت الكنيسة وفدًا لتجليس الراحل الأنبا إبراهام مطرانًا للقدس، و ترأس كرسي أورشليم الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى وعدد من الأساقفة نيابة عن البابا شنودة الثالث الذي رفض السفر بنفسه.


وثمة مبررات إنسانية حكمت تلك الخطوة المفاجئة أبرزها: المكانة التي يتمتع بها الراحل إبراهام، فحسب ترتيب أساقفة المجمع المقدس يشغل مطران القدس وكرسي أورشليم المكانة الثانية بعد البابا من حيث النفوذ الديني داخل الكنيسة، أضف لذلك ما أكده بولس حليم المتحدث باسم الكنيسة، أن البابا تواضروس تتلمذ على يد الأنبا إبراهام المطران الراحل في دير الأنبا أبشواي، حيث كان أقدم منه في الرهبنة وتربطه به علاقة محبة قديمة، وأن البابا أراد تكريم المطران الراحل، وقرر السفر للصلاة عليه بهذا الظرف الاستثنائي دون أن يعني ذلك موافقة البابا على السفر إلى القدس في الظروف العادية.


والأهم ما أكده مصدر كنسي رفض ذكر اسمه، أن تلك الزيارة أتت بعد ضغوط كبيرة من رعاية الكنيسة في القدس، للمطالبة بمشاركة البابا في الصلاة، ورفض إقامتها في مصر، وفقا لرغبة تواضروس لدفنه في دير الأنبا أبشواي بوادي النطرون.


وتبين تلك الدوافع أنه لا تغيير في موقف البابا تواضروس من القدس، أو حدوث تغير في منهجية تفكير الكنيسة إزاء مسألة القدس والسفر إليها. وأنصار هذا الموقف يستدلون على ثلاثة أسانيد أساسية بهذا السياق:


أولها: أن البابا كان قد رفض بشكل علني خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لمبنى الكاتدرائية بالعباسية في 9 نوفمبر الحالي، وإنهاء الحظر الكنسي على زيارة المسيحيين للقدس في احتفالات أعياد الميلاد والقيامة، التي لها رونق مختلف في مدينة مهد المسيح، ولكسر الحصار الإسرائيلي المُفروض على القدس. ورد الرئيس الفلسطيني، أن زيارة القدس في كل الأحوال، بمثابة دفعة قوية للشعب الفلسطيني، فالزيارة للسجين وليس للسجان، وأن عدم زيارة القدس يؤدي إلى تجفيف الاقتصاد الفلسطيني، بينما الزيارة تمنحنا تعزيزًا على مستوى البقاء والصمود.


ثانيها: تأكيد الكنيسة خلال العديد من البيانات تمسكها برفض زيارة القدس، معتبرة أنها تطبيع مع إسرائيل التي تحتل القدس الشرقية التي تضم أغلب الأماكن المقدسة المسيحية، وأن البابا نفسه أكد أنه لن يزور القدس إلى بصحة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، في تكرار لمشهد عبر عنه البابا شنودة من قبل، حينما قال عام 2001، في لقاء بمعرض الكتاب: "لن أدخل القدس إلا بتأشيرة فلسطينية على جواز سفري ومع صديقي شيخ الأزهر وقتها الدكتور محمد سيد طنطاوي وإخوتي العرب، ولن يكون هذا إلا بعد أن يزول الاحتلال عن القدس، ويصبح المسجد الأقصى تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وكان شنودة يشدد على أن زيارته للقدس في ظل احتلال إسرائيل لها: «لن تعود بفائدة أو نتيجة من ورائها، إضافة إلى أن إسرائيل ستقول لنا وقتها لكم الزيارة ولنا الريادة، وستؤدي إلى رواج اقتصادي لليهود، علاوة على أن الإعلام اليهودي سوف يظهر هذه الزيارة كما يريد».


ثالثها: تأكيد الكاتدرائية، نية البابا السفر عبر الأردن لتفادي التأشيرة الإسرائيلية، في ظل التزام الكنيسة الأرثوذكسية، بمنع السفر بواسطة تأشيرة الكيان الصهيوني منذ عهد البابا الراحل شنودة الثالث.


إلا أن الزيارة رغم كل تلك الدوافع، يمكن أن تثير جدلاً داخل الأوساط المسيحية، وتحديدًا تلك التي لديها رغبة عارمة في الحج للقدس، إذ يمكن أن تتخذ الزيارة ذريعة قوية لسفر المسيحيين المصريين للقدس. ولذا فإنها سوف تواجه خلال الفترة القادمة تحديات كبيرة.