الملحق الثقافي

عمر المختار: حياتي ستكون أطول من حياة شانقي

لقطة من فيلم عمر المختار (أرشيفية) لقطة من فيلم عمر المختار (أرشيفية)

لقطة من فيلم عمر المختار (أرشيفية) لقطة من فيلم عمر المختار (أرشيفية)

على الشاشة البيضاء، الحكايات تعبر القلب لتحتله، وتدّون فيه تفاصيلها حتى لا يعود يمكن أن تتسرب مع الأزمنة. أما الوجوه فتجد طريقها إلى الوجدان؛ الدماء تصبح جارحة أكثر والموت عميقاً والكلمات الأخيرة لا تُنسى على الإطلاق. تنقضي السنوات ولكن لا تذهب الصور المحفورة في الأذهان. كل هذا يحدث بفضل ما تمنحه السينما لنا من إمكانية تخليد اللحظات الخاصة والمؤثرة وإبقائها حية في الذاكرة.
ولعل من أكثر الذكريات التي لا تُنسى في هذا السياق، التفاصيل المُحمّلة في فيلم «أسد الصحراء ـ عمر المختار» تحفة المنتج والمخرج الأميركي/‏السوري المرحوم مصطفى العقاد الذي أراد أن يؤرخ بشكل درامي وتاريخي للمرحلة الزمنية الأخيرة من حياة المحارب والقائد الليبي الشجاع عمر بن المختار، الملقب بشيخ الشهداء، والمعروف بنضاله الطويل ضد الفاشية الإيطالية التي أسدلت الستار على قصة كفاحه بقرار إعدامه أمام شعبه.

تصوير مؤثر
لقد اختار العقاد لفيلمه أن يركز على السنوات الأخيرة من حياة عمر المختار، وبالذات الفترة التي يُعين فيها موسوليني واحداً من أكثر جنرالاته شراسة ودموية، وهو رودولفو غراتسياني، ليتصدى لمواجهة الثوار وقمع قوات عمر المختار. وبعد محاولات دامت ثلاث سنوات، وخطط شملت محاصرة الليبيين في سجن مفتوح مسيج بالأسلاك الشائكة لقطع المؤن والدعم على المختار ورفاقه، تمكن غراتسياني من محاصرته في الجبال وألقى القبض عليه ولكن بعد أن قتل خلال هذا الوقت أكثر من 200,000 من الرجال والنساء والأطفال.
هذا الحدث التاريخي تم تصويره بشكل مؤثر ليكون واحداً من المشاهد الأكثر إيلاماً وتعبيرية في الفيلم، حيث يمكن مشاهدة المخيمات البدوية على امتداد البصر من خلف الأسلاك الحديدية والنساء والشيوخ والأطفال بلا ذريعة. من زوايا أخرى تبدو الرمال وهي تتكدس ببطء بين فراغات تلك الأسيجة بفعل الرياح الصحراوية الشديدة، كاشفة عن مضي الزمن البطيء، وعن معاناة المواطنين الليبيين الذين لا يستطيعون الفرار من هذا الحبس الإجباري.
وفوق هذا هم يتعرضون أيضاً للإهانة والتعذيب، وقد تنتهي حيواتهم إما بالموت بسبب الجوع والمرض أو رمياً بالرصاص أو بالشنق أو عالقين في الأسلاك الشائكة هم وخيولهم.

تسامح
عمر المختار الشيخ الجليل، يتم تجسيده في البداية ضمن مجتمعه الهادئ الصغير في إحدى الواحات في الصحراء، حيث يظهر كمعلم للقرآن الذي يحض على عدم الطغيان والإخلال بالميزان. إنه يُعلّم الأطفال الصغار المعاني السامية لآيات الله. وحين ترتفع أصوات الطبول احتفالاً بعرس أحد أبناء القبيلة ويتفرق من حوله الصغار فهو لا يغضب ولا يحتج ولا يمنعهم بل بالعكس يضع لوائح الدرس على جنب، وينضم إليهم ليحتفل معهم بشكل ودود ومحتشم على الرغم من أن الآخرين يغنون ويرقصون.
هذا التصوير للتدين المتسامح كان من المزايا المهمة في الفيلم، خاصة بربطه مع شخصية المختار المسلم بالنشأة، والملتزم بدينه بانفتاح وتسامح، وتقبّل لأنشطة الآخرين التي تستوجب الفرح والغناء والرقص احتفالاً بعرس الأبناء بدون تزمت.
وفي مواجهة العدو هو أيضاً صبور في ملاحقته. ويظهر في وقت لاحق محتمياً بخيمته حيناً أو بالتلال الرملية أو بالجبال وأحياناً هائماً ورفاقه في الفسحات المتاحة لهم وهم يطاردون مدرعات الغزاة.
شخصية المناضل الهادئ مُعالجة بشفافية عالية وعادلة في سيناريو هاري كريج، وهناك تفاصيل مبنية بإنسانية جمة.
في أحد المشاهد وبعد استشهاد أحد جنوده تأتيه امرأة تسأله عن زوجها، فيقول لها: «إنه أحضر لها كتابه. وبدلاً من أن يعطيه لها ينادي ابنها الصغير ويضعه في يديه قائلاً ـ الآن أصبح كتابك قل لأمك أن تحفظه لك. وبالطبع فإن الكتاب هو القرآن، وبعد أن يعطي الطفل الصغير الكتاب لأمه تبدأ في البكاء على زوجها. أما عمر المختار فيطلب منها بلطف أن تتوقف شارحاً: «لا تدعيه يراكِ تبكين كثيراً. يوماً ما سيستمرون في القتال. نريد أن يذكرنا الأطفال أقوياء وواثقين»، ثم يمسك الطفل من يده ويسير معه نحو المعسكر، حيث يلتقي بأحد معاونيه. في هذا اللقاء يُخرج نظارته ليستطيع قراءة وثيقة، فيأخذ الطفل النظارة منه ويضعها على عينيه، فيبتسم الشيخ، ويقول مداعباً: هل أظهر بهذا المظهر وأنا أضع النظارة؟ ويستعيدها مؤكداً أنه لا يستطيع القراءة من دونها.
هذه النظارة ستكون من العناصر التي سترتبط بنهاية الفيلم وتضمينها في البناء له أبعاد تتجاوز مجرد إظهار المختار على أنه حنون مع الأطفال. إنها واحدة من الروابط الدرامية التي يستخدمها كاتب السيناريو في نسيج النص كرمز يسعى من خلاله لربط الأحداث ببعضها بعضاً بشكل هادئ من ناحية وبهدف خلق تأثير عميق على المُشاهد عندما يعود إليها في سياق آخر فيما بعد من ناحية ثانية.

طرح معتدل
كثيرون ممن كتبوا عن فيلم عمر المختار اتفقوا على أن الفيلم على الرغم من إنتاجه الذي يميل إلى شكل الفيلم الأميركي في آلية التنفيذ والعناصر المرتبطة به قد تخلص مع ذلك من معالجة البطل الأسطوري الأوحد ومن السقوط في مطب أن جميع من هم في القوات الإيطالية بالضرورة يجب أن يكونوا بلا إنسانية، وأن جميع الليبيين يجب أن يظهروا على أنهم معنيون بتحرير ليبيا من المستعمر.
لقد كان السيناريو معتدلاً في الطرح، فقد شاهدنا ليبيين متحالفين مع المستعمر، وشاهدنا جنوداً إيطاليين متعاطفين مع عمر المختار، مما جعل الفيلم يظهر بصورة واقعية يمكن تصديقها والتضامن معها.
والفيلم من الناحية الإخراجية قدم صياغة متوافقة من حيث الأسلوب الجمالي المتوازن من حيث الشكل، وتصويراً أميناً للوقائع التاريخية الحقيقية من ناحية المضمون.
ونجح في أن يتحول إلى وثيقة غير قابلة للنسيان عن المحارب والقائد الشيخ عمر المختار الذي التصق اسمه بوجدان المشاهد العربي داخل وخارج البلدان العربية، وأصبح رمزاً للفضيلة والشرف والشجاعة والنبل والعاطفة والكفاح والقناعة والنزاهة والرزانة، بفضل المعالجة الدقيقة والمدروسة سواء من كاتب النص أو من منتجه ومخرجه.
لقد شهد العالم في عام 1931 القرار الوحشي الذي اتخذه الجنرال غراتسياني بإعدام المختار أمام أعين أفراد شعبه، ليكون عبرة لهم، ولكسر كبريائهم وروحهم النضالية، بهدف إخافتهم وإخماد ثورتهم. ولكن بدلاً من ذلك ضجت الشعوب العربية في أرجاء متفرقة من الوطن العربي غاضبة ومحتجة على ذلك القرار الدموي. ولقد تحول موت المختار الذي كان قائداً للثورة الليبية داخل ليبيا إلى بطل قومي وشعار للعروبة والحرية والشرف العربي بشكل عام.
وبعد ما يقارب نصف قرن، تمكن العقاد من إعادة إحياء تلك الذاكرة الأليمة بأسلوب فني راقٍ إذ جعل المشاهدين في كل العالم يقفون على نضال شعب بأكمله، وقدم لهم تجسيداً بصرياً لما عايشه كل أولئك الشهداء قبل أن يُستشهدوا سواء في المعسكرات أو في ساحات الحرب، وأظهر الوحشية التي تعاملت بها القوات الإيطالية الفاشية مع الشعب الليبي.
ومثلما كانت استعادة ذكرى المختار حدثاً غير عادي في العالم العربي آنذاك، كان العمل بحد ذاته بمثابة انتصار لسينما وجهود العقاد الذي نجح في تقديم مشروع سينمائي يضاهي الأفلام الضخمة التي كانت تُنتجها هوليود من جهة، وفي تقديم معالجة إنسانية مؤثرة ومتوازنة عن الحدث من جهة ثانية.
وعلى الرغم من أن هناك العديد من الأفلام التي تم إنتاجها عن فكرة الاستشهاد والتضحية بالأرواح دفاعاً عن الأرض في عالمنا العربي؛ إلا أن هذا الفيلم بالذات ظل الأكثر انتشاراً على المستوى الدولي، والأكثر شعبية وحضوراً على المستوى العربي، بل إنه بقي حياً في الأذهان حتى يومنا هذا، منتزعاً رضى مختلف الأجيال التي تابعته.

بعد عالمي
الأسباب التي ساهمت في نجاح الفيلم، بالإضافة إلى أنه ركّز على شخصية استثنائية جليلة كالمختار؛ تتمثل أيضاً في المستوى العالمي للفيلم، حيث حافظ على المقاييس العالية للإنتاج من حيث الشكل والمضمون. فقد كانت التكلفة الإجمالية للفيلم 35 مليون دولار أميركي. وشارك فيه 250 ممثلاً جاؤوا من 15 دولة، شملت أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأستراليا ومالطا ومصر ولبنان وغيرها. ووصل عدد الممثلين المساعدين إلى 5000 ممثل، وكان في مشهد الشنق وحده عشرة آلاف ممثل.
أما المعدات الحربية من دبابات ومدرعات وأسلحة فقد تم تصنيعها خصيصاً للفيلم لتعكس مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ولقد تم شحن كل هذه المعدات إلى ليبيا بحراً، ومن ثم نقلها إلى الصحراء براً، حيث مواقع التصوير.
ومن أهم العوامل التي أعطت للفيلم بعداً عالمياً فاتناً هو الشخصيات التي لعبت الأدوار الرئيسة فيه، وعلى رأسهم الممثل الرائع أنطوني كوين، إلى جانب أوليفر ريد، وأيرين باباس ذات الوجه المتألم الذي يشبه وجوه النساء العربيات الحزينات، وغيرهم من الممثلين المهمين.
لكن بقي وجه الممثل الكبير أنطوني كوين مرتبطاً باسم عمر المختار المحارب الشيخ الذي لوّحت شموس السنوات سحنته وخضّبت شعره ولحيته بالبياض. وتحول نضال هذا الأخير وكأنه نضال خاضه كوين، الممثل غير العادي بشكل شخصي. في رأي الكثيرين استطاع كوين أن يجعل المشاهد يقع في حب شخصية عمر المختار، ويُعجب بخصاله، ويؤمن بقضيته، ويكون غير قادر على نسيانه أو التفريق بينه وبين شيخ الشهداء.
من المشاهد التي لا تغيب عن البال اللقاء الذي يجمع عمر المختار بالجنرال غراتسياني حين يسأله:
«كم يوم ستحتاجون لاستسلام رجالكم؟» فيجيب المختار:
«نحن لن نستسلم
ننتصر أو نموت
ولا تظن أنها النهاية
سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه
أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياة شانقي».
سنرى في ختام الفيلم عمر المختار يضع نظارته على عينيه، ويتناول كتابه، ويتنحى جانباً ليقرأ في قرآنه الصغير، وهو على منصة الإعدام أمام الجموع الغفيرة من أفراد شعبه الذين اجتمعوا ليودعوه، ومن بينهم الطفل الذي سبق وأن استشهد والده في أحد المعارك. ذلك الطفل نفسه الذي سار مع المختار يداً بيد إلى المعسكر ثم وضع نظارته على عينه من باب المشاكسة. إنه يقف بحزن الآن وهو ينتظر ما سيحدث لهذا الرمز العظيم. وبعد أن ينتهي عمر المختار من القراءة يتقدم نحو حبل المشنقة . يترك شانقه يضع الحبل حول رقبته، بينما يحرص على أن يمسك نظارته بيده حتى وإن كانت في القيد.
وحين يسقط جسده في الموت تسقط النظارة على منصة الإعدام. يُنزلون جثة الشهيد عمر المختار ويأخذونها في السيارة التي ستأخذها للدفن. في أثناء ذلك يصعد الطفل الصغير فوق المنصة، ويأخذ النظارة؛ الذكرى الوحيدة التي ستبقى من معلمه، والرمز الذي سيربط مصائرهم ببعضها بعضاً.
ومع هذه الخاتمة الحزينة يعود صوت المختار مجدداً مكرراً الجمل نفسها التي قالها للجنرال الإيطالي:
«نحن لن نستسلم
ننتصر أو نموت
ولا تظن أنها النهاية
سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه
أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياة شانقي».

مصطفى العقاد
في شهر نوفمبر من العام 2005، أي بعد أربعة وعشرين عاماً من إنجاز وثيقته البصرية عن عمر المختار، أجمل الشهداء العرب، يذهب المنتج والمخرج مصطفى العقاد ضحية انفجار يُعتقد أنه انتحاري في عمّان بالمملكة الأردنية الهاشمية في بهو الفندق الذي كان يقيم فيه. وكأن الأقدار تريد له أن يذهب هو أيضاً في طريق مشابه.
المحزن في الأمر أن المختار كان يحارب عدواً غازياً لا تربطه به عقيدة ولا جنسية، ولقد كان رحيله بناء على قرار استعماري مجحف. أما العقاد، فقد رحل بسبب استعمار جديد يدعي أنه ينتمي إلى نفس العقيدة والهوية العربية، إنه استعمار قائم على استلاب حرية العقيدة وحرية العيش بأمان وحرية التقدم نحو المستقبل بسلام وطمأنينة.
مؤلم أن يكون القاتل هو ذاته الذي كان أجداده يكافحون من أجل أن ينال حرية أكبر لحياة كريمة وشريفة خالية من العبودية واستلاب الحريات.
ومؤلم، لأنه يقتل بقرار مسبق ودراية وإصرار وبدم بارد جداً، ويدعي أن الله يكتب له الشهادة.
الشهداء لا يختبئون داخل الأحزمة الناسفة، بل يقفون بشجاعة في مواجهة الرصاص والمدرعات وحبال المشانق. وهؤلاء من تلهج الألسن بتضحياتهم وتعتز الشعوب بهم. وهؤلاء حين يظهرون على الشاشة البيضاء، فإنك لا تستطيع فعل شيء، إلا أن تحبهم وتمتن لأنهم جاؤوا إلى التاريخ ليصنعوا معجزاتهم فيه، وليجعلوا شعوبهم تشعر بالفخر تجاههم.
ذهب عمر المختار، وذهب مصطفى العقاد. اختلفت الأسباب وخيم الأسى في الحالتين.
سلاماً للشهداء في السينما والحياة.