الملحق الثقافي

الشهيد.. مَشْهداً

الفنان الكويتي سعد الفرج في لقطة من فيلم تورا بورا (أرشيفية)

الفنان الكويتي سعد الفرج في لقطة من فيلم تورا بورا (أرشيفية)

تطرقت السينما والدراما الإماراتية وكذلك الخليجية والعربية إلى مفهوم الشهادة استناداً لحكايا متواترة ومرويات شفهية وأرشيفات مدونة، كما وضعت مقاربات سردية ومشهدية مستمدة من أحداث تاريخية ما زالت محل رصد وسجال وتجاذبات مثل احتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، وأعمال أخرى كانت أشبه باستعادات لأحداث كبرى شكلت انعطافة في الوعي الشعبي وفي العلاقات الدولية مثل الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، وغزو الكويت بداية التسعينات، إضافة إلى حركات المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي في فلسطين وضد الاستعمار الخارجي في مصر وبلدان المغرب العربي وبالتحديد في الجزائر وليبيا، ضمن بانوراما بصرية وتوثيقية واسعة وتفصيلية استمدت من مآثر وقصص الشهداء وقوداً إبداعياً يحتفي بالصورة وبإمكاناتها الخصبة في التأثير والتنوير واسترجاع محطات مضيئة لبطولات وتضحيات هؤلاء الأبطال والشخصيات الاستثنائية، باكتمالات مشهدٍ متوّجٍ بالدم والدموع، وبالأمل أيضاً، أصلا ويقيناً.

تفاوت
تفاوتت الطبيعة الفنية للأعمال التلفزيونية والأشرطة السينمائية المقدمة في هذا السياق، حسب المعالجة البصرية والتوليف التخيلي والأسلوب الإخراجي لكل قصة على حدة، ولكل حدث يفرض شرطه الخاص على العمل المقترح، وجاءت الغلبة للأعمال الدرامية التلفزيوينة القادرة ضمن سلسلة متوالية أن تمنح التفصيلات والتشعبات السردية والنابعة من صلب الحكاية الأصلية، ما تستحقه من اهتمام والتفات في مساحة ممتدة تستوعب التصاعد في الحبكة وتحولات الشخصية والشروح والمقدمات والمآلات المفضية إلى ذروة الحدث في النسيج العام للقصة، وأتت بعدها الأفلام الروائية الطويلة ذات الأبعاد والدلالات الرمزية الخاصة، لتطرح قصص الشهداء بانتماء خالص لخطاب الصورة السينمائية ومدياتها المتعددة والمركّبة، بينما انحازت الأفلام الروائية القصيرة للكثافة والإيجاز في استدعاء صورة الشهيد بعيدا عن الهوامش السردية التي يمكن أن تشكل عبئاً بصرياً على هذه النوعية من الأفلام، أما الأعمال التسجيلية والأشرطة التوثيقية فاعتمدت على تكنيك مختلف يعتمد أساساً على الذاكرة الأرشيفية، كي تنطلق منها إلى أرض الواقع وتداعيات الحاضر واستلهام الأثر الروحي والوجداني في شهادات الشخوص الذين عاصروا هؤلاء المناضلين والأبطال، أو ارتبطوا بهم ذهنياً وعاطفياً.

أول شهيد
في العام 2000 قدم المخرج الإماراتي وليد الشحي بالتعاون مع مجموعة من المخرجين الشباب، في تجربتهم السينمائية الأولى، فيلماً روائياً قصيراً بعنوان «الشهيد» ، عرض ضمن تظاهرة أفلام من الإمارات بالمجمع الثقافي بأبوظبي، وتناول الشحي في الفيلم الظروف التي أدت إلى استشهاد العسكري سالم سهيل خميس الذي يعتبر أول شهيد في تاريخ دولة الإمارات، حيث كان مكلفاً حراسة المركز الأمني في جزيرة طنب الكبرى على الساحل المقابل لإمارة رأس الخيمة، فاستشهد على يد قوات الجيش الإمبراطوري الإيراني، بعد احتلالها الجزيرة في 30 نوفمبر من العام 1971، ليتحول هذا اليوم وبتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، إلى مناسبة سنوية، وإلى يوم رسمي لكل شهداء الإمارات.
رصد فيلم الشحي ــ رغم الإمكانات الفنية المتواضعة في بدايات الحركة السينمائية المحلية ــ حادثة استشهاد سالم سهيل بخلفياتها وتداعياتها في شريط زمني لم يتعد العشرين دقيقة، ضمن احتفالية خاصة أقيمت في رأس الخيمة ذلك العام حول الجزر الإماراتية، وقد طغت الحادثة بأبعادها الوطنية على الجو العام للفيلم، ولم تكن الخبرة المهنية والتقنيات العالية متوافرة لدى صناع الفيلم في تجربتهم السينمائية المبكرة تلك، ورغم ذلك فإن إلقاء الضوء على تلك الحادثة وبمحتوى تعبيري جديد اعتبر وقتها شكلا لافتاً من أشكال التعاطي مع مفهوم الشهادة بقيمتها الوجدانية والإنسانية العالية.
شارك في كتابة فيلم»الشهيد» الشاعر والقاص أحمد العسم وساهم في عمليات الإخراج والإنتاج كل من: ناصر اليعقوبي ومحمد المكي، بينما شارك في تجسيد الشخصيات الرئيسية الفنانان: محمد الدرّة وبلال غانم.
وفي العام 2001 قدم المخرج ناصر اليعقوبي فيلماً وثائقياً قصيراً مدته عشرين دقيقة، تناول فيه ذات الموضوع المتعلّق بالشهيد سالم سهيل ولكن من خلال معالجة مختلفة اعتمدت على نص أدبي وتنويعات لغوية مرهفة كتبها الشاعر والأديب عبدالله السبب، بحيث توجهت كاميرا اليعقوبي لاقتناص ما تسرّب في الزمن من لحظات منسيّة، وتفاصيل غائبة، استعادها اليعقوبي من خلال لقاءات مع أشخاص عاصروا تلك المرحلة، وكان بعضهم شهود عيان على الحادثة ومنهم أشقاء الشهيد سالم ــ صاحب الرقم العسكري 190 ــ ، ويذهب الفيلم إلى الأمكنة والمعالم المتوارية في ذاكرة أقارب الشهيد، وفي حكايات الأهالي وكبار السن الذين سكنوا جزيرة طنب الكبرى فترة السبعينات وما قبلها، كما تضمن الفيلم أقوالا ومشاهد مصورة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وصوراً أرشيفية للجزر الإماراتية الثلاث، وتناوبت في الفيلم المساحة الافتراضية للنص الشعري مع المساحة التسجيلية وهي تصف تفاصيل الهجوم على جزيرة طنب الكبرى، ونتائجه المؤلمة التي انتهت باستشهاد العسكري سالم، وهجرة الأهالي إلى رأس الخيمة، وحرمانهم من تفاصيل حياة بسيطة ومبهجة، مازالت عالقة في أذهان كبار السن إلى الآن.

مكان في القلب
وفي العام 1996 قدم الإعلامي والمخرج محمد نجيب بعد إنهائه دراسة فنون السينما في أميركا، فيلماً روائياً طويلا بعنوان : «مكان في القلب» مستعيداً من خلاله يوميات وقصص المتطوعين في الخدمة الوطنية إبّان غزو الجيش العراقي لدولة الكويت في صيف العام 1990، وتناول في الفيلم قصة الشاب محمد ــ قام بدوره الممثل محمد العامري ــ الذي يلتحق بنداء الوطن استعداداً لأي طارئ في تلك الظروف السياسية الصعبة والمتقلّبة، ويبدي المتطوع الجديد في الأيام الأولى من الخدمة ضيقه وعدم تكيفه مع الحياة العسكرية، ويعود إلى أسرته، حيث يجد رفضاً من الجميع وخصوصاً خطيبته ــ قامت بدورها الفنانة سميرة أحمد ــ الأمر الذي يدفعه في النهاية إلى العودة والانضمام إلى المعسكر وتغيير الصورة السلبية التي أحاطته ولحقت به كوصمة عار، ومن خلال ارتحالات بصرية بين الأحلام والكوابيس والمخاوف والآمال، والتطلع للشهادة والتضحية من أجل الوطن، يبذل محمد جهداً كبيراً لتغيير تلك الصورة السلبية، واستطاع أن ينال إعجاب الضباط الذين أشرفوا على تدريبه، وحاز المركز الأول على دفعته، وفي المشاهد الأخيرة يستعين المخرج محمد نجيب بلقطة أرشيفية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وهو يزور المتطوعين في الخدمة الوطنية، مشيداً بهم ومتأثراً بغيرتهم ووفائهم لبلدهم وقادتهم.
شارك في تجسيد شخصيات فيلم «مكان في القلب» مجموعة كبيرة من الممثلين الشباب والمخضرمين في تلك الفترة ونذكر منهم : سلطان النيادي، وسعيد سالم، وإبراهيم بوخليف، وموزة المزروعي وخالد سبيل وعلي النابودة.

عذابات خلف الجدران
وفي سياق متصل مع مفهومي التضحية والشهادة ومقاومة الغزاة والمحتلين قدم المخرج الإماراتي سعيد سالمين المري في العام 2003 فيلماً روائياً قصيراً بعنوان: «جدران» استناداً إلى نص مشترك بين المخرج والكاتب طلال محمود، وتناول الفيلم قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وظروف التعذيب ومشاعر القهر والاستلاب التي يمرون بها يومياً، من خلال الممارسات الوحشية للسجّان والجلاّد الإسرائيلي، ويصوّر الفيلم الذي شارك به عدد من الممثلين الواعدين بجانب الممثل والإعلامي محمد غباشي، أنماط المقاومة الذاتية التي يبديها الأسير الفلسطيني بشجاعة متأصلة فيه ولا يمكن هزيمتها، لأن الرغبة في اقتحام درب الشهادة لدى هذا الأسير ستكون دوماً هي الراية والإشارة التي يستدل بها الشعب الفلسطيني على ثمار الخلاص والانتصار وصلابة العزيمة الداخلية المتوثّبة، وغير القابلة للانكسار.

حبيب الأرض
وعلى مستوى الأفلام الخليجية، قدم المخرج الكويتي الشاب رمضان خسروه، قبل عدة أشهر، فيلماً روائياً طويلا بعنوان : «حبيب الأرض» اقتبس فيه مناخات العشق والألم، والمحبة والجرح، وكل المشاعر المتضادة والمتداخلة التي خبرها الشاعر الكويتي الشهيد :»فائق عبدالجليل» أثناء الغزو العراقي لبلادة بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث اقتيد أسيراً إلى العراق، وظل سر اختفائه غامضاً، حتى عثر على رفاته بعد سنوات طويلة في مقبرة جماعية، يعبر الفيلم بتكوينه المحتشد جمالياً، على ضفاف واقعية وأخرى تختزل مقولاتها في صور مكثفة وبتنويعات وبدائل مشهدية تعكس مدى ارتباط الشهيد فائق عبدالجليل بأرضه وتجذّره في ذاكرتها الشعبية وسواحلها الخصبة والمكتظة بالقصائد والمواويل، وبتلك الأغاني التي كتبها عبدالجليل لكبار المطربين في الكويت قبل الغزو، بالإضافة إلى الأوبريتات التلفزيونية والمناسبات الوطنية التي شارك بها، ويرتحل الفيلم نحو العذابات التي عاشها الشهيد بعد اعتقاله وبعد انتزاعه قسراً من الأرض التي ذابت فيها طفولته، وتوزّعت على رمالها روحه وأشعاره وكلماته، خالداً بحضوره تحت ظلالها، ومتمازجاً مع سحرها العصيّ على الوصف.
استوحى المخرج رمضان خسروه البنية الروائية الأهم في الفيلم اعتمادا على الإرث الفني والإبداعي الهائل الذي تركه الشهيد فاق عبدالجليل رغم استشهاده في سن مبكرة، وشكلت القصائد الملهمة التي كتبها بالعامية والفصحي رصيداً مهماً في تناول الجوانب الذاتية وغير المطروقة لهذه الشخصية المحبوبة من قبل الكويتيين ومن أهل الخليج عموماً وخصوصاً النخبة الفنية والثقافية منها، وانطلاقاً من الخيوط الذاتية والظروف الخارجية التي سبقت وتلت الغزو العراقي، نسج المخرج بالتعاون مع الكاتب والسيناريست «رازي الشطّي»الملامح العامة لسيناريو الفيلم والذي لاقى صدى واسعاً وإيجابياً في الصالات السينمائية بالمنطقة، ليس بسبب أهميته كشريط توثيقي لذاكرة مغيبة بالنسبة للأجيال الجديدة، ولكن لتمتعه بقدر عال من الصدق والإغواء البصري والإيقاع الشعري المتناغم مع اللغة السينمائية الرصينة، بتجليّاتها واختراقها للسائد الفني في المنطقة والذي يهمل المستويات العميقة للسرد البصري، ويتجه نحو التفاصيل العامة ونحو الخطاب المباشر عموما.
قام بأداء دور فائق عبدالجليل في الفيلم الممثل فيصل العميري، الذي قدم دوراً متميزاً ومتماهياً مع منطلقات ودوافع وردات فعل الشخصية الرئيسية، أما المخرج خسروه فقد استند إلى كل ما كتبه الشهيد واطلع على أرشيفه الشخصي ومذكراته واصفاً إيّاها بالمذكرات التي تفوح منها أفكار الشاعر وثقافته العميقة، وبالتالي فهو وضع أمامه تصوراً عاماً لشخصية ثقافية بارزة، عاشت وعاينت الفترة الأكثر حضوراً والأكثر خطورة أيضاً في التاريخ المعاصر للمنطقة، متنقلا بين الواقعية تارة وبين الرمزية تارة أخرى حتى لا تبتعد الذاكرة المحايدة للحدث، عن شغف الفن، وعن تأويلاته المتعددة الأنساق ضمن فضاء حرّ من التجريب والبحث التنويع في الكادرات واللقطات وزوايا التصوير.

فائق عبدالجليل
فائق محمد علي العياضي، شاعر كويتي أصدر العديد من الدواوين الشعرية بالعامية والفصحى.. وغنى له كبار المطربين في العالم العربي.
أما اسم الشهرة «فائق عبد الجليل» فهو نسبة إلى خالده الذي رباه واعتنى به وتولى رعايته.
ولد في الكويت 1948. بدأ حياته رساماً ثم اتجه لكتابة الشعر، واكتسب شهرة واسعة ومكانة مرموقة.
اعتقل خلال الغزو العراقي للكويت العام 1990 من قبل القوات العراقية، وانقطعت أخبارة 15 سنة، ثم عثر على رفاته في مقبرة جماعية للأسرى الكويتيين في العراق العام 2006.

مسلسلات وأفلام
من أبرز الأعمال التلفزيونية الكويتية التي ناقشت مفهوم الشهادة مسلسل «ساهر الليل» وخصوصاً في الجزء الثالث منه. و«ساهر الليل» من إخراج محمد دحام الشمري، وتأليف فهد العليوة. ومسلسل «جرح السنين» من إخراج خالد النبهان، وتأليف سائد الهواري، ومسلسل «زمن الغدر»، إضافة إلى عدد من الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة التي نفذها مخرجون كويتيون ومنهم وليد العوضي الذي أخرج أفلاماً تتفاعل قصصها في مدارات الحروب والأزمات الإنسانية وصور الشهداء والأبرياء التي عصفت بهم تلك الحروب المأساوية، ومنها : «لحظة من الزمن» و «سدرة» و»تورا بورا» والفيلم الأخير من بطولة الممثل الكبير سعد الفرج ويتناول قصة أب وأم يسافران إلى أفغانستان للبحث عن ابنهما المنضم إلى الجماعات المتطرفة هناك.




أول شهيد إماراتي
* سالم سهيل بن خميس.
* أول شهيد في تاريخ الإمارات المعاصر.
* عسكري أول في حامية جزيرة طنب الكبرى.
* توفي وهو يدافع عن الجزيرة التي احتلتها القوات الإيرانية في 30 نوفمبر 1971.