الملحق الثقافي

الشهادة.. كما تراها الشاشة

الشهيد هو من كان يؤمن إيماناً راسخاً وعميقاً بعقيدة أو مبدأ أو قضية، دينية أو وطنية، ويهب نفسه فداءً لها، ودفاعاً عما يؤمن به. هو يدرك أنه اختار، بملء إرادته ورغبته، ومن غير إكراه أو ضغط، درباً شديد الوعورة، محفوفاً بالمخاطر والمجازفات، يسلكه وحيداً غالباً، أو مع نفر قليل أحياناً. وهذا الدرب يخشى أو يتردد الكثيرون من السير فيه، ولا يسلكه إلا من آمن بصدق وغرس في قلبه بذور الشجاعة والجسارة. وهو لا يفعل ذلك ابتغاء جاه أو مال أو سلطان أو نفوذ أو شهرة أو مجد، بل يفعل ذلك في سبيل الله أو الوطن أو الحرية، بعيداً عن أي إغراء.

الشهيد، في معظم الأحيان، يعرف أنه لن يموت منسياً، مهمَلاً، مجهولاً بل خالداً في ذاكرة وضمائر الأحياء من رفاقه ومعارفه والناس، حياً في وجدان شعبه وأمّته، عارفاً بأن دماءه سوف لن تسفك وتراق هدراً أو عبثاً، وأنه سيكون القدوة والنموذج القابل للاحتذاء، للاستلهام، لبث روح الحماسة والجسارة والعزيمة في قلوب أشباهه من المؤمنين، وأنه سيكون النور الذي يضيء ويهدي.
يعلم أن مصيره الموت، لكنه لا يتراجع ولا يستسلم. قد يضعف، وقد يعتريه شيء من الخوف واليأس عندما ينحرف قليلاً عن مجرى هدفه، إلا أنه سرعان ما يتحرر من الضغوط، ويتغلب على تردده ويأسه، ويعود إلى الطريق المحفوف بالمخاطر. لا يهادن ولا يساوم ولا يتنازل. يتسلّح بإيمانه وعزيمته وطاقة الصبر والشكيمة، ثم يمضي ليعانق موته. وإذا كان يرغب في الشهادة فذلك ليس حباً في الموت، ولكن دفاعاً عن الحياة.

ليس خارقاً و.. لكن!
الشهيد، إذن، ليس كائناً بطولياً،خارقاً.. إنما هو إنسان كغيره من البشر، له نواقصه وشوائبه، يغلّفه الغموض والالتباس، ويمرّ بلحظات ضعف وانكسار عندما يصل الضغط إلى مداه، ويبلغ الألم ذروته. بسبب رفضه التخلي عن عقيدته، إيمانه، مبادئه، فإنه يتعرض للاضطهاد، للقمع، للاعتقال، للتعذيب، للموت.
الشهادة مفهوم مألوف في تاريخ الدين، المسيح يعتبر أول وأعظم شهيد، والمسيحيون الأوائل تعرضوا للملاحقة والاضطهاد والبطش بسبب تمسكهم بدين جديد، بعقيدة تتعارض مع العقيدة القائمة والسائدة. كذلك في التاريخ الإسلامي، لقي المؤمنون الأوائل شتى صنوف التنكيل والتعذيب، والكثيرون منهم ماتوا شهداء في سبيل الدفاع عن إيمانهم.
الشهادة كانت من الموضوعات الأثيرة والغنية التي تناولتها السينما العالمية عبر أفلام تنتمي إلى النوع الديني أو السياسي، ولعل من أشهر الشخصيات التي جسدت الشهادة: جان دارك.. التي هي من نسج التاريخ والأسطورة، الواقع والمخيلة.

جان دارك.. السينمائية
هناك العديد من الحكايات التاريخية والروايات والمسرحيات والأوبرات والرسومات عن شخصية جان دارك.. التي كانت دوماً موضع افتتان وخلاف وجدل، نظراً لغموض شخصيتها، خصوصاً بالنسبة للكنيسة التي اتهمتها بالهرطقة ثم تراجعت وأعادت إليها الاعتبار في 1920.
سينمائياً، قصة جان دارك قدمت لأول مرة على الشاشة أيام السينما الصامتة، في العام 1898، في فيلم بعنوان «إعدام جان دارك» والذي يختزل ويكثف في بضع دقائق محاكمة جان دارك وإعدامها. بعد هذا الفيلم أنتجت السينما العالمية عدداً من الأفلام التي تتناول هذه الشخصية.. نذكر منها فيلم الدانمركي كارل دراير «آلام جان دارك» 1927 (الذي يعد من كلاسيكيات السينما) وفيلم الأميركي فيكتور فلمنج «جان دارك» 1948 مع انجريد بيرجمان (التي مثلت الدور نفسه في فيلم الإيطالي روبرتو روسيلليني «جان دارك والموت حرقاً» 1954 وفيلم الأميركي أوتو بريمنجر «القديسة جان» 1957 (المعد عن مسرحية جورج برنارد شو) وفيلم الفرنسي روبير بريسون «محاكمة جان دارك» 1962 وفيلم الأميركي ستيفن هيريك «مغامرة بيل وتيد الممتازة» 1988 وفيلم الفرنسي جاك ريفيت Jeanne La Pucelle 1994.. الذي ينقسم إلى جزءين: المعارك، السجون.. ويتخذ منحى وثائقياً، وفيه تظهر جان كفتاة مفعمة بالشك والخوف قبل أن تتحول إلى قديسة.
أما المخرج الفرنسي لوك بيسون في فيلمه «الرسولة» (1999) فقد أحجم عن إظهارها كلغز أو كشخصية غامضة، إنما صوّرها كفتاة مراهقة تقودها أصوات سماوية خارقة غامضة.
في فيلمه الصامت «آلام جان دارك» The Passion of Joan of Arc (1928) يُظهر كارل دراير القوى الفاعلة في تحديد مصير جان دارك: الغزاة الإنجليز، العرش الفرنسي المتخاذل، الكنيسة الفرنسية، الشعب المراقب عن بعد لكن الذي يتماهى معها بعد إعدامها ويثور مانحاً شهادتها غايات وأبعاداً سياسية.
من خلال هذه القصة، يقدّم دراير شحنات مكثفة من الطاقة العاطفية. جان تحب الحياة. هي تقرر أن توقّع على اعترافها بالتهم الموجهة إليها لأنها تريد أن تعيش، أن تبقى في هذا العالم الذي تحبه. هي لا تتوق إلى الموت. لكن حين تعتقد بأنها - عبر الاعتراف - سوف تخون قيمها الدينية، تتراجع وتقبل أن تموت.
قبيل حرقها، تتأمل بعين طافحة بالحزن وجوه الحشود التي تحيط بها لتشهد موتها. تشعر نحوهم بالأسى والألم، وتشفق عليهم من المصير البائس. هي لا تكرههم بسبب حضورهم للتفرج على موتها. وجهها الملائكي يفصح عن حقيقة كانت غائبة عنهم: على المرء أن يعيش حياته متخطياً حضوره المادي على وجه الأرض. على المرء أن يعزّز الوحدة بين ذاته والآخرين لجعل العالم مكاناً أفضل للعيش فيه. وجان دارك تدرك، قبل أن تحترق، بأنها اختارت الطريق الصحيح.
أما روبير بريسون، في إخراجه لفيلمه «محاكمة جان دارك»، فإنه مثل كارل دراير يستمد مصادر مادته من الوثائق التاريخية وسجلات التحقيق ومحاضر المحاكمة التي عثر عليها في أقبية الكنيسة. وعبر هذه الوثائق، التي تعود إلى القرن الخامس عشر، أراد بريسون أن يحرز - على حد تعبيره - «الحقيقة اللاتاريخية باستخدام كلمات تاريخية».
بريسون في فيلمه يؤكد على عزلة جان دارك، شكوكها، تأرجحها بين الشك واليقين، ضياعها في خضم الهجوم الكاسح والوحشي الذي يشنه المحيطون بها من أجل كسرها وإذلالها وإخضاعها. إنها تصلي سراً للحصول على أفضل الأجوبة من أجل تقديمها رداً على أسئلة المحققين، لكي تمثّل الله أجمل وأفضل تمثيل. الفيلم لا يظهرها كإنسانة خارقة أو كقديسة، بل إنها لا تنشد الشهادة. إن بريسون يرصد الشخصية من الخارج، كما يصرّ على عدم إعطاء الشعب دوراً (مثلما فعل دراير)، مركزاً بؤرته على الفتاة ومصيرها.
هنا كل شيء موضع ارتياب واستجواب من قِبل المحققين والحراس ورجال الكنيسة: عذريتها، ملابسها الذكورية، إيمانها، تاريخها، طفولتها، رؤاها، ادعاءاتها بالاتصال بالرب عبر الأصوات السماوية، دوافعها السياسية.
إنهم بذلك يحاولون تحطيم كبرياءها وإضعاف مقاومتها بالتعامل معها بقسوة وازدراء وغضب واشمئزاز وسخرية واستهزاء. إن عجزهم عن تحطيم إرادتها يجعلهم يفرطون في محاولة إذلالها، وانتهاك خصوصيتها وعزلتها بالتلصص المستمر عليها، إضافة إلى التهديد بتعريضها للتعذيب الجسدي واغتصابها في سبيل انتزاع اعترافها بالهرطقة والشعوذة والسحر.
إنها تتفاعل مع ضروب الاستجواب العدواني على نحو عاطفي وروحاني. يسألونها عما تتوقعه من هذا المسعى، تجيب: خلاص الروح.. معتبرة الشهادة أعظم انتصاراتها.
هي لا تنظر إلى المحققين بوصفهم بيادق سياسية أو مخلوقات شيطانية فحسب، بل أيضاً تعتبرهم ممثلين للعالم الآخر، رُسُل الشيطان، الذين جاءوا ليمتحنوها وليمارسوا ضدها شتى صنوف التعذيب.

اختراع الشهادة
مقابل هذا النوع الصادق من الشهادة، ثمة نوع زائف من الشهادة، إذ يتم صنع الشهيد، اختراعه، عبر التلاعب بالوقائع وتزييف الحوادث، وذلك لتحقيق غايات سياسية. ونجد هذا النموذج في فيلم الإيطالي برناردو برتولوتشي «خدعة العنكبوت» The Spider›s Stratagem (1970)، المبني على قصة قصيرة كتبها خورخي لويس بورخيس بعنوان «موضوع عن الخائن والبطل»، تدور في أيرلندا العام 1824، ويمكن أن تدور - كما قال بورخيس - في «أي بلاد مقموعة وقادرة على التذكّر».
العمل يتمحور حول شخصية رجل هو خائن وبطل في آن. هذا المعادي للفاشية يخون رفاقه، وعندما تتكشّف خيانته، يطلب من رفاقه أن يقتلوه بحيث يبدو الأمر اغتيالاً مدبراً من قبل الفاشيين. هو يفعل ذلك لأنه يظن أن موته شهيداً سوف يخدم القضية أكثر.
برتولوتشي جعل الأحداث تدور في بلدة صغيرة بإيطاليا. الشخصية الرئيسية شاب يعود إلى بلدته ويتحرّى جريمة قتل أبيه قبل ثلاثين سنة، والذي ربما قتله الفاشيون كما يشاع أو قد يكون خائناً للقضية المضادة للفاشية فقتله زملاؤه في المقاومة، وحتى تتكشف الحقيقة يظل الأب الراحل في موضع التوقير والتبجيل عند أهالي البلدة بوصفه بطلاً وشهيداً معادياً للفاشيين، لذلك فإن الغموض الذي يحيط بتفاصيل موته من الصعب، بل من الخطورة، اختراقه.
في النهاية، تتضح له الحقيقة: إذ يكتشف أن أباه، في الواقع، قد خان رفاقه والقضية – في لحظة ضعف - وأفشى بالمؤامرة المخطط لها لاغتيال الزعيم موسوليني في 1936، أثناء زيارته للبلدة. هذا ما يعترف به رفاق أبيه، المتقدمين في السن، حين يتم اللقاء بهم في دار الأوبرا، كما يذكرون له عن الاتفاق الذي عقده أبوه معهم: أن ينال عقابه على خيانته لكن دون تلويث القضية وإفقادها نقاءها وبريقها أمام المؤمنين بها، أي أن يعدم جزاء فعلته لكن دون إفشاء السبب، بل يجب أن يبدو الأمر كما لو أن الفاشيين هم الذين قاموا باغتياله. وهم لسنوات طويلة أخفوا الحقيقة، ليبقى أبوه بطلاً شهيداً في نظر أهالي البلدة.
في الفيلم كما في القصة، الابن لا يفشي السر، لا يكشف الحقيقة لأحد.. ربما لأن صورة الأب تظل قوية ومهيمنة إلى درجة تجعله يعجز عن كشف حقيقتها، عن تحطيمها، عن التحرّر منها.

جان دارك
جان دارك (1412- 1431) فتاة عذراء فرنسية، قروية وأميّة. عاشت في دومريمي، الواقعة في الشمال الفرنسي. عندما بلغت الثامنة، تعرضت قريتها لاجتياح القوات الإنجليزية الضارية التي ارتكبت أفعالاً شنيعة من القتل والسلب والاغتصاب.
تشبعت منذ طفولتها بالقيم والتعاليم الدينية. بعد عشر سنوات من التنشئة الدينية الصارمة، تختبر جان ظاهرة غريبة: إذ يتكرر سماعها لأصوات سماوية، تخاطبها مباشرة وتطلب منها أن تطرد الغزاة الإنجليز من فرنسا وتعيد عرش فرنسا إلى ولي العهد المخلوع شارل.
هي تقول إنها وُلدت لتنقذ فرنسا، وأن هذه الرسالة تلقتها من الله. لكن لا أحد يصدقها. مع ذلك، تذهب لزيارة ولي العهد، وتنجح في إقناعه بأن يمدّها بجيش صغير تقوده لمحاربة الإنجليز. وبالفعل تتمكن من الانتصار على عدو يفوقها عدداً وعتاداً، وتنجح في تحرير مدينة أورليان، وتحقق انتصارات أخرى، من أهمها تتويج شارل ملكاً في 1429. لم تكتف بذلك بل أرادت طرد الإنجليز من كامل الأراضي الفرنسية لكن الملك يتخلى عنها ويفضل التفاوض.
تقع في أسر القوات البورجوندية (الفرنسيين المتواطئين مع الإنجليز)، ويسلمونها للإنجليز مقابل مكافأة مجزية. ترفض السلطات أن تصدق بأن فتاة أميّة ساذجة هزمت جيوشهم إلا إذا كانت ساحرة ومشعوذة.
الكنيسة تحاكمها بتهمة الهرطقة فيحكم عليها بالموت حرقاً بتهمة ممارسة السحر. بعد ثلاثين سنة من موتها حكم البابا ببراءتها، واعتبرت قدّيسة.

الشهيد، في معظم الأحيان، يعرف أنه لن يموت منسياً، مهمَلاً، مجهولاً بل خالد في ذاكرة وضمائر الأحياء من رفاقه ومعارفه والناس، حياً في وجدان شعبه وأمّته، عارفاً بأن دماءه سوف لن تسفك وتراق هدراً أو عبثاً، وأنه سيكون القدوة والنموذج القابل للاحتذاء، للاستلهام، لبث روح الحماسة والجسارة والعزيمة في قلوب أشباهه من المؤمنين، وأنه سيكون النور الذي يضيء ويهدي.