الملحق الثقافي

باريس.. إنهم يحبّون الحياة

كان شهداء الباتكلان مجرّد متفرّجين ولا أحد منهم كان يمثّل أيّ خطر على أيّ أحد (أ.ف.ب)

كان شهداء الباتكلان مجرّد متفرّجين ولا أحد منهم كان يمثّل أيّ خطر على أيّ أحد (أ.ف.ب)

هو ذا شهر نوفمبر الحزين الذي نحن على أعتابه لا نزال معلّقين، إنّه شهر الضحايا والشهداء بامتياز مرير: من ضحايا طائرة سيناء إلى شهداء برج البراجنة في بيروت، إلى ضحايا مركز التراث والفنون في باريس. والقائمة تطول..لا ندري أين ومتى سينتهي مسرح القساوة هذا الذي نحن فيه مسجونون. لولب داعر يبتلع الجميع عربيّا كان أم غربيّا..لا مشاحة في الهويّات فالدماء لا توقيع لها غير لون الأبرياء.

لماذا يستثمر العالم هذه الأيّام في فلاحة الموت وفي قطف الرؤوس التي لم تكن لتينع يوما إلاّ من أجل الحياة؟ ها نحن قد صرنا نعدّ الضحايا كما لو كان ذلك هو آخر ما تبقّى لنا من أشكال الشهادة. الشهادة ها هنا بالكتابة على ما يحدث من فظاعة المشهد. هو شهر نوفمبر الذي نحن فيه مصطفّون في طوابير مكفهرّة، بقامات قلقة وبأيادٍ مرتعشة وبمواعيد حزينة مع رائحة الموت التي لا أحد يعرف أين ستنشر أدخنتها البائسة وفي أيّة لحظة سوف تقتحم علينا دماؤنا الصغيرة وبيوتاتنا الهزيلة. هل نقول كما قال الفيلسوف الألماني منذ أكثر من قرنين من الزمن أنّ «التاريخ البشريّ إنّما هو نسيج من الجنون والخبث والتعطّش إلى الخراب» وأنّ «الإنسان إنّما قد قُدّ من خشب هو من الاعوجاج إلى حدّ لا نستطيع فيه أن نصنع منه أيّ شيء مستقيم»؟ أم نقول مع الفيلسوف الإنجليزيّ هوبز: «إنّ غريزة القتل هي أكثر الغرائز طبيعيّة فينا» و«إنّ الإنسان ذئب للإنسان»، ونسلّم وفق ذلك رؤوسنا لأقرب فرصة قتل إرهابيّة كما لو كُنّا أغناما، من أجل أن تينع فلاحة العدم؟ أم نقول مع حنّا آرندت أنّ «الشرّ صار مبتذلا» وأنّ الموت نفسه لم تعد له أيّة حرمة فكلّ الأرواح حينئذ صارت مستباحة؟ وأنّا لم نعد ذاك «الإنسان العاقل» ولا ذاك «الإنسان الصانع» بل نحن بالأحرى قد صرنا «الإنسان المهدور دمه» حيثما حلّ؟ كلّ أسئلتنا صارت مقلقة إلى حدّ الفزع. لكن ثمّة دوما أسئلة لا تزال تعتمل في صمت في كواليس أسئلتنا المغلوطة أو المنهوكة أو المزيّفة أو الكاذبة. وثمّة خيبات أمل داخل هذه الأسئلة التي ترجّ أوهامنا وتزلزل فينا خيباتنا وعقولنا المنهوكة في عالم ينحدر. هل قدرنا أن نكون إمّا شهداء أو إرهابيّين؟ وأيّة سرديّة هذه التي تكتبنا بين قتيل وقتيل؟ لماذا يأبى القاتل في عالم الأحزمة الناسفة إلاّ أن يموت مع آخرين؟ أم أنّ الموت نفسه لم يعد حقّا لأحد. حذار أيّها المواطن المعولم أنت في عالم لا تموت فيه بل أنت تُقتل.. وروحك لم تعد ملكك وحدك، بل هي مستباحة من طرف الإرهاب العالمي حيثما أنت..عالِما كنت أم مقاوما أم راعيا للأغنام في ريف حزين..

الشهيد والإرهابي؟
من هو الشهيد حينئذ؟ هل هو ذاك الذي شهد على قتله بأُمّ عينه؟ أم ذاك الذي جاء يشهد على حياته فقُتِل لأنّ قاتلا ما أراد ألاّ يموت وحيدا؟ إنّ الشهيد في لسان العرب إنّما هو مفهوم واسع حليم كما لو كان في كرم العبارة عزاء للمقتولين: فهو المطعون والمبطون وهو الحريق والغريق وصاحب الطاعون وصاحب ذات الجنب والمرأة التي تموت بالنفاس والمرأة التي تموت عذراء والمقتول دون ماله والمقتول دون دينه ودون أهله أو دمه وموت الغربة والميّت مرضا. وطالب العلم شهيد والمقتول صبرا شهيد وقائل كلمة الحقّ للحاكم شهيد..فكلّ مقتول بمظلمة، إنّما هو شهيد بالنسبة إلى لغة الضاد كما لو أنّها ترغب في إنصاف القتلى الأبرياء بشاعة الدلالة وبوفرة العبارة.
وفي الحقيقة لا يمكن أن نسأل عن الشهيد، في هذه الأيّام الحالكة، لماذا قد استشهد سبهللة ولماذا يُقتل الأبرياء في كلّ مكان، دون أن نسأل أيضا عن الإرهابيّ من يكون؟ ومن صنع هذه الماكينات البشريّة الصالحة للقتل في أيّة لحظة؟ من يكون هذا الإرهابيّ ؟ شيطان معاصر؟ أم مسخ قديم؟ هل هو ابن الآلهة أم سليل البشر؟ أم هو ابن الحداثة والعولمة وماكينة الإمبريالية العالمية التي حوّلت الجميع بدُولِها وشعوبها إلى حوانيت ومختبرات وورشات هائلة للتحكّم بالعالم؟ وهذه الأجساد المتفجّرة، هذه القنابل الموقوتة، هي أجساد من؟ وأين وجوهها؟ ومن صمّم أحزمتها الناسفة؟ ولماذا لا تريد هذه الأجساد أن تموت وحيدة؟ بعض الأسئلة أيضا ستبقى وحيدة لأنّها على حقّ إلى حدّ فظيع..
إنّ السؤال عن الشهداء اليوم يختلف عن السؤال عن شهداء الأمس. بالأمس كان الشهيد يُقتل لفكره أو لدينه أو لعلمه أو لسلطانه. لكن الشهيد اليوم يُقتل فقط لمجرّد الحياة. الحياة العارية في هشاشتها وتوتّر إيقاعها، وكآبة أيّامها ورتابة أحلامها. لقد غيّر الشهيد إذن من عنوانه: لم يعد شهيدا للوطن كما في أدب المقاومة ولا شهيدا لفكره أو علمه أو فنّه، بل صار الشهيد شهيدا للحياة، مجرّد الحياة، شهيدا للأغنيات، مجرّد أغنيات..

دماء باريس
13 نوفمبر 2015 هو يوم لا يشبه الأيّام الأخرى التي نستيقظ فيها عند شروق الشمس ونلجأ فيها إلى بيوتنا عند مغيبها. إنّه يوم لشهداء آخرين يلتحقون بشهداء سابقين جرفتهم أيّام سابقة إلى حتفهم الأخير، يوم أشرقت فيه شمس حزينة وغربت فيه أرواح بريئة تُضاف إلى قائمة أرواح أخرى قُتلت غدرا في يوم آخر. ولئن كان شهداء قاعة الباتكلان في قلب جادّة فولتير، شبيهين إذن بكلّ الشهداء الآخرين، من حيث إنّ الجميع قد قُتل ظلما وهدرا واعتباطا دون أيّ ذنب اقترفوه: شهداء فلسطين والجزائر وسوريا والعراق وبيروت وسيناء واليمن وليبيا وتونس.. وكلّ الذين يسقطون أطفالا وشبابا، نساء وشيوخا، قتلى في عقر دارهم وفي قلب أوطانهم التي فشلت دولُها في حمايتهم.. فإنّ شهداء الباتكلان مثل شهداء متحف باردو الذين قُتلوا بنفس الطريقة في مارس الماضي، إنّما ينتمون إلى صنف خاصّ من الشهداء: هم شهداء الفنّ وهم شهداء الحياة وإنّهم لعمري كُثُرُ. فعدد الشعراء والكتّاب والموسيقيين والرسّامين والكاريكاتوريين والسينمائيين الذين قُتلوا من أجل فنّهم كثيرون، لكنّ شهداء الباتكلان هذه المرّة لم يٌقتلوا لفنّهم الخطير مثلما قُتل ناجي العلي أو غسّان الكنفاني أو لوركا..إنّما قُتلوا لأنّهم مجرّد متفرّجين. نعم من قُتل في الباتكلان هم الحشود التي جاءت لحضور الحفل الموسيقيّ، ولمجرّد الشهادة بالحضور، فامتزجت في عمق دمائهم حينئذ دلالة الشهادة ودلالة الشهيد في طلقة ناريّة واحدة. لا أحد معنيّ بالقتل ها هنا فقط الحياة هي المستهدف الوحيد.
جمعة حزينة تُضاف إذن إلى سلسلة أخرى من أيّام الجمعة السوداء وما أكثر أيّامنا السوداء هذه الأيّام. ثمّة رمزيّة عميقة في كلّ الأرقام التي يحملها هذا اليوم: فهو اليوم الثالث عشر، وموقع الجريمة هي الدائرة رقم 11، وعدد الإرهابيين هو 7 على الأرجح.. فكيف تلتقي كل أرقام النحس هذه في جغرافيّة واحدة إن لم تتعاضد جميعا من أجل انتصار منطق الموت والدمار؟ قاعة الباتكلان في قلب شارع فولتير منظّر التنوير تصير مسرحا لظلام القتلى ولبشاعة القاتلين قاعة الباتكلان في قلب باريس تكتظّ إذا بالقادمين إليها شغفا بموسيقى الروك، وبالتحديد بفرقة «نسور ميتال الموت» هكذا هو اسمها الذي يوقّع هو الآخر معنى آخر للموت.. امتلأت القاعة بـ 1500 متفرّج، وكان الجميع مشاريع شهداء دون أن يعلموا، فالشهيد يصبح شهيدا لأنّه يُقتل دون علم منه، ولأنّ القاتل لا يستشير القتيل.. ربّما من سعادة الصدف وفي أسوأ العوالم الممكنة، أنّه لم يعد أيّ مكان في القاعة لأيّ متفرّج أو شهيد آخر.. فللأمكنة أقدارها أيضا.. وبدأت غيتارات موسيقى الروك تعدّل أوتارها على عجل.. ربّما رقص شهيد هنا وشهيد هناك آخر رقصات الموت.. ربّما كان بين الحضور عشّاق ومحبّون. ربّما تخاصم شهيد مع شهيدة حبيبة هنا أو هناك..ثمّة من سينجو وثمّة من سيٌقتل..لكلّ قدره الخاصّ. ومن يكتب الأقدار في عصر الأحزمة الناسفة والموت المبرمج؟ وفي كلّ الحالات لا أحدا منهم قُتل وحيدا لأنّ سلاح الكلاشينكوف يقتل دفعة واحدة الكثيرين معا.

فراغات
ذات يوم بعيد عن فظاعاتنا قال الحكيم اليوناني القديم فيثاغورس: «ليس في العالم غير الأعداد والفراغ»، لكن يبدو أنّ الأعداد ليست بريئة دوما، وإنّ فراغها لا يتّسع لأوقات الفراغ دوما، فقد يكون الفراغ من نصيب الموت أيضا. لأنّ شهداء حفلة الباتكلان هم شهداء الشعور بالفراغ أيضا. كانوا يطلبون ترويحا عن النفس في وقت فراغ، حينما فرغوا من أسبوع مضى بثقل واجباته وفواتيره، فسقطوا في وقت فراغ آخر..لقد أخطأ الفراغ موعده هذه المرّة. ربّما لأنّ الحياة متواطئة هي الأخرى مع غريمها الموت.وربّما لأنّ الحياة تخشى الفراغ هي أيضا..
لقد كان شهداء الباتكلان مجرّد متفرّجين.جمهور أو جموع أو حشود.. لا شيء غير ذلك. ولا أحد منهم كان يمثّل أيّ خطر على أيّ أحد. كانوا هناك في قاعة العرض، فقط هم هناك لأنّهم لم يكونوا في مكان آخر. لكنّ وجودهم هناك هذه المرّة كان قاتلا. من قتلهم؟ حبّهم لموسيقى الروك؟ رغبتهم في أن يختموا أسبوعهم المتعب بتوتّر حياة العولمة بالأغنيات؟
لقد قال فيلسوف معاصر ذات مرّة أنّ «الحياة بلا موسيقى هي خطأ فادح». لكن الموت لا الحياة هو الذي يحضر هذا اليوم مصاحبا للموسيقى. هل تحوّل حبّهم للموسيقى إلى حبّ قاتل. ومن الحبّ ما قتل، لأنّ «الحبّ كالموت» أحيانا.. لقد جاؤوا ليشهدوا على الموسيقى فتحوّلوا إلى شهداء على إيقاعها الأخير. هل هو ذنب قاتل هذا الإنصات إلى الموسيقى ؟لقد جاؤوا مثل نباتات قلقة إلى حفلة موسيقيّة ليشهدوا لحظة أجمل من قبح حياتهم الرتيبة التي تسحقها مكنة العولمة ببضائعها الثقيلة وأجنداتها العنكبوتيّة وألوانها الباهتة. هم جاؤوا من أجل الرقص، لذلك لا أحد منهم كان قد فكّر بأنّ الموت يحبّ الرقص أحيانا. لكن لا ذنب على الأغنيات. أيّ ذنب اقترفوه حينئذ؟ ربّما تكون براءة الضحايا هي أيضا تهمة لدى القتلة. لأنّ القاتل يحبّ أن يسحق براءة الآخرين التي لا يملكها. أو أنّ «الطبيعة تخشى الفراغ» لذلك ينبغي ملئ الفراغات بالموت أحيانا..لكنّ الفراغ يينع بسكوتنا عمّ يحدث أو بضجيجنا الكبير الذي لم يعرف بعدُ طريقه إلى الحقيقة. أم أنّ معرفة الحقيقة لم تعد تعني شيئا لأنّنا في مرحلة أخرى هي مرحلة سياسات الحقيقة وأجنداتها؟
ربّما لا شيء ينتظر منّا تحليلا وفهما. وربّما قد أفرط ساسة الحقيقة في الفهم إلى حدّ وصلوا فيه متأخّرين جدّا إلى موقع الجريمة. ربّما هم يفعلون ذلك عمدا، كي يكون هاهنا القاتل أسرع قتلا من الدول...لكن حذار فكلّ «ربّما» قد تخبّئ في جيوب هزّاتها حقائق مفزعة..
شهداء الباتكلان إذن جاؤوا من أجل الحياة والأغنيات، لكنّ قاتليهم كانوا قد جاؤوا من أجل الموت والخراب. هم كانوا بالأمس هنا في مسرح الفنون والتراث، أمّا القتلة فقد كانوا هاهنا أيضا لكن من أجل تحويل أصوات الغيتارة الجميلة إلى أصوات رصاص قاتل.كيف يحدث أن تتقاطع الأصوات بهذا الشكل الفظيع؟ ذاك أمر لا يحدث صدفة أبدا في عالم فقد قدرته على أن يكون عالما.
طويلة هي قائمة الشهداء في كل مكان وزمان. وكثيرة جدّا قصص الضحايا والمغتالين والمهدورين دمهم والمقطّعة أوصالهم والمقتولين حرقا والمذبوحين والمحروقين والغارقين في أعماق بحار لا تأبه للفرق بين القاتل والمقتول..لن نتحدّث عن قصّة قابيل الذي قتل هابيل أقدم قتل في مخيال التوحيديّين. ولن نتحدّث أيضا عن برومثيوس المقتول كلّ يوم لأنّه سرق النار من الآلهة..ولا عن قائمة قتلانا منذ الخلفاء الراشدين الذين قُتلوا تباعا إلى شهداء التصوّف من الحلاّج إلى السهرورديّ، إلى فلاسفتنا وعلمائنا وفقهائنا الذين قُتلوا بتهمة الزندقة. ولن نتحدّث عن شهداء الفكر الحرّ وشعرائنا ورسّامينا ناجي العلي أو غسّان كنفاني وبلاد البرتقال الحزين..لأنّ كلّ أشجارنا صارت حزينة تسقيها دماء الأبرياء في فلسطين وسوريا واليمن والعراق وتونس ومصر وبيروت. من أيلان السوريّ الطفل الميّت غرقا إلى راعي سيدي بوزيد مبروك السلطاني الذي قتله الإرهابيّون أخيرا في أحد الأرياف التي جعلت الثورة ممكنة يوما ما في تونس، قُتل فقط لأنّه مثل أغنامه تماما لا يعلم شيئا عمّ آلت إليه ثورة تونس، وقُتل فقط لأنّه كان راعيا لأغنام لا تعي شيئا ممّ يدور حولها من أجندات عالميّة مافيوزيّة تنشر الخراب في كلّ أرض.
لكنّ شهداء يوم الجمعة الأسود 13 نوفمبر 2016 لا يشبهون قائمة الشهداء التي سجّلتها الإنسانيّة في الدفتر الكبير لتاريخ فظاعاتها المؤلمة، فلا أحد منهم قُتل لأفكاره الخطيرة كما سقراط ولا لتصوّفه مثل الحلاّج ولا لعلمه مثل جورديانو برينو، ولا لتهمته بالزندقة مثل السهروردي أو لسان الدين بن الخطيب، ولا من أجل وطنه مثل ناجي العلي أو غسّان كنفاني..لقد قُتلوا جميعا لأنّهم لا أحد أو لأنّهم أيّ أحد. إنّ قدرتهم على أن يكونوا ها هنا في احتفال موسيقيّ راقص هي تهمتهم الوحيدة. أي إذن ذنب في محبّة الحياة؟ جاؤوا إلى مركز الفنون وهويّتهم الوحيدة هي فقط الاحتفال بالحياة دون أن يكون الواحد فيهم أيّ أحد ودون أن يوقّعوا أيّ اسم خاصّ أو صوت استثنائي..دون أن يكون الواحد فيهم أيّ فرد بعينه..أو عرق أو عقيدة..جاؤوا جميعا يجرّون جغرافيّة وسيعة كي يكونوا جموعا أو حشودا يخترعون فضاء مشتركا تجمع بينهم الأغنيات وبعض الضحكات المتعبة ويسترقون لحظات سعادة عابرة في مدن صارت فيها السعادة حلما مستحيلا. عاشقون ومواطنون عاديّون وفتيات كالزهور،أساتذة أو طلبة يافعون جاؤوا بعنفوانهم فاستقبلهم عنف القتلة.
لا شيء تبقّى غير دموع وشموع وصلوات، زهور وأغنيات. نعم ستظلّ الأغاني تصدح عاليا ضدّ عشّاق الخراب.. مازال في الأرض متّسعا للحياة. وإنّ العاشقين للحياة قد تُكتب لهم دوما النجاة مثلما كُتبت للعاشقين المتخاصمين الذين غادرا قاعة الباتكلان قبل قليل من قوع الهجمة الشنيعة. فهل يكون خصام العشّاق مناسبة للنجاة وللحياة مرّة أخرى؟ إليهم نقول ما قاله السهروردي المقتول: «يا صاح أما رأيت شهبا ظهرت» و«أبدا تحنّ إليكم أرواحكم» وإليهم نقول أيضا ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش:«يا أصدقائي اتركوا حائطا واحدا لحبل الغسيل..اتركوا ليلة واحدة للغناء..» سينهزم الظلام دوما بالأغنيات..يا شهداء الأغنيات..«ناموا قليلا»...


قائمتهم طويلة
طويلة هي قائمة الشهداء في كل مكان وزمان. وكثيرة جدّا قصص الضحايا والمغتالين والمهدور دمهم.. لن نتحدّث عن قتل هابيل أقدم قتل في مخيال التوحيديّين، ولا عن برومثيوس المقتول كلّ يوم لأنّه سرق النار من الآلهة.. ولا عن قائمة قتلانا منذ الخلفاء الراشدين الذين قُتلوا تباعاً إلى شهداء التصوّف من الحلاّج إلى السهرورديّ، إلى فلاسفتنا وعلمائنا وفقهائنا الذين قُتلوا بتهمة الزندقة. ولا عن شهداء الفكر الحرّ وشعرائنا ورسّامينا ناجي العلي أو غسّان كنفاني وبلاد البرتقال الحزين..لأنّ كلّ أشجارنا صارت حزينة تسقيها دماء الأبرياء في فلسطين وسوريا واليمن والعراق وتونس ومصر وبيروت. من أيلان السوريّ الطفل الميّت غرقا إلى راعي سيدي بوزيد مبروك السلطاني الذي قُتل فقط لأنّه مثل أغنامه تماماً لا يعلم شيئا عمّ آلت إليه ثورة تونس، وقُتل فقط لأنّه كان راعيا لأغنام لا تعي شيئا ممّا يدور حولها من أجندات عالميّة مافيوزيّة تنشر الخراب في كلّ أرض.