الملحق الثقافي

شهداء.. على الهواء مباشرة

الطفل السوري إيلان غريقاً على شاطئ غريب (أرشيفية)

الطفل السوري إيلان غريقاً على شاطئ غريب (أرشيفية)

عبر التاريخ حضر الشهداء في الأعمال الفنية وفي أساطير الرومان واليونان، وكان الشهيد في اليونان هو من يختار الموت ويسعى إليه كشهادة على إيمانه. وقد خلد الرومان واليونان شهداءهم من خلال التماثيل، أو على الجدران من خلال فن الفريسكو أو التصوير الجصي، ومن شهداء الأساطير اليونانية «مارسياس» الذي تحدى أبولو في مسابقة موسيقية، معرّضا بذلك حياته لخطر انتقام هذا الأخير، فتم تحكيم الملهمات (ميوس) في المسابقة، فأعلنّ أبولو فائزا، وتم الحكم على مارسياس بأن يربط إلى شجرة ويسلخ جلده وهو حي، وحسب الأسطورة فقد شقت دماؤه مجرى نهر متدفق سمي باسمه، فحزنت لموته جميع الأرواح وآلهة الغابة وبكته حتى ملأت دموعها النهر. وقد ذكر دانتي مارسياس في الكوميديا الإلهية كما جسد مأساته فنانون من عصر النهضة مثل: بول روبنز ورافائيل وهذا الأخير صور أيضا استشهاد السيد المسيح في إحدى لوحاته وأنجزها سنة 1507.

طعاماً للوحوش
مع ظهور الديانة المسيحية كان استشهاد المسيحيين أمراً مألوفاً، فكان يتم صلبهم أو دفنهم أحياء أو يتم رميهم كطعام للأسود وللحيوانات الضارية، وتلك الطرق البشعة التي استُعملت في إعدامهم رفعت من مكانتهم أكثر فنُسجت حولهم الأساطير، وقصصهم تم تصويرها أيضا على جداريات الكنائس. كما أثارت مخيلة الكثير من الفنانين فنحتوا تماثيلهم وأنجزوا رسوما تصور استشهادهم؛ ومن الأعمال الفنية حول هذا الموضوع لوحة للفنان الألماني ألبرخت دورر (1471 – 1528) وهي تمثل استشهاداً جماعياً لعشرة آلاف مسيحي، وتم إنجازها بتكليف من فريدريك الحكيم سنة 1508، وتوجد حاليا بأحد متاحف فيينا. وتم أيضا تصوير استشهاد القديس سيبستيان وهو جندي روماني، وتوجد في المتاحف تماثيل ولوحات تصور كيفية استشهاده التي أقل ما يقال عنها إنها كانت بشعة، لأنه رُبط عارياً بعمود وتم رشقه بالسهام التي انغرست في جسده.
والتاريخ المسيحي لا يخلو أيضاً من القديسات اللواتي استشهدن ومنهن القديسة جان دارك التي أعدمت حرقاً سنة 1431، وقد أُنجز الكثير من الأعمال الفنية تصور طريقة إعدامها، ولا تزال إلى يومنا هذا مخلدة في الأعمال الفنية سواء على جدران الكنائس أو المنحوتات أو في اللوحات الفنية، بالإضافة إلى استحضارها في الأعمال السينمائية والمسرحية لأنها تعتبر من الشخصيات الشعبية في فرنسا.

أرفع مراتب الشهادة
إن أرفع مراتب الشهادة في الإسلام، من مات في سبيل الله، ونتيجة موقف فقهاء الإسلام من التصوير فإن الشهداء كان يتم تخليدهم من خلال الشعر والنثر فقط، ورغم اهتمام الواسطي بفن التصوير في القرن السابع الهجري فإنه لم يصورهم كما كان الأمر عند المسيحيين.
ومن الشهداء الذين تم الاحتفاء بقصة إعدامهم من قِبل الكتاب والفنانين في الشرق والغرب: الحلاج، وهو شخصية شعبية لأنه جعل من التصوف وسيلة للجهاد ضد الظلم والطغيان، ومواقفه تلك كانت تمس النظام السياسي وسلطة الفقهاء الدينية، فتم اتهامه بتهم ثقيلة تمثلت في الزندقة والتآمر ضد الدولة وتمت محاكمته وأعدم بطريقة بشعة، حيث تم صلبه، وطريقة إعدامه زادت من شعبيته وجعلت منه شهيداً في الضمير الجمعي. وقد كتب فريد الدين العطار الكثير من الأشعار تصور مصرعه، كما ألف المستشرق الفرنسي كتابا سماه «عذاب الحلاج والطريقة الحلاجية» سنة 1909، علاوة على أن الكثير من الفنانين صوروا موته انطلاقاً من مخيلتهم، فيما استلهم شعراء عرب كثر قصته في أشعارهم، وكتب صلاح عبد الصبور مسرحية عنه، وتوجد حالياً أعمال فنية كثيرة تصور إعدام الحلاج في أشهر المتاحف العالمية.
ومن رموز الشهداء المسلمين في القرن العشرين عمر المختار، الذي يعتبر نموذج شهداء المد الاستعماري الغربي بالعالم العربي، وقد دوخ المستعمر الإيطالي في ليبيا. وقد أنجز مصطفى العقاد فيلماً حول نضاله وبطولته واستشهاده بعنوان: «أسد الصحراء» أو «عمر المختار» في النسخة العربية، وهو من بطولة الممثل الأميركي الراحل أنطوني كوين.

شهداء فلسطين
نتيجة الحروب التي اشتعلت في العالم العربي مؤخراً ونتج عنها سقوط الكثير من الشهداء سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، عاد مصطلح الشهادة إلى الواجهة بقوة، وإن كان الشهداء لم يعدمهم الوطن العربي في عصرنا هذا منذ اندلاع القضية الفلسطينية، والتي ما تزال تقدم المزيد منهم، وبما أنها قضية كل عربي فقد أفرزت الكثير من الأعمال الفنية والإبداعية المستوحاة منها ومن شهدائها، وهي بتجليات شتى، فهي عبارة عن جداريات أو لوحات، أو منحوتات، ومن الأعمال الفنية التي تمثل شهداء فلسطين، لوحة الفنان السعودي ضياء عزيز ضياء «أم مقتولة يحيط بها طفليها» وغيرها من الأعمال. ولا ننسى أشعار الراحل محمود درويش حول فلسطين وشهدائها، وهو يعتبر بحق شاعر القضية الفلسطينية بامتياز، والأعمال الإبداعية لغسان كنفاني وإميل حبيبي، وغيرهما من الفنانين والمبدعين الذين نددوا بالمحتل الصهيوني وخلدوا الشهداء الفلسطينيين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل قضيتهم العادلة، وشهداء القضية الفلسطينية كثيرون إلى الحد الذي يصعب فيه حصرهم أو ذكر نماذج منهم.

الخراب العربي الجديد
وحاليا لم يعد الشهداء من فلسطين فقط، وإنما أضحت العديد من الدول العربية تقدم شهداءها أيضا نتيجة الوضع الدامي والحروب الدائرة في المنطقة العربية، فهل تم استحضار هؤلاء الشهداء الجدد في الأعمال الفنية، أم لم يتم استيعاب الأمر بعد نتيجة تسارع الأحداث وفظاعتها ومعاناة الفنانين أيضاً من الوضع الراهن الأمر الذي جعلهم يعجزون عن مجاراة الأحداث واستيعابها وتحويلها لأعمال فنية؟.
إن الوضع الدموي الذي تعيشه الكثير من البلدان العربية أسقط آلاف الشهداء، لكن الملاحظ أن الفنانين والكتاب لم يستوعبوا ما يحدث لحد الآن، لأن غالبيتهم لم يستطيعوا القبض على تسارع الأحداث وأيضا لم يستفيقوا بعد، من هول الصدمة ومن فداحة الفاجعة التي أصابت الأمة العربية، كما أن ظروف الكثير من الفنانين الذين ينتمون للبلدان التي تعرف الحروب هاجروا ويعيش معظمهم الشتات والخوف والترقب، لذلك هناك قلة من الأعمال التي تعبر عن الواقع الراهن الذي خلف الكثير من الخراب والشهداء، لكن الأكيد أن هذه الأوضاع ستلهم الكثير من الفنانين والمبدعين في المستقبل، وسيتم تكريم الشهداء من خلال إنجاز أعمال فنية تصور تضحيتهم التي بذلوها في سبيل أوطانهم.
لكن البديل الأمثل للأعمال الفنية التي من الفروض أن تؤرخ للراهن وتشهد على بشاعته وتفصح عن حجم التضحية التي يقدمها الشهداء هي الصورة، لأننا نعيش الزمن الرقمي. فهي وحدها القادرة على القبض على الأحداث المتسارعة واللحظات الهاربة وتسجيلها، وجعلها تجوب العالم من خلال الفضائيات والشبكة العنكبوتية. وقد أصبح الكثير من الشهداء تنقل صورهم أثناء إعدامهم، كما يفعل تنظيم «داعش» الذي يقوم بإعدام ضحاياه أمام الكاميرا، لذلك فإن مقاطع استشهاد الشهداء تطالعنا على الشبكة العنكبوتية والفضائيات أيضا، كما أنه يتم يوميا بث صور الشهداء الذين تقتلهم إسرائيل فيزفون إلى مثواهم الأخير ووجوههم عارية تتطلع إلى السماء، وأيضا شهداء الحرب الدائرة حاليا في بعض بلدان العالم العربي والذين تطالعنا أجسادهم الممزقة أو صور جثامينهم لما تصل إلى بلدانهم في التوابيت الملفوفة بأعلام الوطن.. فلم يعد الأمر كما في الماضي حيث كان يمر زمن قد يطول أو يقصر لتُنسج الأساطير حول الشهداء أو تُنصّب لهم التماثيل أو تنجز أعمال فنية تجسد طريقة إعدامهم كنوع من التكريم لهم. لقد اختلف الأمر اليوم وأصبح الاستشهاد ينقل مباشرة على القنوات الفضائية ضمن النشرات الإخبارية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقطف أرواح الكثير من الشهداء ونحن نتطلع إليهم وإلى دمائهم الفائرة عبر مقاطع الفيديو. إنها صور تؤكد ما يبذله هؤلاء الشهداء فداء لأوطانهم وما يقدمونه من تضحيات من أجل مستقبل عربي أفضل، وأيضا لما يجب أن يبذل من جهود لإنهاء هذه المآسي.

طعم للأبرياء
إن «الشهادة» التي ظلت عبر التاريخ عملا مبجلا وتضحية لا تقدر بثمن، وأمراً عظيماً مقدساً، باتت تستخدم، في الوقت الراهن، من قبل البعض لخدمة مخططاتهم وأجندتهم التخريبية، فالإرهابيون يتخذون من الشهادة طعما وفخا ينصبونه لجذب أنصار جدد وجعلهم مستعدين لتفجير أنفسهم من أجل الشهادة المزعومة؛ فتتحول عمليات الانتحار التي ينفذونها بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة وغيرها والتي تقتلهم وتقتل الأبرياء إلى شهادة حسب زعمهم، رغم أن قتل النفس بتلك الطريقة يعد انتحارا وهو محرم في الإسلام، وقتل الآخرين جريمة بشعة، وهكذا، يحرفون معنى الانتحار ليصبح «شهادة» في قواميسهم الدموية، ولمنح ما يقومون به نوعا من المشروعية واجتذاب أنصار جدد.

سبب للخلود
مارسياس عازف فريجي بارع على آلة الناي أو ساتير تقول الأسطورة إنه اخترع هذه الآلة. هو ابن اوليمبوس، أحب الآلهة الأم سيبيل وتبعها في كل مكان. تحدى الإله أبوللو لمنافسة موسيقية، هو يعزف على الناس وأبوللو يعزف على القيثارة. قبل أبوللو التحدي. خسر مارسياس فقيده أبوللو إلى شجرة وجعل يسلخ جلده حتى تعرى لحمه، ونزف كل جزء من جسمه، حتى فارق الحياة.. لكن الأسطورة تصرّ على أن دمه ذهب ليحفر للبطل مجرى نهر جديد عرف باسم «مارسياس». حزن الجميع على مصرعه بما في ذلك آلهة الغابة وبكت متفجعة حتى ملأت دموعها النهر. لم ينته جسد مارسياس بل تحول إلى إلهام للفنانين بوصفه رمزاً للتضحية والفداء.
في محاورة الجمهورية يطلق سقراط على آلة الناي اسم: مارسياس أو سيلنوس، كما ذكره دانتي في الكوميديا الإلهية، واوفيد في كتاب التحولات، وماثيو أرنولد في امباذوقليدس في أثينا، كما عالج الأسطورة مسرحيون واستلهمها فنانو عصر النهضة وجسدوها في لوحات خالدة.

ناجي العلي
ناجي عوض العلي، مواليد 1938 في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة.
نزح مع عائلته العام 1948 الى لبنان، واستقر في مخيم عين الحلوة القريب من مدينة صيدا. تلقى تعليمه في إحدى مدارس المخيم التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الدولية (الأنروا)، لينتقل بعدها إلى معهد سيلين المتوسط ليتعلم إحدى المهن، وخرج منه رساماً بفضل موهبته الفذة.
بدأ الرسم في جريدة المحرر اللبنانية ثم في جريدة الوطن الكويتية ثم عاد الى بيروت ليعمل في صحيفة السفير.
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عاد الى الكويت ليعمل في صحيفة القبس، ثم انتقل العام 1984 الى لندن ليعمل في الطبعة الدولية للصحيفة.
تميز بأسلوبه الفني الخاص، ونقده السياسي اللاذع، وابتكر شخصية حنظلة، الطفل الفقير الذي يدير ظهره للقراء ووجهه إلى فلسطين، والذي قال ناجي العلي مراراً إنه بوصلته التي لا تشير إلا لفلسطين.
في 22 تموز أطلق أحدهم عليه الرصاص عليه ليرقد بعدها في المستشفى ثم يفارق الحياة في 29 من أغسطس 1987.