الملحق الثقافي

أحياء في النَّص

الرواية العربية تعاملت مع الشهداء على نحو أسطوري أرشيفية)

الرواية العربية تعاملت مع الشهداء على نحو أسطوري أرشيفية)

ليس أكثر ولا أهم من الأسئلة التي يصدع بها الشهيد والشهادة الروائية العربية، كأسئلة الحياة، والموت، والوطن، والقضية.. وعلى المستوى الفني تتوالى أسئلة التأرخة والوثائقية، والتسجيلية، والسيرة الغيرية، والملحمية، والأسطرة.. وبكل ذلك، كبرت وتنوعت المدونة الروائية العربية المتعلقة بالشهيد والشهادة.

فلتكن البداية مع شيخ الرواية العربية نجيب محفوظ، في هذا الجزء من ثلاثيته (بين القصرين)، حيث عاد إلى ثورة 1919 والمظاهرات السلمية ضد الإنكليز، والتي قضى في واحد منها الطالب فهمي، فتفجر سؤال الأب أحمد عبد الجواد (سي السيد): كيف أكون أباً من بعده؟ ومن أين للكلام أن يطفئ النار؟ وحين يبلغه زملاء ابنه بالنبأ المزلزل، وبأن الشهيد سيشيع مع ثلاثة عشر من إخوانه في احتفال شعبي من القصر العيني، ترى الأب يهتف في جزع: ألا يُترك لي تشييع جنازته من بيته، لكن من حمل النبأ يرد بحزم وبرجاء: لا يليق تشييع فهمي في جنازة عادية كمن قضوا في بيوتهم.
وما دمنا في مصر فلنمضِ إلى حربها الكبرى في أكتوبر 1973، وإلى الروائي الذي عمل مراسلاً حربياً لسنوات، أعني جمال الغيطاني الذي أوقف روايته (الرفاعي) على أحد قادة وشهداء تلك الحرب، وحملت الرواية اسمه. وربما كانت الأسطرة هي السمة الغالبة على التخييل الروائي للشهيد في هذه الرواية. ففي يوم استشهاده، ظلله الحزن، وزاد جرحى دانة الدبابة التي سقطت في قلب المجموعة الثالثة، ولفّه صمت غريب. حتى إذا استشهد بنفاد شظية إلى قلبه، قالوا إنه لم يتألم، وإن ابتسامته كانت تولد من قلب الموت كما تنمو الزهور فوق المقابر. وعندما رآه عبد المؤمن (من جنوده) بكاه صارخاً: كالقمر. أما أبو الفضل – من جنوده أيضاً – فسوف يقيم لقائده ضريحاً من الكلمات ومزاراً، وبحسبانه، سيجيء الرفاعي في كل لحظة من عمر هذه الدنيا، وسيظهر في الجهات الأربع، وسيسري إلى الكل، وعندئذ سيمضون إليه. ولأنه الرفاعي فإن وسام – من جنوده - يثور على الصحفي الذي ينوي أن يعد حلقات إذاعية عن الشهيد، ويتساءل وسام: ماذا يريدون أن يفعلوا بالرفاعي؟ حلقات إذاعية؟ رواية؟ قصة؟ فيلم سينمائي؟ هل يتسع أحد هذه الأشياء للرفاعي؟ ويعزم وسام أن يصيح بمن قد يتصل به من أجل ذلك: «يا لصوص كنوز المقابر.. اتركوني واتركوا الرفاعي في حاله» فهو لا يود رؤية نابشي السيرة من الفضوليين والمتطفلين.
يترجح نسب رواية (الرفاعي) بين الوثائقية، والسيرة الغيرية، والأسطرة. أما رواية محمود الورداني (نوبة رجوع) فتكاد تكتفي بالوثائقية وهي تشي بالسيرة الذاتية مما كتبت عن حرب 1973 في مصر. لكن هذه الرواية ستعنى بالبيروقراطية، وبالطائفية، بينما تكتب عن الشهادة والشهيد.
ففي فصل (نوبة شهيد) تأتي المكاتبات الرسمية لاستلام جثمان العريف ثروت محروس المجهول الهوية، وحيث تسأل البيروقراطية على لسان العقيد: من أين أعرف أن الولد استشهد إذا لم تكن شهادة الاستشهاد من وحدة (الولد) العسكرية، موجودة؟ ويترتب على ذلك أنه لا يمكن دفن الشهيد بلا شهادة الاستشهاد. وبعد الخروج من المأزق البيروقراطي تأتي المشرحة والشهيد كجثة أمام أبويه، ورائحة الفورمالين القاسية، والكفن الأبيض، وقطعة القطن وثقوب الرصاص، وأخيراً موافقة سعادة البك العقيد على لف الكفن بالعلم، وتوصيته بالربط حتى لا ينزلق، إذ سينقل الشهيد بلا صندوق، ولكن لابد من صندوق، فالشهيد مسيحي والصندوق لا يعاد، لكنه (عهدة) فمن سيوقع على تسليمه، ومن سيقرر أنه استهلك كي لا يعاد؟
في العربة التي تنقل الشهيد يروح جثمانه ويجيء مع الالتفاف السريع ومع الارتطام بالمطبات، بينما يندفع الهواء من النافذة، والشهيد راقد عند أقدام مرافقيه، والراوي يخشى أن تصدم الارتطامات قدمه بقدم الشهيد المنسربة من الكفن، عارية وداكنة وملساء. أما في المقبرة فتنبثق ألواح الرخام بيضاء في الظلام. وإذا لم يكن تبيّنُ النقوش ممكناً، فالراوي يحدس أنها أسماء شهداء من حروب ماضية.
تقوم مقابر المسيحيين في خلفية المقبرة، وعندما يدخل المكلفون بالدفن الصندوق يثيرون الغبار ويتصايحون ويسعلون ويبصقون وهم يختفون داخل الفوهة الضيقة مكممين أفواههم وأنوفهم، بينما تنتشر الرائحة القوية. وعبر ذلك يفكر الراوي في العساكر الذين يموتون في الجبهة، وكيف يمكن أن يدفنوا خلال المعارك عند قناة السويس.
من دفن الشهيد المسيحي يعود المكلفون بالدفن، وإذا بجنود فيما يخص المسلمين، وحيثما نظرت تجد الشواهد ممتدة على جانبي الممرات الكثيرة المتقاطعة، وأسماء الشهداء وتواريخ الحروب منقوشة. بينما تتكوم جثث فوق بعضها، وقد تدلت الأذرع على سور العربة التي تنقلها. وتقدم العساكر لينقلوها ويغيبوها في الحفرة، ويروي الراوي: رأيت الجثث متراصة بالداخل، وكان بعضها مكفناً بكفن أبيض، وبعضها بالأفرولات، لكنني استدرت حين لمحت السيقان الطويلة الداكنة المنتهية بأصابع القدم ذات الأظافر التي بدت واضحة في الضوء الأصفر المترب«. ولا ينسى الراوي اللوحة البارزة التي عليها أنه تم نقل رفات شهداء حرب فلسطين إلى هذه البقعة الطاهرة من أرض الوطن باحتفال قومي مهيب اشتركت به جميع طوائف الأمة... (1953). كما لا ينسى الراوي ترب (مقابر) قتلى العدو (الإسرائيلي) عند آخر السور، وما يثيره دفنهم في مقابر الشهداء ريثما يتم تسليمهم حسب المفاوضات، ويظهر سوء ما يثيره ذلك عبر وصف الراوي لجيوش الديدان القصيرة السمينة ذات اللون البرتقالي القاتم وهي تزحف راكضة في سرعة مذهلة، محاولة دفن نفسها مرة أخرى في التراب، عدا عن أسرار الذباب التي تهاجم بحجمها الأكبر من حجم الزجاج العادي.

من مصر إلى فلسطين نمضي، حيث الشهيد أيضاً هو شهيد الحرب مع العدو الإسرائيلي. ومن الغمر الروائي هنا اخترت من روايات الداخل الفلسطيني رواية أحمد حرب (الجانب الآخر من أرض المعاد) والتي تعود إلى الانتفاضة الأولى: انتفاضة الحجارة.
إثر مواجهات عنيفة مع الجيش الإسرائيلي، يسقط سبعة شهداء، لكن جثمان السابع مفقود. والراوي يصور احتشاد الناس أمام المسجد تحت المطر، تنتظر أبا قيس، والأعلام الفلسطينية تزين الأكفان الستة، بينما يحرس الجمهور شباب ملثمون، ويراقبون تحركات الجيش. وإلى جانب الأكفان تقف مجموعة أخرى، وكل من أفرادها يحمل مشعلاً. وقد كشف أبو قيس عن وجوه الشهداء، وقبّل جبين كل منهم، وتبعه باقي الجمهور، إلا الراوي الذي افتقد الشجاعة ليقترب أكثر من الشهداء، وقد رأى وجوههم تعكس أنوار المشاعل، وتزداد إشعاعاً مع حبات المطر، وكانت النسوة تغني من الفولكلور الفلسطيني:«سبّلْ عيونه ومد إيده على راسي/ خصره رقيقْ ودعني ومشْ ناسي..». إنها الأغنية التي كانت تغنى للعريس – يشرح الراوي – والعروس، وهي على لحن أغنية شعبية عن الغزال، مما كان الراوي يردد بلحن سبّابته الحزين، ومنها:«شو جايبك يا غزال البرّ وحداني/ شقاقي على شقاقنا بدّلْ رفيق ثاني».
لا تخفي الرواية نزوعها الملحمي كما يتبدى عبر اشتباك الطبيعة والجمهور والبطولة والغناء، وحيث تبدو الجنازة كرنفالاً. فها هم الرجال والنساء والأولاد، يأتون أزواجاً وفرادى إلى الساحة، وعلى وجوههم بسمات الحياة والموت وعلامات الشجاعة والخوف، بينما المطر يطفئ القنابل الغازية التي ترمي بها المروحيات، والريح تحمل الدخان بعيداً معبّرةً عن بشرى انتصار. أما (الجوقة) فتحضر في الخطاب الجمعي: ندفن شهداءنا ويستمر النضال» وبالهتاف عندما تمر المروحيات فوق الجمهور: «ما في خوف ما في خوف/ الحجرْ صارْ كلاشينكوف»، وكذلك بالزغاريد التي تجعل الأمر يختلط، فلا يعرف المرء أنه في عرس أم في جنازة. ويشكل الشهيد السابع إيقاعاً لا يفتأ يتردد مؤكداً الأسطرة. فقد ترددت روايات شتى عن استشهاد هذا الشهيد: هليوكبتر طاردته في وديان البلدة وقتلته، ثم هبطت وحملت الجثة لتخفي الجريمة/ جنود قبضوا عليه وقتلوه وأخفوا جثته- مستوطنون تسللوا إلى القرية أثناء المظاهرة واختطفوه وقتلوه وألقوا بجثته في أحد الآبار- وقيل أيضاً إنه مازال حياً في أحد المعتقلات. وفي خطبته، يخص أبو قيس الشهيد السابع بالقول، مؤكداً الأسطرة: انتفاضتكم هزت الأرض، فلا تحزنوا على الشهيد السابع، لأنه لم يمت «إنه حيٌّ مثل باقي الشهداء. وسواء وجدنا جثة أم لم نجدها، فإن روحه تسكن في كل مكان في الأرض وفي السماء، في الأنهار، في الأشجار، في الآبار، في الأحجار، في القمر والشمس تضيء لنا الطريق مثل هذه المشاعل المعلقة». وتتمة ذلك تأتي في النهي عن الحزن، لأن اللقاء بالشهيد السابع محتوم: إذا وجدناه محروقاً نخرجه من الرماد، وإذا وجدناه مقطّعاً نجمع أجزاءه ونبث فيها الحياة، وإذا وجدناه في بئر العين فمرحباً بالشهيد السابع رمز الخصب والحب والعطاء. وتكريماً له وللشهداء نسمي مقبرة العين من الآن فصاعداً: مقبرة الشهيد السابع.
عندما تبدأ مراسم دفن الشهداء الستة، تردد النسوة خلف أم إسماعيل: «حفّار قبر الشهيد علِّ بابه/ يهبهب الغربي على سردابه/ حفّار قبر الشهيد علِّ عتبته/ يهبهب الغربي على مصطبته/ ياريت القبر اللي لملم الشباب/ ينبت عليه الخوخ والرمان/ الشهيد لو خش الجنينة نوّرت/ ضحك السفرجل برجم النعمان». وقد أفردت الرواية أيضاً للشهيدة (وديعة) التي استشهدت بانفجار القنبلة التي كانت تحضرها. ويروي الراوي (عاشق وديعة) استلم جثة الشهيدة ودفنها بصمت كما أمر الحاكم العسكري، ولكن الشباب الملثمين أقاموا لها جنازة الشهيد، فرفرفت الأعلام الفلسطينية، وأُضيئت المشاعل، وحُملت الجنازة إلى المسجد على أنغام آذان العشاء.
في الشطر الفلسطيني من مدونة الشهيد والشهادة، كان لسحر خليفة مساهمتها الخاصة، وذلك في روايات (حبّي الأول) و(أصل وفصل) و(أرض وسماء). فالروايات الثلاث تنتسب إلى السيرة الغيريّة، وإلى الرواية الوثائقية. وقد جعلها ذلك أبعد عن الحفر الروائي للتاريخ، وأقرب إلى الرواية التاريخية. وقد تمحورت كل الروايتان الأوليان حول واحد من قادة وشهداء النضال الفلسطيني ضد الإنكليز والصهيونية قبل قيام إسرائيل. وفي الروايات الثلاث كثير من المتناصات الحرفية أو التي جرى التصرف بالقليل من حرفيتها، مع ذكر المصدر، كما في مذكرات أكرم زعيتر والحكم دروزة والمؤرخين الإسرائيليين الجدد... وإذا كانت الروايتان الأوليان قد تمحورتا حول عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني، فقد تمحورت الرواية الأخيرة حول أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، والذي أُعدم عام 1949، وجعلت منه الرواية، في لبنانيته، وفيما كان لفلسطين في وجدانه وكتاباته، أمثولةً في حياته وفي استشهاده، كما في هذا الذي نقلته بتصرف من كتاب سعيد تقي الدين (حدثني الكاهن الذي عرفه) ويتصل بقبر وبدفن الشهيد: «إن تراب الدنيا لم ولن يطمر تلك الحفرة، ورنين الرفوش في ذلك الفجر سيبقى النفير الداوي ليقظة هذه الأمة».
مع مثال أنطون سعادة ننتقل إلى الشهيد الذي لم يسقط في الصراع مع العدو الخارجي (الإسرائيلي أو الفرنسي أو الإنكليزي زمن الاستعمار)، بل في الصراع الداخلي. وإذا كانت أمثلة التخييل الروائي للشهادة وللشهيد في حروب الاستقلال وفيرة، فليست الأمثلة من الحروب الأهلية بأقلّ وفرة. ومن الغمر الروائي في سوريا فيما تشهده منذ خمس سنوات تقريباً، اخترت رواية (قميص الليل) لسوسن جميل حسن، وأول ما ينادي فيها إلى هذا المقام هو مواكب التشييع. ففي ليلة موت (جيغا) الشخصية المحورية للرواية – وهي الليلة/ الزمن الروائي – لا تهدأ تلك المواكب، إذ ازداد عدد جثامين عناصر الجيش التي تنقلها طائرات خاصة من دمشق إلى مطار حميميم الذي اشتُهر بعد التدخل الروسي في سوريا، ونقرأ في الرواية:«هذه الجثامين يُؤتى بها من جميع أنحاء سوريا، وتوزع على قراها وضيعها التي صارت كل قرية منها عبارة عن خيمة عزاء كبيرة، ونساء متشحات بالسواد، وعجائز بوجوه متغضنة..». وفي مدينة الرواية (اللاذقية) أيضاً، لا يكاد يخلو شارع من خيم العزاء في أحياء محدودة، وهذه إشارة على الأحياء التي تصنف طائفياً بالعلوية. وتتابع الرواية تصوير جدران المدينة التي صارت مثل الفسيفساء، مطعمة بأوراق النعي، كما أعمدة الكهرباء وغلق المحلات وحيطان المدارس، بينما الشوارع مقطوعة بخيم العزاء، وعليها بوسترات بصور الشهداء بثيابهم العسكرية وأسمائهم ورتبهم. وفي سرد الرواية عن مدن أخرى (ضحايا) منهم مدنيون ومنهم مسلحون. ومن أولاء في اللاذقية، ترسم الرواية صالات العزاء الملحقة ببعض جوامع المدينة، حيث يقام ل (الضحايا) جنازات شرفية من دون جثمان، ولا يجرؤ الأهل على كتابة لقب شهيد على النعوات. وقد تكون ضحية – يكون شهيد – ممن اختفوا زمناً، ثم اكتُشف أمر التحاقه بالكتائب المقاتلة بعدما تحولت الثورة السورية إلى صراع مسلح. وقد تكون الضحية – الشهيد – ممن اعتقلوا على خلفية المظاهرات، ثم سُلِّمت الجثة إلى الأهل في تابوت مقفل/ فارغ.
تصادف الراوية (حياة) على جدار خيمة صور الشهيد البطل الذي لم يكمل الرابعة والعشرين، وتكتشف أنه ابن صديقتها فايزة، فتتساءل حياة عن هذه البطولة التي «تمنح لأزهار هذا الوطن مقابل موت رخيص» وتتساءل عمّن قال: إن الأمهات راغبات بهذا النوع من الثورات المبنية على العسكرة، أي على الموت الغشوم الذي يدفع إليه شباب الوطن قرابين رخيصة، مدججين بعقائد سامة، منها ما يبثه أدعياء غمسوا عمائمهم بدماء الأبرياء.
حين تلتقي حياة بصديقتها أم الشهيد تراها مثل هرم متداعٍ، أو قطعة حطب مهملة تحت الشمس. وتتحدث حياة عن صديقة أخرى لها، هي أم شهيدٍ أيضاً، ولكن من الطائفة الأخرى، وكان قد اعتقل بتهمة الخروج من الجامع في مظاهرات يوم الجمعة، ثم سلّمت جثته من فرع من فروع الأمن إلى الأب. وتتساءل حياة عمّا إذا كانت الفاجعة توحد والدتي الشهيدين المختلفين طائفياً.
أما رواية (باب الحيرة) لأنيسة عبود، فتعود إلى مجزرة مدرسة المدفعية في سورية قبل عقود، إبّان الصراع المسلح بين السلطة والإخوان المسلمين، وحيث سقط الملازم وائل، خطيب الفنانة التشكيلية زينب التي تروي الرواية، ومن ذلك تهديد والد الشهيد لها بالقتل إن تزوجت بعده. كما تروي أن صديقاً للشهيد هو حسان يسكن به حدّ التقمص، فيحاصر زينب بحبه. ولكن الزمن يفعل فعله، فلا يبقى لزينب من الشهيد إلا (زر) بذلته العسكرية الذي يتحول إلى إيقاع روائي، بينما ينتهي الشهيد إلى النسيان فتهتف به زينب «لست عذراءك»، وتتخلص من اللوحة التي رسمتها لثيابه، وهي تجأر بثيابه وبالخزانة وباللوحة: «لماذا عليّ أن أحمل أعباء الذاكرة والذكورة».
تحفل مدوّنة الشهادة والشهيد بما كتبت الرواية عن الجزائر في العشرية السوداء التي ودعت بها القرن العشرين. ومن زمن الثورة الجزائرية التي جاءت بالاستقلال، التفتت الرواية إلى شهيد الصراع الداخلي، كما في رائعة الطاهر وطّار (اللاز)، والتي تبدأ من وقوف والد الشهيد قدور في الطابور أمام (مكتب) منح الشهداء، حيث يتحول الشهيد إلى مجرد بطاقة في جيب ذويه، تبرز مرة كل ثلاثة أشهر أمام المكتب، ثم تُطوى مع دريهمات في انتظار المنحة القادمة، بينما يردد اللاز قولته التي توقّع للرواية «ما يبقى في الواد غير حجاره». وكان والد اللاز الشيوعي المقاتل في صفوف جبهة التحرير قد حُكم عليه وعلى خمسة من أقرانه الأوربيين بالذبح إن لم يعلنوا الانسلاخ عن أحزابهم إضافة على الدخول في الإسلام للأوربيين الخمسة.
وسوف يحضر (مكتب) الشهيد أيضاً في رواية فوزية شويش السالم (رجيم الكلام)، لكن الاستشهاد هذه المرة يأتي في الرحب البينية (العراق – الكويت). وهذه الرواية أنموذج بامتياز للرواية السيرية وللرواية الوثائقية في آن معاً.
تروي الراوية نارنج أنها دخلت إلى مبنى مكتب الشهيد التابع للديوان الأميري، حيث هو توثيق شهادات وحيوات شهداء الحرب، وحيث الأوراق والملفات المكدسة في طابور الانتظار: حياة بطولة وشهادة انتهت في ملفات تنتظر من ينتشله من صمت الأوراق النائمة على الرفوف، وحيث الكتابة بحبر الورق لا تشبه أبداً كتابة بحبر الدم. وتختار نارنج من الكومة ما يتعلق بنقيضتها بالشهيدة أسرار القبندي، لترى فيها جبنها يتناسل، فليس سوى أسرار من «يعريني ويفضحني أمام ذاتي ومن يكشف أقنعة وأوهام وبطولة نارنج، لتصغر في مرآة أسرار، ولتكبر أسرار في مرآتها هي.
في صالة الانتظار في مكتب الشهيد تجد نارنج الكاتبة فوزي شويش السالم، ويدهش كل منهما اختيار الأخرى لأسرار. وتكتب الكاتبة السالم أن أسرار سكنتها ثلاثة عشر عاماً:«تم تحرير البلاد ولم يتم تحريري منها»، خلافاً لمئات الشباب الآخرين، ومنهم شقيق الكاتبة. ومن سيرة الكاتبة هنا ما تحدث به عن وضحة التي سكنتها في روايتها (الشمس مذبوحة والليل محبوس) وعن هيا التي سكنتها في رواية (النواخدة). أما اختيارها لأسرار فلكي تحرر خيالها من قيد الذكريات والصور المزدحمة الضاغطة المثقلة بالشهيدة وبالكاتبة معاً.
تصور الرواية المقابر الجماعية لشهداء الكويت بعد سقوط بغداد. ومن أثر ذلك في الكاتبة تتفجر الأسئلة عن تدجين الإنسان وعن موت من أذيب جسده في الأحماض... ويتصل بذلك سؤال ذوي الشهداء عن أبنائهم الذين لم يظهر لهم أثر. وبعد ذلك تعود الرواية إلى حياة الشهيدة التي انخرطت في المقاومة ما بين الثاني من أغسطس والرابع من نوفمبر 1990، ولا توفر الرواية سبيلاً إلى أسطرتها، فنراها تقوم بتهريب ديسكات أسرار الكويت، وبإخفاء ونقل الأجانب المقيمين فيها، وبتوزيع الأموال والإغاثة ونقل الأسلحة والمعلومات وسوى ذلك الكثير، فهي«المرأة التي لن يجود الزمان بمثلها». وفي ختام الرواية تفيض بتمجيد الشهداء، فهم زيت احتراق الشمعة، وبفضلهم نحيا من جديد ونمد أيدينا للسلام والصلح. وتدعو إلى أن تبقى ذكراهم حية في حياتنا، ومن ذلك أن يحضروا في المناهج وفي كراريس التلاميذ، ليقرؤوا تاريخهم وصنّاع تاريخهم.
من مصر إلى فلسطين، ومن سوريا إلى الجزائر والكويت، جاءت الروايات التي رأيناها وهي تكتب الشهادة والشهيد من الثورة ضد الاستعمار ومن أجل الاستقلال، إلى الحروب العربية الإسرائيلية، ومن الحرب بين بلد عربي وآخر إلى الحرب الأهلية في بلد عربي أو آخر. ولعل دلالة ذلك تكون كبيرة، بما تبيّن من اشتغال الوثيقة في الرواية، ومن الرواية التاريخية، الحفرية الروائية في التاريخ، وكذلك من أسطرة الشهيد ومن نقيض الأسطرة، أي الرسم الواقعي للشهيد وللشهادة، وما يتعلق بهما من البيروقراطية والطائفية.. ومن دون أن يغيب عن البال قطّ أن الشهادة والشهيد سيظلان ينبوعاً روائياً دفاقاً بواقعيته وبتخيله، مادام الإنسان يضحي بنفسه ضد كل ما يشوّه إنسانيته.

مالكوم إكس
يعتبر 21 فبراير 1965 يوماً قاتماً لا ينسى في تاريخ حركة الدفاع عن الحقوق المدنية في أمريكا. لقد اغتال ثلاثة رجال في هذا اليوم المشؤوم أعظم زعيم وخطيب اسود في تاريح أميركا.. وربما العالم.. إنه مالكوم إكس.. صاحب الشخصية الكارزمية، الذي يعتبر - من الناحية غير الرسمية - الزعيم الأسود الأهمّ والأكثر تأثيراً في حركة الدفاع عن السود والأقليات ضد التمييز العنصري.
وما تزال سيرته الذاتية الصادرة في 1964 تطبع وتنفذ، ثم تعاد طباعتها حتى اليوم بصورة متكررة ومدهشة.
ولد مالكوم ليتل العام 1925 لعائلة مسيحية فقيرة جدا. توفي والده في حادث غامض يعتقد أن لجماعة كلوكس كيلان العنصرية الإرهابية يد فيه، وقد تأثر حين رآها تحرق منزله بالكامل انتقاماً من والده الذي كان عضواً نشطاً في جماعة الزعيم الأسود ماركوس كارفي.
اعتنق الإسلام داخل السجن وغير اسمه من مالكوم ليتل إلى مالكوم x التي ترمز الى عدم معرفته باسم عائلته الإفريقية الأصلي.. ليصبح هذا الاسم الاحتجاجي الغاضب والغامض أشهر من نار على علم في فترة يسيرة.

بتصرف عن كتاب: النصوص المحرمة
ترجمة وتعليق: حمد العيسى

غسان كنفاني
غسان كنفاني، روائي وقاص وصحفي فلسطيني، تم اغتياله على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في 8 يوليو 1976 بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت.
في عام 1948 أجبر وعائلته على النزوح، فعاش في سوريا، ثم في لبنان حيث حصل على الجنسية اللبنانية. أكمل دراسته الثانوية في دمشق، وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952.
عمل مدرساً في الكويت، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية (1961) مسؤولاً عن القسم الثقافي فيها، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة (المحرر) اللبنانية، وأصدر فيها (ملحق فلسطين) ثم انتقل للعمل في جريدة الأنوار اللبنانية.
وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم «الهدف»، وترأس تحريرها، كما أصبح ناطقاً رسمياً باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

الشهيد السابع
إذا وجدناه محروقاً نخرجه من الرماد، وإذا وجدناه مقطّعاً نجمع أجزاءه ونبث فيها الحياة، وإذا وجدناه في بئر العين فمرحباً بالشهيد السابع رمز الخصب والحب والعطاء. وتكريماً له وللشهداء نسمي مقبرة العين من الآن فصاعداً: مقبرة الشهيد السابع.