الملحق الثقافي

أقمار الإمارات

الشهداء، هم الأحياء الحاضرون أبداً بيننا، فهم الذين دون غيرهم، يشهدون يقينا ما أُعدَّ لهم في الجنة، وهم الذين دون غيرهم، يُشهد لهم بالأمان من النار، فالشهادة جعلها الله ضمنا في نسيج النفس البشرية، وحينما تنزَّل القرآن الكريم على النبي العربي محمد في مكة بجزيرة العرب، عرَّفنا بمقاربة بليغة: إن نبض الإسلام كصوت داخل النفس البشرية، هو «الفطرة»، ومن فطرة الله التي فطر الناس عليها، الاستبسال دفاعا عن الأرض والعرض والدين، وبذل الروح رخيصة في سبيل الحق..
ومن الشهيد تؤخذ الإشارة للبشر الأحياء، على استدامة العيش الكريم، بحرية وأمان، فالتضحية بالدم في ساحات الوغى، في سبيل أهداف سامية، هي التي توفر الحرية والأمان للباقين الأحياء في الأرض. فمن موجبات خلق الروح، بعد العبادة، بذلها تضحيةً في طريق التحرر والانعتاق من العبودية، وإعمار الأرض بالجديد الصالح، وهدم القديم وما يرمز إليه من ظلامية وعوائق تعثر الفطرة السلمية في مسعاها السليم والإيجابي. لذا، فإن الابتسام المرسوم على وجوه أطفالنا، والأمل في عيون أمهاتنا وجداتنا، يذكرنا بالشهيد، تلك القوة التي تختزنها الشعوب بفعل الشهادة والشهداء، إنها اليوم ميراث قيم سيبقى فينا وإلى قيام الساعة، وعلينا تطوير هذا الميراث المقدس والمحافظة عليه، بأن نعاهدهم على الاستمرار في التضحيات من أجل الوطن، ومن أجل كرامة وسيادة الشعوب كافة.

ضريبة الحرية
كلما تنامى الوعي الاجتماعي والإنساني والديني لدى الشعوب، أدركت أن الحياة لا قيمة لها، إلا إذا اقترنت بالحرية والكرامة، وازدادت حبا واحتراما للشهداء هؤلاء الذين دفعوا «ضريبة» الدم في سبيل تلك القيم. وبهكذا حقيقة، يصبح الشهداء هم مصدر القدرة الكامنة في الدولة، وقوة الدفع إلى الاستمرار في الحاضر والمستقبل. لذلك فإن الشهادة هي الأولى التي تحظى بقدسية متزايدة..
إن أية مسيرة في التاريخ، تتوجها قوافل الشهداء، لن يكون مصيرها إلا النصر المؤزَّر. لذا فإن هؤلاء الذين ضحوا بكل شيء في سبيل الوطن، كشهداء الواجب في الإمارات، من دون أن يفكروا ولو للحظة بأنفسهم، تحولوا لدينا إلى مصدر إيمان بالنصر المحتوم..
حينما يريد المرء تعرّف خصائصه النضالية في شخصه، ماذا يعمل.. كيف يتصرف؟. ينظر إلى الشهيد والموروث القيمي الذي خلفه، فالشهيد هو المرآة الصادقة لمعرفة أنفسنا على حقيقتها حينما تستنفر في سبيل قضايا وطنية وقومية كبيرة. ولمن يريد معرفة صناعة الحياة من الموت، عليه أيضا النظر إلى الشهيد ليتعرَّف أسرار الحرية وكيف تبنى الأمجاد. فكل إنسان لا بد راحل يوما، إذ ليس في الموت شكٌ لحيٍّ، والقاعدة العامة أن يصبح الشخص المتوفى تاريخا ماضيا، إلا الشهيد، فإنه يبقى حاضرا بيننا، يسير معنا في ركاب من أمل بمستقبل زاهر..
ليس منا من لم ينظر إلى الشهداء نظرة متميزة، فالنظرةُ ترتقي وتتميز بارتقاء وتميز المنظور إليه. إن هؤلاء الشهداء خُلقوا من نسيج خاص، من مادة بشرية غاية في النفاسة، استطاعوا بذل أغلى ما عندهم وأعز، وهي أرواحهم، تلك الجذوة التي انتقلت بهم من حال إلى حال أسمى، ومن مكان إلى مكان أكثر رفعة. وحولتهم في وجدان شعوبهم إلى رموز مفتوحة على الفخار والنبالة والمروءة. إن هؤلاء الأموات الأحياء، كتبوا أجمل النصوص وأعمقها وأندرها قيمة وتأثيرا، هي نصوص خالدة لا تقدم فتصدأ، ولا تُبلى فتطمس، بل تبقى زاهية نضرة على مر العصور وتوالي الأزمان.

لكي يستمرّوا..
وبعد، فإن الوقوف في حضرة الشهداء.. بين أيديهم تلك التي قبضت على السلاح في ساحة الوغى، وهو المكان الأجل بين الأمكنة في الدنيا، يجعلك تقف على حقيقة، أن الإنسان في هذي الحياة، إنما هو منذورٌ للبحث عن معنى أفضل للوجود، ليهبه إلى البشرية لتصبح أكثر سعادة، وأكثر استقرارا وأمنا.. ليمنحه إلى الأوطان لتكون أكثر قوة وازدهارا ورفعة، وأكثر اطمئنانا على مستقبل أطفالها، يركضون سعداء في مرابعها، يضحكون موزعين أمانيهم على أعمارهم، ندىً وأغانٍ جميلة. إن قطرات دم الشهيد، الطاهرة الدافئة تلك، حيث سقطت، رسمت حدود أحلامنا بوطن عزيز آمن ومزدهر، وحددت لنا المدى الذي يمكننا بسط النظر فيه، وغرز راياتنا خفاقة معلنة حدود أمننا الإنساني والوطني، وأحلام أطفالنا ودرجة ألوانها الجميلة بمستقبل أكثر اطمئنانا.
هل لنا في المناهج الدراسية الحديثة، وضع ما يجعل أجيالنا المقبلة، تستلهم من أرواح شهدائنا معنى الحياة الحرة الكريمة، وكيف يحافظون عليها؟.. وأن نهيئ أجيالنا ليكونوا، متى استدعاهم الوطن، مشاريع شهادة في سبيل الحق والعدل وقضايا الوطن الكبرى؟. هل لنا أن نقول للآتين من أبنائنا، أن الحياة، لكي تبقى كريمة آمنة، لا بد لها من ثمن، وأنها لن ترضى بغير مشاريع شهادة إلى حين النداء، ليقدموا عليها ببسالة وشجاعة، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم، أنهم بذلك يصنعون حياة لائقة بشعوبهم، للتفرغ للتنمية، ولتبقى تعمِّر وتبني وتضيف قيما إنسانيا جديدة إلى الحضارة البشرية. لا شك أن أمرا حيويا كهذا هو في رأس قائمة أولويات الشعوب الطموحة والمتوثبة حضاريا.
ستظل الإمارات وشعبها عقودا طويلة تتفكر وتتدبر أمر هؤلاء الشباب - الأقمار، في ساحة الواجب، كيف وبوقت قياسي، اعتلوا بها إلى مدارات من ضياء، فأصبحت أنموذجا ملهما لصناعة الأمجاد، وعلامة فارقة في التاريخ.

ميراث مقدس
الابتسامة المرسومة على وجوه أطفالنا، والأمل في عيون أمهاتنا وجداتنا، يذكرنا بالشهيد؛ تلك القوة التي تختزنها الشعوب بفعل الشهادة والشهداء، إنها اليوم ميراث قيم سيبقى فينا وإلى قيام الساعة، وعلينا تطوير هذا الميراث المقدس والمحافظة عليه، بأن نعاهدهم الاستمرار في التضحيات من أجل الوطن، ومن أجل كرامة وسيادة الشعوب كافة..

خليفة أحمد المبارك
سفير الإمارات في فرنسا، كان والده رئيس دائرة القضاء في أبوظبي، تخرج من جامعة بيروت وعمل سفيراً للإمارات في السودان ثم سوريا وبعدها في فرنسا.
اغتيل في باريس يوم 08 فبراير 1984 من قبل جماعة أبو نضال الفلسطينية.