الملحق الثقافي

الموت حُبّاً

لوحة تصور  عصر الشهداء الأوائل في المسيحية (أرشيفية)

لوحة تصور عصر الشهداء الأوائل في المسيحية (أرشيفية)

من بين الكلمات التي شكلت اللبنات الأولى للفكر المسيحي، لا سيما في القرون الأربعة الأولى لظهور المسيحية، تحتل كلمتا «شهيد»، و«استشهاد»، مكانة متقدمة للغاية، إلى الدرجة التي دعت أحد قديسي المسيحية الأوائل «ترتليانوس»، لأن يطلق عبارته الشهيرة: «دماء الشهداء هي بذار الكنيسة الأولى»، على أن أمر الشهادة في المسيحية، يختلف في فهمه ومعناه ومبناه عن الاستشهاد والجهاد في الأديان الأخرى، إذ يكتسب معنى روحياً، أكثر مما هو مادي، والفكر المسيحي ينظر للشهداء فكرة تبجيل وتقديس، انطلاقاً من معان ومبان روحية سماوية، تصل بين الأرض والسماء.

يستدعي الحديث عن الاستشهاد في المسيحية طرح عدة تساؤلات أولية عن فكر الاستشهاد وهل له علاقة بطروحات الجهاد؟، وكذلك عن تاريخ الاضطهادات التي لاقاها المسيحيون الأوائل والتي جعلت المسيحين لاحقاً يضعون الشهداء في مرتبة الأولياء الصالحين، وقبل أي أحد في الكرامة؟ ويستلزم الأمر كذلك التوقف عند فترات تاريخية من الفكر الاستشهادي المغشوش الذي ساد بعض أرجاء العالم المسيحي كما في زمن الحرب الصليبية، وصولاً إلى القرن العشرين والرؤية المعاصرة للشهادة والاستشهاد. وليلاحظ القارئ المحقق والمدقق أننا نتناول الأمر بعين ورؤية مسيحيتين، حتى لا يدهش من المفاهيم والمصطلحات التي قد تواجهه في هذه القراءة.
تتمحور المسيحية ورسالتها في كلمة واحدة هي: «المحبة»، تلك التي تقود تابعيها إلى حياة البذل والعطاء، إنها المحبة التي تستهين بكل شيء من أجل غرض أسمى وأرفع، المحبة التي تتخطى كل الصعاب، وتصبر على كل الضيقات. هنا فإن التضحية بالذات، في سبيل الإيمان المسيحي، ميزت المسيحيين الأوائل الذين حافظوا على إيمانهم عن طريق البذل الكلي للنفس والجسد، وهكذا أضحى الألم متعة روحية يرتشفها المؤمن سعيداً راضياً، ويسعى إليها جاهداً عن حب، بل ويسأل الله مصلياً يتعجلها... ولا عجب، فقد تحول الموت من شيء مرعب مخيف إلى صديق محبوب أليف. وإذا كانت المسيحية هي «الحب»، فالموت في سبيلها هو قمة الحب والبذل.
والجهاد في المسيحية يكتسي معنى روحياً وفلسفياً، فهو مقاومة للخطأ والخطيئة، من أجل الوصول إلى حالة السلام الداخلي الكامل مع الله والناس، إنه أقرب إلى جهاد المفاهيم الصوفية عند كافة صفوفها وفي كل الشرائع والنواميس السابقة.

«المارتيروس» المسيحي
جاءت لفظة «مارتيروس» التي تعد بمثابة الموروث الديني عند المسيحيين من أصل يوناني، ويقابلها في اللغة العربية لفظة «شهيد»، وقد استخدمت في أصلها اللغوي للتعبير عن إنسان لديه معلومات عن أحداث سابقة مستقاة عن طريق الاشتراك فيها، لكنه لا يحتفظ بهذه المعلومات لنفسه، بل يشهد بها.
أطلق لفظ «الشهيد» في المسيحية على أولئك الذين يتعرضون للاضطهاد والعذاب لإنكار إيمانهم المسيحي بالسيد المسيح، في السنوات الأولى من قبل اليهود، ولاحقاً من جانب الامبراطورية الرومانية. وفي اللغة العربية، نجد أن الفعل «استشهد» في معناه الاصطلاحي، يعني إنساناً قتل في سبيل الله.أما المعنى الاشتقاقي الفقهي، فالاستشهاد مشتق من الشهادة. واستشهد بمعنى سئل الشهادة، أو طلب للشهادة. والمقصود بالشهادة هنا: هي الشهادة للإيمان الذي يدين به، ويذود عنه.
لقد كان الاستشهاد شرارة مثيرة، ألقيت في أعماق نفوس الشهداء الأوائل، فاشتعل الحب فيهم، وصار العشق الإلهي لهيباً، يجتذبهم إلى جماله غير المنطوق به، ليجعلهم شهوداً وشهداء.
كتب الفيلسوف «يوستن» ذات مرة عن تأثره العميق من رؤية الشهداء المسيحيين فقال: «في الوقت الذي كنت استمتع فيه بمبادئ أفلاطون، وفي الوقت الذي كنت استمع فيه إلى المتاعب التي يتكبدها المسيحيون، قلت لنفسي: حيث إني رأيتهم لا يرهبون الموت حتى وسط الأخطار التي يعتبرها العالم مرعبة، فمن المستحيل أن يكونوا أناساً يعيشون في الشهوة والجرائم».

الأوائل
اضطهاد اليهود للمسيحيين الأوائل، كان شرساً، وفي التاريخ المسيحي كان رجال يهود مشهود لهم بالتقوى والخوف على ناموس موسى في مقدمة قتلة المسيحيين الأوائل، وفي مقدمتهم «شاول الطرسوسي» الذي أضحى لاحقاً «بولس» المبشر الأشهر في المسيحية.
ولقد بلغت كراهية اليهود للمسيحيين عامة، ولبولس خاصة، حداً دفع أكثر من أربعين يهودياً أن يتعاهدوا ألا يذوقوا طعاماً أو شراباً حتى يقتلوا بولس، وتم هذا بالاتفاق مع رؤساء كهنة اليهود.
ومن أشهر شهداء هذه الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، الذين قتلهم اليهود: إستفانوس رئيس الشمامسة الذي رجموه نحو سنة 36 ميلادية ويعقوب الكبير الذي قتله هيرودس بالسيف سنة 44 ميلادية، ويعقوب الصغير إسقف أورشيلم، الذي رجموه سنة 63 ميلادية، وسمعان أسقف أورشيلم الذي صلب سنة 107 ميلادية.
وفي عهد الإمبراطور «دوميتان» «81 – 96م» أطلق اليهود إشاعات مؤداها، أن المسيحيين لهم أطماع سياسية، الأمر الذي دفع الإمبراطور إلى التفكير في إبادة كافة المسيحين، لولا أنه أطلع على شهود عيان من المسيحيين، ولمس بساطتهم ورأى زهدهم في الحياة، وسمع منهم عن معنى ملك المسيح، وأنه ليس ملكاً أرضيا، بل سماوياً روحياً.

أصحاب الأخدود
استمر اضطهاد اليهود للمسيحيين الأوائل في شبه الجزيرة العربية عامة وليس في فلسطين فقط، فقد دخلت المسيحية «حمير» أو «بلاد الحميرين» والتي تعرف اليوم بـ «اليمن»، في القرن الأول الميلادي، وانتشرت في تلك البلاد لاسيما في نجران وظفار، ومأرب وحضرموت، بل أصبحت مركزاً إيبارشياً في أوائل القرن السادس وكان الحميريون المسيحيون، من أشد المحافظين على إيمانهم بالسيد المسيح.
على أنه في سنة 523 تولى حكم الحميريين ملك يدعى «مسروق» ومعروف في كتب التاريخ باسم «ذو نواس»، وكان قد اعتنق اليهودية، ففتك ببضعة آلاف من المسيحين الآمنين، وقد جاء ذكر هؤلاء في القرآن الكريم، وهم المعروفون باسم «أصحاب الأخدود»، وهذا ما ذكره الطبري المؤرخ المسلم حين قال: خُدَّ لهم الأخدود، وحرق بالنار، وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة، وهذه العبارة المقتضبة، ذكرت مفصلة في العديد من المخطوطات السريانية التي لا تزال تحتفظ بها الكنيسة في بلاد ما بين النهرين.

اختلاط الدين بالسياسة
ولعل من لديه فكرة ولو يسيرة عن تاريخ الاستشهاد والشهداء في المسيحية، يعلم تمام العلم، كيف أن القرون الأربعة الأولى للامبراطورية الرومانية وحتى وصل الإمبراطور قسطنطين ابن الملكة هيلانة إلى الحكم، كانت قروناً دموية، قتل فيها المسيحيين واستشهدوا بالآلاف، بل عشرات إن لم يكن مئات الآلاف.
على أنه لا يمكن فهم موضوع تحدي الإمبراطورية الوثنية الضاربة في القدم للديانة المسيحية الناشئة إبان ظهورها، وفي طور طفولتها، ما لم نفهم نفسية الإنسان الروماني من جهة الدين والآلهة التي كان يتعبد لها وأثرها في حياته.
مدخلنا لهذا الفهم هو رأي العلامة «فوسيتل دي كولانج» في كتابه «المدينة العتيقة»: دراسة لعبادة الإغريق الرومان وشرعهم وأنظمتهم، وهو يعتبر حجة في هذا الموضوع، يقول:
كان الدين هو كل شيء في حياة الإنسان القديم، والمحرك الأول والأخير له في حياته، يتدخل في علاقة وحركة الإنسان الوثني وأسرته وحياته العامه؛ حينما يولد الإنسان، وحين يتزوج وحين يموت، يجب عليه استعطاف الآلهة واسترضائهم لئلا يؤذونه، أو على الأقل لا يسببون له حزناً.. في زوايا الشوارع، وعند أبواب البيوت، في الصالات، وحجرات النوم، بل وفي كل مكان كانت العين تصطدم بصور الآلهة الوثنيين، ويتبع ذلك الاحتفالات، وما فيها من تقدمات دينية للآلهة... ماذا يعني ذلك؟
يقول المؤرخ الكبير (شاف - schaff) كاتب تاريخ الكنيسة المسيحية: «كانت العبادة الوثنية تتداخل في كل مرافق الدولة الرومانية، كخيوط النسيج الواحد المغزولة معاً، بل لقد جعلت من الدين أداة لسياستها».
وهكذا نفهم السر في مقاومة الدولة الرومانية الوثنية (أباطرة وحكاماً وشعباً وكهنة – للمسيحية والمسيحيين)، لم تكن المسألة مسألة رفض المسيحيين السجود للآلهة أو التقريب لها، بل أعمق من ذلك بكثير.
فقد كان الرومان يعتقدون أن أمنهم ورفاهيتهم وحياتهم وكل شيء متعلق بآلهتهم، وأن هؤلاء المسيحيين إنما هم أعداء الآلهة.. لذلك فحينما كانت تحل الكوارث والنكبات في الدولة – سواء في الحرب والمعارك أو بسبب الكوارث الطبيعة كفيضانات الأنهار أو الزلازل والبراكين أو الأوبئة والمجاعات، أو القحط والجدب بسبب قلة الأمطار – كانت ترتفع أصوات جميع الوثنيين على السواء: هذا بسبب أعداء الآلة. وإن الآلهة غير راضية عن الدولة لتركها هؤلاء المسيحيون وشأنهم... فماذا كانت النتيجة والمحصلة الطبيعية لمثل هذه الأفكار؟

المحنة المسيحية الكبرى
ما إن اعتلى الإمبراطور الروماني الوثني دقلديانوس عرش الإمبراطورية سنة (284م) حتى دخلت المسيحية محنتها الكبرى، فقد نقل الرجل عاصمة ملكه من روما إلى نيقوميديا بآسيا الصغرى (غرب الآستانة الحديثة)، لكي يصد غارات الشرق ويتفرغ لمناوأة أعدائه، وأعطى أحد قواده المدعو مكسيميانوس لقب «والي» وولاه كل الغرب، وكانت ميلان بإيطاليا عاصمته وكانت له صلاحية الإمبراطور، غير أنه ظل خاضعاً لدقلديانوس.
أما في الشرق فعين جاليريوس حاكماً على سوريا ومصر وتلك النواحي، وأعطاه لقب «قيصر» وكان جاليريوس عدواً لدوداً للمسيحيين. وفى السنة الثامنة عشرة لملك دقلديانوس بدأت خطة لإبادة المسيحيين، التي كان قد أحكم الأعداد لها طوال هذه السنين، وفي يوم 23 فبراير سنة 303 ميلادية، وفق ما تروي الكتب، خرجت الأوامر من قصر نيقوميديا بإبادة المسيحيين من على وجه الأرض، وأعطى لجاليروس، وكان أعظم محارب في عصره أن يقوم بتنفيذ الخطة في الشرق.
بدأت العاصفة بكاتدرائية نيقوميديا ذاتها، فهدمت من أساسها وأحرقت محتوياتها، ونهبت ذخائرها، وفي يوم 24 فبراير سنة 303، ارتفع منشور على باب مقر الإمبراطور يحمل أمراً بهدم جميع الكنائس، وحرق جميع الأسفار وتجريد الأساقفة وكل من هو في رتبة كنسية من الحقوق المدنية. ولما بلغ مكسيمانوس إمبراطور الغرب ما صنعه دقلديانوس في الشرق أصدر هو الآخر أوامر مماثلة لإبادة المسيحيين، مبتدئاً بإيطاليا ثم أفريقيا.
سرعان ما سرت بين المسيحيين في الشرق والغرب حماسة إيمانية عالية وعصيان لكل أوامر الإمبراطور، فواصلوا عبادتهم واجتماعاتهم وحملهم للأسفار المقدسة وزاد اعترافهم العلني بالإيمان بالسيد المسيح، ورفضاً لعبادة الأوثان بشجاعة أذهلت الإمبراطور وأخرجته عن وعيه. فأصدر الأوامر المشددة بسجن كل رؤساء الكنائس فامتلأت السجون حتى اكتظت بالأساقفة والكهنة والشمامسة، ولكن لم تتوقف حركة العصيان العلني ولا الحماس الإيماني ولا قيد شعره، وكان نشيد الإيمان والاعتراف بالمسيح يسمع في السجون وفي دور القضاء وأمام الحكام علانية.
تكاثرت الأصوات الحزينة المنبعثة من الأشلاء المبعثرة في ساحات الاستشهاد، وترددت أنات الشهداء في قلب الإمبراطور، وتكدست صور المذبوحين في ذاكرته، وبحلول سنة 306 ميلادية كان الملك قسطنطين يرث الملك عن والده الإمبراطور قسطنطينوس، وليبدأ عهد جديد من التسامح مع المسيحيين وإعادة كافة حقوقهم السليبة، والسماح لهم ببناء كنائسهم من جديد، لتنتهي بذلك أطول حقبة من حقب الشهادة والاستشهاد في تاريخ الديانية المسيحية.

في الثقافة والفكر
ما الذي يمثله الشهداء القدامى في حياة المسيحيين الأوائل والمحدثين على حد سواء؟
إنهم يمثلون حالة من حالات التجلي الروحاني، والوصل والمدد بين الأرض وبين رب السماء، ولهذا حسبت أجساد الشهداء منذ العصر المسيحي الأول كودائع مقدسة توضع في أثمن الأكفان، وتستودع أعظم الأماكن وأقدسها، وكانت أجسادهم تدفن تحت مذابح الهياكل في الكنائس والكاتدرائيات الكبرى حول العالم.
كانت هذه الأجساد بحسب الرؤى الثقافية والفلسفية تحسب مقدسة وبمثابة شهادة وختم على غلبة الفرح السمائي فوق خبث ومكائد الأرض، لأن الفرح والتهليل والابتسامة لم تكن تفارق وجوه الشهداء وهم في طريقهم من السجن إلى موضع العذاب، وكانت روائح عطرة وسماوية تفوح منهم قبل وبعد الاستشهاد.
هذا شجع المؤمنين جداً لكي يجعلوا من مقابر هؤلاء الشهداء موضعاً لائقاً بهذه السمات السمائية التي طبعها الله على أجسادهم وذلك بالرغم من إلحاح الشهداء أنفسهم برفض أي تكريم لأجسادهم، كما جاء على لسان الشهيد إغناطيوس في رسالته إلى رومية (الفصل الرابع).
وقد اعتبرت ذخائر الشهداء أثمن من الذهب، حتى إن يهود العصر المسيحي الأول حقداً منهم عيروا المسيحيين بأنهم كانوا ينوون ترك إيمانهم ليعبدوا جسد بوليكاربوس أسقف أزمير الشهيد، فما كان هذا إلا ليضرم روح المسيحيين لتكريم بقايا جسد بوليكاربوس أكثر وأكثر.
ويقول المؤرخ يوسابيوس إن امتلاك أي كنيسة لجسد شهيد أصبح بمثابة كرامة وشهرة، بالإضافة إلى اعتبار ذلك توكيداً وضماناً لصحة إيمانها وعقيدتها.
وبناء على هذه القيمة العالية التي صارت لأجساد الشهداء بالنسبة لشهرة الكنيسة وصحة عقيدتها، صار التنازع والتسابق على امتلاك هذه الأجساد، ثم صار بالتالي السعي لنقلها من مكان إلى مكان، إما بالسرقات العلنية أو بتوصيات الرؤساء التي بلغت حد إصدار الأوامر بذلك، كما حدث في أيام «فابيان» أسقف روما، إذ استعان بأمر إمبراطوري لنقل جسديّْ القديسين نيتانوس وهيبوليتس من سردينيا إلى روما.
ولعل الفنون المسيحية قد أبدعت في رسم الشهداء من المسيحيين لا من خلال لحظات المحاكمة والاستشهاد فحسب، بل من خلال تصور ميتافيزيقي للعالم الروحاني السماوي، فدائماً وأبداً يظهر هؤلاء، وعلى رؤوسهم أكاليل وتيجان مذهبة، وهو الإكليل الذي تتمسك الكنيسة به بوصفه حق من حقوق الشهداء، وترسمه دائماً حول رؤوسهم، وله مرجعية في كتابات القديس بولس، الذي يقول في رسالته إلى أهل تسالونيكي من أعمال آسيا الصغرى في القرن الأول الميلادي (2 تى 4: 6 – 8): «فإني أنا الآن أسكب سكيباً، ووقت انحلالي قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، وحفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر، الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً».

في العصور الحديثة
يعنّ لنا أن نتساءل هل توقف الاستشهاد في المسيحية في العصور الحديثة؟ الجواب قد يفاجئنا بأن عصور الاستشهاد في المسيحية قد امتدت ربما إلى عصور التنوير في أوروبا ومن بعدها إلى بدايات القرن العشرين، وها هي تعود من أسف إلى بعض المواقع والمواضع في الشرق... كيف ذلك وبأي آليات؟
يدهش القارئ حين يطالع حقائق بعينها ارتبطت بثورات أوربية، خيل للناظر أنها ثورات على البرجوازية الأوربية الكلاسيكية، في حين أنها كانت حركات معادية للدين المسيحي خاصة، من قبل الظلاميين الأوربيين كالماسونيين وكافة الجماعات السرية التي لا هم لها إلا إسقاط المؤسسة الكنسية التي وقفت ولا تزال عقبة في وجه الترويج لمملكة الشيطان.
هل أتاك حديث ما جرى في 12 يوليو 1790 عندما صوت المجلس التشريعي لفرنسا بعد الثورة على وثيقة الدستور العلماني للأكليروس، وبموجبه صار الكهنة الفرنسيون يعتبرون موظفين لدى الدولة، يأتمرون بقراراتها، ويرفضون أي علاقة بالبابا وبالكنيسة الرومانية الكاثوليكية.
وفي 27 نوفمبر 1790 أضافوا تعديلاً أقسى فرضوا بموجبه على الكهنة أن يقسموا الوفاء للثورة الفرنسية أمام ممثل رسمياً لسلطة الرعب القائمة آنذاك.
رفضت الكنيسة في روما هذا القرار، ورفضه أيضاً معظم الكهنة في فرنسا، وكانت النتيجة مأساوية: قتل عدد كبير جداً من الكهنة، معتبرين شهداء، ولاحقاً جرت مذبحة شهداء الكرمل في باريس عاصمة النور، ويغيب عن كثيرين أن لفظة «لوسيفورس» الشيطان، تعني «حامل النور». المجزرة بدأت بإعدام 23 كاهناً رفضوا أن يقسموا الولاء وينفصلوا عن الكنيسة الجامعة، وقد تم إعدامهم في دير كان قد تحول إلى سجن للكهنة، وبدأ الإعدام بصرخة أحد الضباط: «أيها الشعب أنت تذبح عدوك، أنت تقوم بواجبك».
وحين انتهت الفرقة من عملها، صرخ الضابط عينه: «لم يعد لدينا شيء نقوم به هنا، فلنذهب إلى الكرمل». وصلت الفرقة إلى دير الآباء الكرمليين، حيث اجتمع أكثر من 150 كاهناً لم يقسموا اليمين، ذهبوا كلهم وركعوا داخل الكنيسة، حين سمعوا الجنود يقتربون. دخل الجنود بالسيوف وبالعصي وبالفؤوس، فقتلوا رئيس أساقفة أرل، وأسقف سانت، وأسقف بوفيه، ورئيس عام الرهبان البندكتان والكهنة الموجودين معهم، وقد كانت تلك واحدة من حوادث استشهاد مشابهة للمسيحيين جرت في تلك الحقبة.
ومع حلول القرن العشرين، حيث يتصور البعض أنه عصر خال من الشهادة المسيحية، لكن يبدو أن لكل عصر شهداءه، استشهد مسيحيون ربما أكثر ممن استشهدوا في القرون السابقة. لقد سقط الآلاف في زمن الثورة البلشفية التي قتلت وعذبت وشردت المسيحيين، نفس الأمر جرى مع الثورة الأسبانية، ولم تكن النازية العنصرية أقل وطأة مع عموم مسيحيي أوربا، وفي الصين وغالبية دول آسيا بالغت الشوفينية الوضعية في اضطهاد المسيحيين، ومع الحرب العالمية الأولى جرت مذابح الأرمن واضطهاد السريان في الشرق، وصل الأمر حدود أمريكا اللاتينية، حيث اغتيل الأسقف «روميروس» الداعم لفقراء القارة اللاتينية. وفي زمن العولمة وبدايات القرن الحادي والعشرين، ها نحن نرى داعش وكيف تقتل مسيحيي العراق وسوريا بصورة تختلف كلية عن سماحة الإسلام وحرية الدين فيه، وبعيدة عن تاريخ من تعايش الإسلام مع اليهودية والمسيحية في صدر الحضارة العربية الخلاقة.
سردية الشهادة والاستشهاد في المسيحية لا تعني سفك الدماء فقط، إنها سردية المحبة والبذل والعطاء في كل مجالات الحياة، فالحب هو كمال العطاء، من دون تفكير أو حسابات، إنه شهادة للعيش، وليست شهادة للممات.

الحروب الصليبية.. تحريف لمعنى الشهادة
هل جاءت فترات في تاريخ المسيحية حاول فيها البعض تطويع فكر الاستشهاد المسيحي الروحاني لتحقيق أغراض سياسية لا علاقة لها بصحيح الدين المسيحي وجوهره الذي سبق السيد المسيح وأشار إليه بوصفه أن مملكته ليست من هذا العالم؟
نعم، وهنا نحن نتحدث عن الفترة المظلمة في القرون الوسطى حيث ما عرف تاريخياً في الغرب بالحروب الصليبية وفي الشرق باسم حروب الفرنجة.
والمؤكد أنه ليس ها هنا مقام تفصيل الكلام عن هذه السلسلة من الحروب التي تحتاج إلى إعادة قراءة بروح عصرانية حديثة، وفي ظل معطيات تاريخية غير منحازة، لكن في جميع الأحوال يمكن القطع بأنها كانت مضادة لروح المسيحية، كانت سعياً لشهادة مغشوشة تنافي وتجافي في غالبيتها روح معلم المسيحية ومؤسسها الذي حرم على حواريه استخدام العنف حينما وجه رسالة واضحة لكبير حوارييه «سمعان بن يونا» المعروف بـ»بطرس الرسول» قولاً واضحاً صريحاً لا لبس فيه» أردد السيف إلى غمده فمن أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ».
كان التغرير بالأوروبيين البسطاء قد بلغ مبلغه، ووراء الرؤى الدينية المغلوطة، روج البعض لفكرة تحرير بيت المقدس من أيدى المسلمين، وأن الموت في سبيل تحرير «قبر المسيح»، هو قمة الشهادة، وهو تغرير ما بعده تغرير لا سيما وأن الإمبراطور شارلمان قد حصل من الخليفة العباسي على حق رعاية المسيحيين في بيت المقدس.
لقد كانت حرباً لا هوادة فيها، فقد جاء الصليبيون يحملون الخراب والموت بعد هزيمتهم لجيش تركي جرار، وعندما غزا الصليبيون مصر تعرض الناس الذين لا يعلمون شيئاً في الحال لمذبحة فظيعة، وفي نفس الوقت شارك «فرسان المعبد»، ذلك الفصيل الغامض الذي نشأ على هامش تلك الحروب، في هذه الفظائع التي ارتكبت في حق الشعب الذي كان يعيش جاهلاً بكل شيء. وهم الفرسان الذين جاءوا لتحرير قبر السيد المسيح. وها هو ذا فجأة ليس فقط الغرب يبكي على موتاه بل كذلك العالم الإسلامي يلملم دموعاً قطعت نياط قلب أم فقدت فلذة كبدها، ولا تزال حتى الآن الحروب مستمرة في بعض أرجاء العالم. وربما نسى كذلك السبب الحقيقي لنشوبها.
على أنه في وسط ظلمة الشهادة والاستشهاد المغلوطين ظهر صوت ينادي بصليبية أخرى، صليبية المحبة واستشهاد الحب لا الحرب، كان ذلك فرانسيس الأسيزي المتصوف الأوروبي الأشهر الذي رفض تلك الحروب، وقد جاء إلى دمياط في أثناء فترة الحروب الصليبية، ورفع صوته عالياً قائلاً:» ليس المسلمين من يسدون الطريق إلى بيت المقدس، بل آثامكم وخطاياكم. ومهما يكن من أمر فقد بات الاستشهاد في تلك الفترة عملة مغشوشة تنافي وتجافي المعنى الحقيقي والروحي للشهادة في المسيحية وهي قصة طويلة ربما يتحتم علينا الرجوع إليها لاحقاً».

أصحاب الأخدود
نقل «الطبري» عن «ابن إسحق» أن «ذا نواس» قتل من أهل حمير وقبائل اليمن المسيحيين ما يقرب من عشرين ألفاً من رجال الدين، ومن المؤمنين العاديين، من شبان وشابات، رجال ونساء وأطفال وهؤلاء الشهداء جاء ذكرهم في «سورة البروج»، وقد سماهم القرآن مؤمنين، وأضحت سيرتهم نبراساً لمسيحيين آخرين سيأتون من بعدهم.